ريتشارد سيمور في كتاب “كوربن”: خليفة توني بن في التزامه الأخلاقي ودعمه القضية الفلسطينية وحقوق الإنسان

سمير ناصيف
حجم الخط
0

 ما هو العامل الرئيسي الذي أدى إلى نجاح السياسي البريطاني اليساري الميول جيريمي كوربن، في الوصول إلى منصب زعيم حزب العمال في بلده؟ وماذا يفسر شعبيته المتصاعدة التي قد توصله إلى رئاسة الحكومة؟

وهل في إمكانه أن يحكم بنجاح إذا وصل إلى هذا المنصب؟

أسئلة طرحها الكاتب البريطاني ريتشارد سيمور في كتاب “كوربن” الصادر مؤخراً بطبعة معدلة تضم مقدمة مطولة كُتبت في الأشهر الماضية وفصولاً جديدة تضاف جاعلة الكتاب أكثر مواكبة للأحداث.

مقاربة الكاتب الأساسية هي ان كوربن لم يرتكب الخطأ الذي ارتكبه زعماء حزب العمال السابقين (وخصوصا توني بلير) رئيس الحكومة البريطانية بين عامي 1997 و2007 إلا وهو محاولة تقليد سياسات خصومهم قادة حزب المحافظين، بل انتهج نهجاً جديداً ومختلفاً عن السياسات التقليدية السابقة، في مواقفه الداخلية أو الخارجية.

ويؤكد سيمور ان كوربن تأثر إلى حد كبير بالقائد العمالي الراحل توني بن ولعله كان آخر المنتمين سياسياً إلى هذا الرجل الذي رفض التخلي عن المبادئ الأخلاقية بهدف التوصل إلى المناصب رغم أنها كانت في متناوله بسبب ثقافته الواسعة وخبرته وماضيه وانتمائه الاجتماعي المرموق.

توني بن، مثلا، كان من كبار مؤيدي القضية الفلسطينية بين القيادات البريطانية والعالمية، وجيريمي كوربن أحد كبار المدافعين عن حقوق الفلسطينيين والمنددين بسياسات إسرائيل القمعية والتوسعية.

وعندما شُنت حملات إعلامية ضد كوربن رفض الخضوع لها، فوُجهت الاتهامات إليه بالعداء للسامية والدفاع عن من اعتبرتهم وسائل الإعلام مجموعات إرهابية كـ”جيش التحرير الإيرلندي “وحركة حماس. وتصاعدت هذه الحملات عندما عارض كوربن المزيد من التسلح النووي البريطاني وصرف الأموال الهائلة على صناعة غواصات “ترايدنت” بدلاً من إنفاقها على مشاريع اجتماعية واقتصادية تفيد المعوزين والفقراء في البلد. كما اتُهم بمعارضة انتماء بريطانيا ودعمها للحروب التصعيدية لحلف شمالي الأطلسي “الناتو” رغم تصريحاته في أكثر من مناسبة بأنه ليس عدواً لأمريكا إذا قادها رؤساء يرفضون الحروب ويدعمون التفاوض من أجل تحقيق السلام في العالم.

أما الأمر التكتيكي الذي فعله كوربن في مجال زيادة شعبية حزبه، فكان استقطاب طبقات في المجتمع البريطاني لم تكن تصوت في السابق لأي من الأحزاب لأنها سئمت من عدم معالجة السياسيين لمشاكلها.

في المقدمة يقول سيمور ان وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية في بريطانيا تشن حملات متواصلة ضد كوربن وبينها “هيئة الإذاعة البريطانية”. ويعتبر ان وسائل الإعلام الخاصة التي يملكها أفراد ومجموعات على شاكلة روبرت ميردوخ أثرت على طبيعة العمل الصحافي في بريطانيا فأصبح رؤساء التحرير ومنتجو البرامج في هيئة الإذاعة البريطانية، يتنافسون مع المحطات الخاصة في الدفاع عن الحكومات والرأسمالية الداعية إلى التقشف وتقليص الانفاق على الخدمات العامة والتغاضي عن شجب السياسات الخارجية الخاطئة والمؤدية إلى المزيد من الحروب المدمرة. وكل ذلك لأن مثل هذا الشجب له انعكاسات سلبية على تجارة بيع الأسلحة واستيراد النفط والغاز بالأسعار والشروط الملائمة.

ويضيف ان السياسة المحافظة “الثاتشرية” حاولت عبر سيطرتها على وسائل الإعلام العامة والخاصة، ان تنفي وجود طبقات محرومة في المجتمع البريطاني وقررت أن المجتمع أصبح مُشكّلا فقط من طبقة وسطى. وهذا أمر رفضه توني بن (برغم انتمائه اجتماعيا إلى طبقة عليا) ويرفضه كوربن، مع انه يأتي من عائلة من الطبقة الوسطى.

غير ان توني بن أدرك، كما يدرك كوربن، ان الوصول إلى السلطة عن طريق الفوز في الانتخابات غير كاف للحصول على شرعية لاتخاذ القرارات الإصلاحية اقتصادياً وسياسياً من دون مشاكل مع معارضة قوية متحكمة في النظام ومدعومة خارجيا. وهذا أمر واجهته حكومات يسارية فازت مؤخراً في الانتخابات في اليونان واسبانيا وبعض دول أمريكا اللاتينية والجنوبية. وبالتالي، فإذا فاز كوربن في الانتخابات المقبلة في بريطانيا، عليه أولاً استقطاب بعض العناصر في حزبه التي تعارضه. وقد بدأ، حسب سيمور، هذا في الحدوث، حيث انتقل بعض كبار خصومه من المقاعد الخلفية المعارضة في الحزب إلى مواقف أكثر اعتدالاً وتخلوا عن الانتماء إلى سياسة “شيطنة كوربن” بهدف الحلول مكانه.

أما كوربن فيتميز بشخصية هادئة لا تحبذ العدائية تجاه الخصوم، وهذه ساهمت في شعبيته حتى باعتراف خصمه القوي في الحزب رئيس الحكومة السابق توني بلير.

أكبر إنجاز لكوربن على الصعيد الداخلي هو أنه قلبَ المعايير بالنسبة إلى المقاربة القائلة بأن سياسة التقشف الاقتصادي هي “شر لا بد منه” وأنه إذا قرر مصنع كبير التوقف عن العمل والتخلي عن عماله فهذا أمر طبيعي ومقبول. أما بنظر كوربن، ومن قبله توني بن، فيجب ان تُعطى الدولة والعمال في مثل هذه المؤسسات الخيار لإدارتها وامتلاكها قبل القرار بإقفالها، فلحياة البشر وقدرتهم على الاستمرار في العيش بكرامة الأفضلية في رأي كوربن وبن، بصرف النظر عما إذا كان المتمولون الكبار خسروا أو ربحوا المزيد.

ورغم ان كوربن وبن يدركان، حسب قول المؤلف، أن ليس بإمكان أي حكومة أو قائد ان يفرض على الشركات والمصانع الاستثمار في البلد فممكن وضع المزيد من الشروط والقيود على هؤلاء، وعدم ترك الأمور حرة كلياً في هذا المجال وخاضعة لمشيئتهم. وهنا قد يشكل هذا الموقف صعوبة أساسية لكوربن، إذا وصل إلى رئاسة الحكومة، حسب الكاتب.

أما عن موقفه المتردد بالنسبة إلى الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي فيقول سيمور انه يعود إلى وجود أعداد كبيرة من مؤيدي حزب العمال يفضلون بقاء بريطانيا في الاتحاد.

وهناك مجموعات في النقابات العمالية البريطانية تؤيد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي لخشيتها من المضاربة والتنافس على وظائف من جانب عمال وموظفين يتوافدون إلى بريطانيا خصوصا من دول أوروبا الشرقية المنتمية إلى الاتحاد الأوروبي. هذا بالإضافة إلى خشية بعض البريطانيين (خصوصا من الكبار في السن) من الهجرة غير الشرعية وغير المضبوطة حدوديا أي من قدوم مهاجرين من دول آسيا وافريقيا (غير الاتحاد الأوروبي) قد يشكلون خطراً أمنياً واجتماعياً على بريطانيا وسكانها.

ورغم وجود مثل هذه التحفظات والانقسامات في حزب العمال فإن كوربن رفض اعتماد سياسات عنصرية التوجه كما فعل “حزب الاستقلال البريطاني” بقيادة نايجل فاراج أو خضوع حزب العمال لبعض توجهات مثل هذه الأحزاب المتطرفة وقادتها، وقرر أن العامل الأخلاقي الإنساني يجب ان يؤخذ في الاعتبار في التعامل مع هذه القضية أو أي قضايا إنسانية أخرى. ونجح إلى حد ما في تهدئة الهجمة العنصرية التي حاولت جهات الدفع بها في بريطانيا.

وهنا يقول الكاتب ان السر في قوة وشعبية كوربن يكمن في انه قد يستجيب ولكنه يرفض أن يخضع لتوجهات الرأي العام، بل أنه يحاول تغيير مثل هذه التوجهات عندما يرى أنها تخطئ وأن يقنعها بالرأي الآخر عندما يشعر بحاجة لذلك. وهو بالتالي يفتح المجال أمام نقاشات تؤدي إلى العدالة السياسية والاجتماعية، وهذا ما يرجح كفته في مواجهة الإعلام المنحاز في معظم القضايا: (ص 252). وهذا، في رأي سيمور، ما أدى إلى زيادة حجم الانتساب إلى حزب العمال البريطاني إلى نسبة لم يصل إليها منذ عام 1970 وهذا ما قد يؤدي إلى وصوله إلى منصب رئاسة الحكومة.

يشير الكاتب إلى أنه شخصياً ليس منتسباُ إلى حزب العمال برغم أنه متعاطف مع كوربن وتوجهاته كقائد إنساني وقدرته على تحويل حزب العمال (بقيادة يسارية) إلى حزب قادر على الوصول إلى السلطة. ولكن، إذا وصل حزب العمال بقيادة كوربن إلى السلطة في بريطانيا سيشكل هذا الأمر بداية فقط في هذا التطور، وقد يتم قلب الأمور وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل هذا النجاح لأن خصومه أقوياء داخلياً وخارجياً ولديهم حلفاء بإمكانهم التأثير على إنجاح أو إفشال السياسات التي قد تضر في مصالحهم.

في الفصل الأول يقول المؤلف أنه رغم وجود تقارب في توجهات كوربن مع سياسات زعيم حزب العمال السابق الراحل مايكل فوت (اليساري التوجه أيضا) والذي جمع شعبية كبيرة قبل خسارته الانتخابات التشريعية أمام مارغريت ثاتشر عام 1983 فان فوت اختلف عن كوربن في قضية بارزة أساسية واحدة (ولكنها هامة) إذ انه أيد ثاتشر في حرب المالوين (حرب الفولكلاندز) التي شنتها ضد الارجنتين. وقد اتخذ فوت هذا الموقف لاستمالة التوجه القومي البريطاني، إذ في العادة تتكاتف جميع الفئات البريطانية لدى حدوث حرب مع جهة أخرى. يؤكد سيمور ان كوربن لم يكن ليتخذ مثل هذا الموقف المؤيد لثاتشر بل كان حاول العثور على حلول ديبلوماسية لتلك الأزمة. وهذا أيضا موقف كان سيتخذه توني بن في مثل هذه الأزمة. والزعيمان (كوربن وبن) وقفا مثل هذه الوقفات في تعامل بريطانيا الثاتشرية مع “الجيش الجمهوري الايرلندي” ورفضا مقاطعة زعماء هذا الجيش. كما وقف كوربن وبن ضد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وارتفعت أصواتهما في المنابر الشعبية منددة بهذه الحرب التي قتلت مئات الآلاف الأبرياء وأدت إلى نتائج سلبية، كما وقف كوربن وبن مع الشعب الفلسطيني في وقفات عديدة جريئة وفاعلة. وفعل بن ذلك حتى نهاية حياته، ويستمر كوربن في هذا التوجه برغم الحملات التي تقودها اللوبيات الصهيونية ضده في بريطانيا والخارج.

وحالياً، يرفض كوربن أي سياسات خارجية لحلفاء بريطانيا قد تؤدي إلى تعديات على الحريات الإنسانية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان بحجة تبريرات اقتصادية ومادية، ويقاطع كبار الزعماء الذين ينتهجون مثل هذه السياسات.

ويرافقه في هذه المواقف قادة شجعان في أمريكا وسائر أنحاء العالم بينهم السناتور الأمريكي بيرني ساندرز ورئيس حكومة كندا جاستن ترودو وأمثالهما في بلدان أخرى. وطبعاً تدعم وترافق هؤلاء الأجيال الجديدة التي ترفض الاستسلام للمادية والظلم والباطل.

Richard Seymour: Corbyn (The Strange Rebirth of Radical Politics)

Verso, London, WY (New and updated Edition, 2017)

327 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية