تونس-“القدس العربي”: تعتبر سبها أهم المدن الجنوبية الليبية كونها عاصمة الجنوب والمدينة التي يتمكن من خلالها المركز من السيطرة على أطراف ليبيا النائية والمترامية في أعماق الصحراء الكبرى الافريقية. فهي بمثابة الحامية للتراب الليبي وخط الدفاع الأول من الأخطار التي قد تأتي من الجنوب على غرار الإرهاب والتهريب وتجارة المخدرات والهجرة السرية وتسلل الميليشيات الأجنبية وغيرها.
لكن المدينة تحولت في السنوات الأخيرة، وبعد الإطاحة بنظام القذافي، إلى خاصرة رخوة تؤرق مضاجع الليبيين وكل “الخيرين” في العالم من الراغبين في استقرار بلد عمر المختار الذي مزقته الانقسامات. فهي وكما أغلب مناطق الجنوب الليبي باتت خارجة عن السيطرة في غياب سلطة مركزية في عموم البلاد وباتت مستقرا لجماعات مسلحة غير ليبية ومسرحا لصراعات داخلية بين الطوارق والتبو وبينهم وأولاد سليمان وغيرهم.
لقد استقرت في محيط المدينة ميليشيات مالية ونيجرية وتشادية ودارفورية سودانية معارضة لحكومات بلادها، دخل بعضها على خط الصراع الليبي – الليبي وكان طرفا في معارك دارت بين الليبيين. ويخشى من انفلاتها ودخولها في صراعات فيما بينها تزيد من تأزم الأوضاع في الجنوب الليبي الذي بات حالة فريدة وباتت مدنه وأهمها سبها مهددة بأخطار عديدة.
مناخ صحراوي جاف
تتشكل ليبيا من ثلاثة أقاليم كبرى وهي طرابلس (الغرب) وبرقة (الشرق) وفزان (الجنوب) وعاصمة الإقليم الأخير هي مدينة سبها التي تقع في الجزء الجنوبي الغربي لليبيا، وتبعد عن العاصمة طرابلس حوالي 750 كيلومترا. تبلغ مساحة سبها حوالي 3400 هكتار وتتميز بمناخ صحراوي حار وجاف خصوصا في فصل الصيف حيث ترتفع الحرارة إلى درجات قياسية على غرار كل المناطق الصحراوية الشبيهة بالإقليم الذي تقع فيه. وتتميز هذه المدينة الصحراوية والمحيط المجاور لها بقلة نزول الأمطار حتى في فصل الشتاء، حيث أن معدلاتها تمثل أقل كمية مقارنة ببقية مناطق ليبيا حيث لا تسقط الأمطار غالباَ ولفترات طويلة وتهب الرياح الحارة والجافة على المنطقة أغلب فترات السنة.
وتعتمد المدينة على المياه الجوفية من المائدة المائية الصحراوية حيث لا توجد مصادر سطحية للمياه كما لا تسقط الأمطار على مدار السنة بكميات يمكن الاعتماد عليها، وهذه المياه الجوفية مهددة بالنضوب بفعل تزايد استهلاكها بشكل مكثف. لذلك لا يوجد غطاء نباتي في المنطقة التي تقع فيها سبها كما كل المناطق الصحراوية التي يطغى عليها شجر النخيل وبعض الشجيرات الأخرى التي تتحمل شح الأمطار والطقس الجاف.
أحفاد بلقيس
يرجع البعض السبب في تسمية سبها إلى مملكة سبأ اليمنية والتي كانت واحدة من أهم حضارات بلد اليمن السعيد والتي اشتهرت بملكتها بلقيس وبتطورها في شتى الميادين حتى صارت مضرب الأمثال في عصرها. ويروى أنه، وبعد انهيار سد مأرب، ارتحل سكان مملكة سبأ إلى مناطق الجنوب الليبي ليؤسسوا سبأ الافريقية ومع مرور الزمن تحول الاسم بفعل التحريف من سبأ إلى سبها.
وسكنت المدينة أيضا قبائل الطوارق أو الرجال الزرق، الذين عرفوا بترحالهم في الصحراء الكبرى الافريقية من أجل التجارة وخصوصا تجارة الملح التي اشتهروا بها. ففي ذلك الزمن لم تكن هناك حدود تفصل بين سكان البلدان التي يعيش فيها الطوارق هي ليبيا والجزائر ومالي والنيجر وتشاد، قبل أن يقوم الاستعمار الفرنسي لاحقا بإقامة هذه الحدود الوهمية والقضاء على الاقتصاد الطارقي.
لا توجد مصادر تتحدث عن خضوع سبها للرومان، لكن أغلب الظن أنها كانت جزءا من الإمبراطورية الرومانية باعتبار وصول روما إلى الصحراء الكبرى الافريقية. لكن مصادر عديدة تحدثت في المقابل عن مرور جحافل العرب الفاتحين من المنطقة، التي تقع فيها سبها أو ما يعرف اليوم بإقليم فزان، وتحدثت كذلك عن انتشار الإسلام في تلك الربوع انتشار النار في الهشيم.
وخضعت سبها للخلافتين الأموية والعباسية في دمشق وبغداد، وللفاطميين أيضا سواء حين كانوا في المهدية التونسية أو في صبرة المنصورية في القيروان التونسية أو عند انتقال حكمهم إلى القاهرة في عهد المعز لدين الله الفاطمي وقائده جوهر الصقلي. ثم استمرت خاضعة لهذه الدويلة أو تلك إلى حين سيطرة العثمانيين على شمال افريقيا بالكامل في إطار صراعهم مع الاسبان في إطار الهيمنة على البحر الأبيض المتوسط.
ومع قدوم المستعمرين الجدد، ايطاليا ثم فرنسا، تحولت سبها إلى قلعة من قلاع التصدي لهؤلاء الغزاة وروي الكثير عن مقاومة أبنائها للايطاليين وللفرنسيين، وعن ملاحم كثيرة صنعت أبطالا يتغنى بهم الليبيون إلى اليوم. ومن أشهر الملاحم التي شهدتها سبها في هذا الإطار، المعركة التي قادها الشهيد محمد بن عبد الله البوسيفي، حيث قام بمعية رفاقه بمهاجمة الحامية الايطالية في قلعة القاهرة وقتل وأسر أغلب أفرادها وهو ما دفع بقائد الحامية الكونيل ميانى إلى الانسحاب من المدينة يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1914 دون تخليص أفراد حاميته.
واحتلت فرنسا إقليم فزان سنة 1943 وسمي هذا العام عند الليبيين بعام العبيد، واستمر وجودها إلى حدود سنة 1957 وحكمت بقبضة حديدية ارتكبت فيها جرائم بالجملة في سبها وغيرها، أذاقت من خلالها الليبيين الويلات. وما زالت الأطماع الفرنسية في الجنوب الليبي متواصلة إلى اليوم وتتجلى في الصراع الخفي الذي تخوضه ضد الايطاليين في ليبيا وأيضا بمشاركتها في إطار حلف شمال الأطلسي في الإطاحة بنظام القذافي.
معالم متعددة
أهم المعالم الأثرية على الإطلاق فيها، المدينة القديمة التي تعتبر درة سبها وقلبها النابض وأساس نشأتها. ويتميز سكانها بالمحافظة على عاداتهم وتقاليدهم الموروثة والضاربة في القدم. كما تشتهر بقلعتها والتي هي عبارة عن حصن منيع يقع في جنوب شرق المدينة في مكان مرتفع وقد تم تشييدها منذ أكثر من 500 عام وكان لها دور بارز في مقاومة الاستعمار.
وقد تعرضت هذه القلعة التاريخية إلى تصدعات كبيرة وإلى أضرار بسبب المواجهات التي دارت بين المجموعات المسلحة الليبية في السنوات الأخيرة، الأمر الذي دفع بعديد المنظمات الحقوقية الليبية إلى توجيه استغاثة عالمية لمنظمة اليونيسكو من أجل حماية القلعة من الاندثار، حسب ما تؤكده الناشطة والباحثة الليبية سلمى شعابفي حديثها لـ”القدس العربي” ودعت مصلحة الآثار ومراقبة آثار الجنوب إلى صيانة وترميم هذا المعلم الذي يروي قصصا وحكايا من تاريخ ليبيا.
ويؤكد المؤرخون ان بناء القلعة تم في العهد العثماني الثاني أي في القرن التاسع عشر وتحديدا في عصر السُلطان العثماني أحمد راسِم باشا. فيما يشير عديد الباحثين إلى أن هذا الصرح التاريخي اقيم على أنقاضِ قصرٍ للسُلطان محمد بن جهيم، وهو أحدُ سلاطين دولةِ أولاد محمد، التي حكمَت مساحاتٍ واسعةً من الجنوبِ الليبيّ مُنذُ أكثر من 350 عاماً. فيما يقدر آخرون عمر القلعة بخمسمئة سنة.
يتكون بناء القلعة من طابقين، الأول يمتد على مساحات مخصصة لإقامة جند الحراسة ويحتوي على عدد من القاعات وعلى دهليز يضم بعض المقابر التاريخية. أمّا الطابق الثاني فيضم غرفا يعتقد أنها كانت لجنود المراقبة، ورغم الإهمال فإن القلعة تعد واحدة من أهم المعالم التاريخية في الجنوب الليبي.
التراث والتقاليد
ورغم الظروف الصعبة التي مرت بها المدينة إلا أن أبناءها يحرصون على ابراز الوجه المضيء لمدينتهم والتأكيد على أنها مدينة للتراث وذلك من خلال الحرص على تنظيم معارض سنوية تعرض أبرز الصناعات التقليدية في المدينة وفي الجنوب الليبي بشكل عام. وفي هذا السياق غالبا ما تنظم الجمعيات المحلية معارض سياحية وتراثية هامة ومنها جمعية “بيت الأصيل” للفنون والتراث في المدينة، وتضم المعارض مختلف الصناعات السعفية والأكلات الشعبية والأزياء التقليدية والعطور والبخور.
وهذه الانشطة التراثية تشكل – حسب الباحثة الليبية سلوى شعاب – رسائل للمصالحة والسلام بين أبناء القبائل المختلفة ولتسليط الضوء على أن ما يجمع الليبيين من تراث وأصالة أكبر مما يفرقهم من سجالات وحسابات سياسية تدمر البلاد والعباد. ويشار إلى أن سبها معروفة بفن الموشحات وبالصناعات اليدوية الهامة التي تمثل مخزونا ثقافيا وفنيا يميز المدينة.
مقصد المهاجرين
ونظرا لوجودها في قلب الصحراء الكبرى فقد هاجر إلى سبها أفارقة من دول جوار ليبيا، على غرار تشاد والنيجر، خصوصا في سنوات الجفاف والمجاعة وعندما تندلع الحروب. وسكن هؤلاء المهاجرون في أحياء تحيط بالمدينة وبقربها باعتبار حاجتهم إلى العمل الذي كان السبب الرئيسي في هجرتهم من مواطنهم الأصلية من بلدان افريقيا جنوب الصحراء. وقد انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة المواطنين دون أوراق ثبوتية وتعقد الوضع الديموغرافي حتى بات يصعب تمييز الليبيين من غير الليبيين وهو ما يمثل معضلة حقيقية ستعترض الباحثين عن الحل للأزمة الليبية.
ويتعاطى سكان سبها في الأساس النشاط الزراعي الذي يعتمد على المياه الجوفية وتعتبر المدينة ومحيطها والجنوب عموما الممول الرئيسي لليبيا بالمحاصيل الزراعية مثل الحبوب والتمر وغيرها. ومن أهم الأنشطة الاقتصادية في سبها التجارة مع البلدان الافريقية وخاصة النيجر وتشاد باعتبار موقعها الاستراتيجي الذي يجعلها مركزا للتجارة في الصحراء الكبرى الافريقية.
ويوجد في المدينة اليوم مطار دولي وفنادق وبنوك وفيها جامعة تأسست سنة 1983 وتضم حالياً 19 كلية، ويربط طريق فزان بين المدينة وباقي المدن الليبية. وينشد أبناء سبها السلام ويبحثون عن الأمل وإعادة الحياة إلى شوارعهم وأحيائهم وشرايين مدينتهم التي مزقتها الحرب الطويلة. فمن خلال العروض التراثية المختلفة، يبث أهل المدينة رسائل للداخل والخارج تبين ان سبها كانت وستبقى مدينة للسياحة والجمال والأصالة رغم كل الظروف.
وقد شكلت إعادة افتتاح مركز المأثورات الشعبية في المدينة بعد صيانته وتجديده مؤخرا، مؤشرا هاما على أن الحياة الثقافية في ليبيا تنهض من جديد انطلاقا من بوابة سبها الجميلة. فهذه المدينة بما تحتويه من إرث ثقافي مادي وفكري تبقى من أهم المدن الليبية ومنها سينطلق الإشعاع الليبي من جديد وستطرد شمس الجنوب عتمة البلاد، لأن صوت حوافر الجمال التي تعبر الصحاري الليبية تبقى أقوى من صوت الرصاص الذي يخترق مشهد البلاد.