تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في حياة الأسر والأفراد فتكاد تكون الخبز اليومي الذي لا يمكن الاستغناء عنه لدى شرائح واسعة تعتمد عليها من أجل تقصي الأخبار والمعلومات وتبادل الخبرات الحياتية في مجالات الحياة المتعددة عدا عن التواصل الاجتماعي السهل من خلال المواقع المتخصصة مثل فيسبوك وغيرها. ولكن بقدر ما جلبت معها هذه الثورة التكنولوجية العديد من الفوائد إلا أنها أيضا حملت معها مخاطر كبيرة تتمثل بالأساس في “إدمان” استخدام هذه المواقع بكل ما يمثله ذلك من خطر على التواصل الاجتماعي مما دفع البعض لتسميتها بـ ” وسائل الانفصال الاجتماعي”.
ويكاد مشهد الأفراد وهم يستخدمون هواتفهم الذكية لاستخدام صفحات التواصل الاجتماعي أمرا ملحوظا وظاهرة منتشرة وباتت بديلا عن السهرات العائلية الحميمة التي كانت قبل سنوات خلت تطبع الجو العائلي بدفء خاص. وهو ما تم استبداله اليوم بهاتف ذكي أو شاشة كمبيوتر. والمعلوم أن وسائل التواصل الحديثة أحدثت تغيرا في طريقة التواصل بين الأفراد والأسر والجماعات وبقدر ما تحمل معها تأثيرات إيجابية إلا أنها أيضا – حسب الخبراء والمختصين الاجتماعيين – باتت سلاحا ذو حدين، ويرتبط تأثيرها سواء سلبا أم إيجابا، بطريقة ونوعية استخدامها من قبل الأفراد. وقد تصاعدت بشكل لافت أيضا مظاهر مرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي مثل جرائم الانترنت وغيرها. فأي تأثير لوسائل التواصل الاجتماعي على حياة الأسر وكيف يمكن الخروج من مرحلة الانفصال الاجتماعي؟
تشتت العلاقات
الكاتبة والمدربة الإعلامية الجزائرية منى شلبي ترى في حديثها لـ “القدس العربي” أن أي تطور حاصل في أي ميدان لا بد أن يمر بمراحل متعددة، كما أن ردة فعل المجتمع تتأقلم مع هذه المراحل، ولاشك أن التطور التكنولوجي الحاصل على مستوى وسائل الاتصال انعكس على حياتنا بشكل كبير، حيث تمكن هذا التطور على المستوى الاجتماعي من تقريب المسافات خاصة بين المغتربين وأهلهم، الذين عانوا كثيرا من عبء المصاريف الكبيرة لدى تواصلهم عبر الاتصالات الهاتفية المكلفة جدا، ما جعل التواصل ينحصر في مرات محدودة جدا خلال شهر أو ثلاثة أشهر، لكن مع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أدرك أولئك الأهمية العظيمة لهذه الوسائل، في حين أنها تشكل لدى كثيرين وسيلة لتشتيت العلاقات الاجتماعية وضربها في العمق، حيث تعاني الكثير من الأسر من غياب روح الأواصر الاجتماعية، إذ غابت مظاهر التواصل الاجتماعي الفعلي ليحل محلها التواصل الاجتماعي الافتراضي. وتضيف محدثتنا: “هذا ما يجعلنا كمختصين في السوشيال ميديا نبدي مخاوف من انهيار الحياة الاجتماعية القائمة بالأساس على الروابط الأسرية، فلا أحد ينكر أن كل أفراد الأسرة بدءا من الأب والأم إلى الأبناء يحملون هواتفهم في انقطاع تام عن بيئتهم، وكأن حياتهم الافتراضية أصبحت هي الأصل على حساب واقعهم الحقيقي”.
ترشيد استخدام التكنولوجيا
أما عن تفادي مخاطر التواصل الاجتماعي فتجيب محدثتنا: “إن الخروج من ظاهرة الانفصال والانقطاع الاجتماعي تحتاج إلى بذل مجهودات كبيرة من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك من المتخصصين في هذا المجال في بث الوعي حول خطورة الغوص في هذه الحالة التي تؤدي إلى الوقوع في متاهات وعدم فهم الواقع الفعلي الذي نعيش فيه وإهماله والدخول إلى فضاء مليء بالأوهام بعيد عن الواقع، كأن الإنسان مخدر تماما عن واقعه. لا بد هنا أن نشير إلى أن ما يحدث هو عملية هروب من الواقع المعاش بسبب بعض المشاكل داخل الأسر (الخلافات الزوجية، مشاكل الأبناء المراهقين واحتياجاتهم….) وخارجها ومن ثم اللجوء إلى هذا العالم الافتراضي، الذي لن يحل شيئا من المشاكل التي نواجهها في حياتنا بل سيزيد من تفاقمها، لذلك نحتاج إلى جرعة من الجرأة لمواجهة مشاكلنا وهمومنا ووضع حد للانغماس المبالغ فيه في مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال تكثيف النشاطات الرياضية والتثقيفية التي تنظمها الأسرة أو النوادي أو الجمعيات، بالإضافة إلى تشجيع الأبناء على مطالعة الكتب من خلال تقديم مكافآت شهرية لهم، وهكذا سنحد من ظاهرة الانفصال الاجتماعي التي سببها الإدمان على مواقع التواصل الاجتماعي”.
إن ترشيد استخدام تكنولوجيا الاتصال سيجعل من حياتنا أكثر سلاسة وانضباطا من دون إفراط ولا تفريط، لأن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت واقعا مفروضا، ولا شك أنها سهلت علينا الكثير من الأمور، حتى أن استخدامها أصبح ضروريا في دراستنا وعملنا، وبالتالي لا يمكن الاستغناء عنها بأي شكل من الأشكال، لكن يجب أن ننظم أوقات استخدامنا لهذه المواقع حتى لا تؤثر على سير علاقاتنا الاجتماعية ومحيطنا الأسري. صحيح أن الحياة الراهنة أصبحت أكثر تعقيدا ولكن نحتاج إلى ضبط استخداماتنا لوسائل التواصل حتى لا تسرقنا من حياتنا وواقعنا.”