ذاكرة ترحال أدبية: إحسان عباس في القيروان

يمنى العيد
حجم الخط
0

أن نتذكّر وندوِّن ذكرياتنا، يعني أننا نودُّ أن نعيش مرّة ثانية ما سبق وعشناه. يعني أن ندقَّ على أبواب ذاكرة الآخرين كي ندخلها آملين أن نعيشها من جديد، يعني أن تنبعث حياتُنا باستمرار مع كلِّ قارئ جديد.

الكتابة وسيلة حياة تقف بنا في وجه الموت، أو هكذا نظنّ ونأمل. نأمل أن يبقى ما نكتبه قابلاً للقراءة، مرغوباً فيه، لذا نودّه فنيّاً، أي جميلاً، عميقاً صادقاً، يقاوم الزمن ويبقى يمسُّ شغاف القلب ويوقد نار اليقظة في ذهن الإنسان.

ولكن…

لم يكن سهلاً أن تأتي المرأةُ إلى الكتابة في ذلك الزمن، في أواسط القرن الماضي. كانت الذكورة تحول دون ذلك، الذكورة المتمثلّة لا فقط في الأب والأخ والزوج، وإنمّا أيضا في بعض الأدباء والكتّاب ممَّن ينظرون إلى الأنثى نظرة دونيّة، وفي أحسن الأحوال يودّون أن تبقى تابعة لهم، يهيمنون عليها، ويوظِّفون نشاطها لصالحهم. وبالمقابل كان هناك أدباء ناصروا المرأة الكاتبة وقدّموا لها العون بأكثر من طريقة.

سوف أحكي عن بعض ممّن عرفت، وكانت لي معهم حكايات تركتْ في نفسي، على اختلافها، أثراً سكنَ ذاكرتي، وراح يلحُّ عليّ كي أحكي.

إحسان عباس كان واحداً منهم.

كان ذلك في العام ١٩٧٨ على ما أذكر، يوم رشّحني اتحاد الكتاب اللبنانيّين للمشاركة في ندوة نقديّة في القيروان/تونس.

كنت في بداية نشاطي الأدبي، هكذا شعرت ببعض الرهبة والخوف، الرهبة من المناسبة بصفتي أمثِّل اتحاد الكتاب اللبنانيّين، والخوف من السفر بمفردي فقد كنت أخاف من ركوب الطائرة.

هكذا، وبهدف المرافقة التي قد تخفّف من خوفي، سألت عمّا إذا

كان من مدعوين آخرين من لبنان. كان إحسان عباس أستاذ الأدب في الجامعة الأمريكية في بيروت، هو المدعو الآخر بصفته فلسطينياً.

ولم أكن أعرف إحسان عباس عن قرب، ولم تكن لي علاقة به، فكيف اتصل به، وماذا أقول له، هل أكشف له عن خوفي وأقدّم له شهادة عن ضعفي! هكذا، وبدافع من الإباء الأنثوي، ومن مشاعر التحدّي لخوفي، قرّرت السفر بمفردي دون أن أفكر بما قد يعترضني من صعاب.

وكان ما لم أفكر فيه، إذ عانيت بسبب ما واجهني من مشاكل توالت عليّ خلال سفري، وكأنها تتآمر على أنوثتي وعزمي على الانتصار لها.

هكذا، ولدى هبوط الطائرة في مطار روما، بهدف معاودة السفر إلى تونس (لم يكن يومها من خط طيران مباشر بين بيروت   وتونس)، فوجئت بإضراب عمّال المطار وكان عليّ الانتظار بمفردي أكثر من أربع ساعات. وبدت الساعات طويلة، مملة، قبل أن يخطر ببالي الذهاب إلى سوق المنطقة الحرّة وشراء بعض الهدايا كان قد أوصاني عليها بعض الأصدقاء.

لدى وصولي مساءً إلى مطار تونس العاصمة، أوقفني أمن المطار بعد أن اطلع على جواز سفري، وأمرني بالذهاب إلى غرفة بصحبة عسكري، وذلك، وكما أخبرني هذا العسكري، للتدقيق معي بصفتي لبنانيّة قادمة من بلاد الحرب والثورة اليساريّة.

هكذا وجدت نفسي وحيدة، مرهقة، مهملة، في غرفة بائسة. كدتُ أندم على قبولي هذه الدعوة. يا للثمن الباهظ الذي عليَّ أن أدفعه! ولقاء ماذا! لقاء حريتي واستقلالي؟ نعم حريتي واستقلالي.  ورحت أهمس لنفسي وأردّد: أنا الأنثى الضائعة، غير المعترف    بها، وغير المرحَّب بهويّتها، ولا قيمة لكونها كاتبة… ولكن عليّ أن أقاوم، عليّ أن أقاوم… رحتُ أردِّد لنفسي، وراح الصدى يترجّع داخل رأسي مثل نقرات طبل يتردد صداها في فضاء شاغر، مظلم. أغمضتُ عينيَّ ورحت أصغي لإيقاع صوتي الداخلي كمن يستسلم لكابوس يعرف أنّه لا بدَّ من أن يستيقظ منه.

بعد منتصف الليل، أُفرِج عنّي، لكن لأجد نفسي أقف وحيدة عند مخرج قاعة خروج الواصلين إلى تونس العاصمة. أقف منهكة أبحث تائهة في ظلمة الليل عن شخص من المفترض أن يكون في انتظاري، ولكن لا أحد… لا أحد في هذه الوحشة التي تملّكتني.

وكأنّي أُعاقبُ على تجرّؤي واستقوائي بأنوثتي ورغبتي في استقلاليتي… وتذكرت إحسان عباس، وكاد الندم يتملّكني… ماذا لو تخلّيتُ عن هذه الكبرياء الأنثويّة واتصلت به، أما كنت الآن أنعم برفقته! ولكن لم يبق لي الآن سوى أن أتقاوى وأن أواجه   اختباراً لذاتي الأنثويّة، عليّ ألّا أنهزم. هكذا أوقفتُ تاكسي، وبصوت حاولت أن أسيطر به على خوفي، طلبت منه أن يرشدني الى فندق معتدل الأجر. ولم أكن أقدِّر أن الفندق معتدل الأجر يعني فندقا على هذا المستوي من البؤس: عند المدخل ولجهة اليمين قاعة مليئة بالرجال وعابقة بدخان سكائرهم ونراجيلهم. المرأة الوحيدة التي رأيتها كانت هذه التي قادتني إلى غرفة نومي، وتركتني وحيدة بعد أن أغلقتْ الباب. مثل قاعة مهجورة كانت تلك الغرفة، تعبق فيها روائح “العطنة” والإهمال. فتحت النافذة العريضة، ثم لم ألبث أن أغلقتها خوفا من أن يدخل منها أحد. كنت كآثم حكَمَ على نفسه بعقوبةٍ فات الوقت على التراجع عنها.

رائحة العطْنة الخانقة زادت من قلقي، هكذا، وكي أغير تلك الرائحة، استعنت بما لدي من عطر رحت أنثره في فضاء الغرفة.

لا أعرف كيف ولماذا وثقت بهذا السائق وطلبت منه أن يعود إليّ صباح اليوم التالي ليأخذني من الفندق إلى موقف السيارات التي تذهب إلى القيروان. ربما لأنه كان وسيلتي الممكنة في هذا البلد الذي أجد فيه نفسي وحيدة وغريبة. أو لعلّها مشاعر التحدّي لذاتي وقد أبيتُ أن أشعر بالندم.

كان الطريق من تونس العاصمة إلى مدينة القيروان طويلا (160 كلم)، وقد شاقني اكتشاف جماله، فتنفست الصعداء ورحت أتحدث مع الراكب الذي إلى جانبي وأسأله عن الأماكن التي كنا نمر بها.

هكذا وحين علم أنّي كاتبة وأنّي مدعوة للمشاركة في ندوة ثقافيّة في القيروان ازداد اهتمامه بي، وأخذ يحدثني عن القيروان، ويخبرني بأنّها أول المدن الإسلاميّة المشيّدة في بلاد المغرب، ويعود تاريخها إلى العام 50 هجرية، وأنَّ كلمة قيروان فارسيّة تعني مكان السلاح. ثم، وكمن شجَّعه إصغائي إليه، نصحني بزيارة جامع القيروان باعتباره أهمّ معالم القيروان، وقد أسَّسه عقبة بن نافع …

وكنت قد أخبرته بأن هذه هي زيارتي الأولى إلى بلده وأني لا أعرف أين يقع المكان الذي تقام فيه الندوة، وأعرف فقط العنوان، فبادر إلى طمأنتي معبّراً عن استعداده وسعادته بإرشادي إلى مكان الندوة الذي يعرف.

في القيروان كان الزملاء ينتظرونني بقلق. لقد أضعناك، بحثنا عنك طوال الليل، وفي كل فنادق العاصمة، بعد أن علمنا من أمن المطار بوصولك، ولكن أين كنت؟

كان “الفندق” الذي قادني إليه السائق في تونس العاصمة، غير معروف، بل لعلّه كان مجرد مأوى للبائسين، ولعلّي بدوت كذلك للسائق الذي رآني أقف وحيدة، متعبة أطلب مجرد مأوى.

كانت المفاجأة بالنسبة لي اهتمام الزملاء الفائق بي، وخاصّة د.  إحسان عباس الذي دعاني، ذاك المساء، إلى عشاء فاخر في واحد من مطاعم الفندق غير المرَخَّص به للمشاركين في الندوة. كان يودُّ التعويض عما عانيت في سفري. نصحني بوجبة من سمك السول الفاخر الذي تشتهر به تونس، وراح يشرح لي فوائده… كان يحدثني بمرح وأنس وبعفويّة راقية جعلتني أنسى تعبي وألوم نفسي على عدم السفر بصحبته.

في الندوة كان إنساناً اخر، كان يصغي، باهتمام، لما يقدِّمه المشاركون في هذه الندوة.

كان الأستاذ والناقد الكبير إحسان عباس(1).

كان الإنسان النادر. فقد فوجئت لدى عودتي إلى لبنان برسالة كتبها إلى الأمين العام لاتحاد الكتاب اللبنانيّين (الأستاذ أحمد أبو سعد) يقيِّم فيها مداخلتي، التي أصغى إليها، ويهنيء الاتحاد على اختياري للمشاركة في هذه الندوة.

إحسان عباس شكرا لك وسلام لروحك النبيلة.

(1) إحسان عباس: ولد عام 1920 في عين غزال/فلسطين. عاش مدة طويلة في بيروت وكان أستاذا في الجامعة الأميركية. توفي في عمان/الأردن عام 2003. من مؤلفاته: “عبد الوهاب البياتي والشعر العراقي الحديث”، “فن الشعر”، “فن السيرة”، “أزهار برية”، ديوان شعر؛ “تاريخ الأدب الأندلسي”، “بدر شاكر السياب”، وسواها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية