ــ سلطان بن على العويس: 1925 ــ 2000
ـ عمل في تجارة اللؤلؤ وبأعمال أخرى وتنقل بين الهند والإمارات.
ـ شاعر أحب الشعر، له ديوان شعر مطبوع.
ـ أوقف جزءا من أمواله وخصَّص ريعه لجائزة ثقافيّة تحمل اسمه وتعتبر من أبرز الجوائز في الوطن العربي. تُمنَح للمبدعين في مجالات فكريّة وأدبيّة إبداعيّة متعددة. كانت تحت إشراف اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، تطورت لتصبح مؤسّسة خاصّة مستقلّة.
إنه زمن الجوائز (بالإذن من كورونا) التي تُمنَح، بشكل خاص، للرواية وقد ازدهرت وأقبل على كتابتها شبابُ هذا الجيل، إضافة إلى بعض الشعراء والنقاد الذين أصابتهم عدوى الكتابة الروائيّة.
أذكر من هذه الجوائز جائزة سلطان العويْس، وهي من أوائل الجوائز العربيّة، ولي مع هذه الجائزة حكاية لها عندي أكثر من معنى. ففي صيف العام 1990، اتصل بي أمين عام المجلس الثقافي للبنان الجنوبي الأستاذ حبيب صادق يخبرني بأنَّ المجلس يودّ ترشيحي لجائزة سلطان العويس (الدورة الثانية 1990ـ1991، حقل الأبحاث الأدبيّة والنقديّة)، وفي حال موافقتي عليّ أن أحضِر له خمس نسخ من كلِّ كتاب من كتبي.
كان ذلك قبل صدور اتفاق القاهرة وتوقف الحرب الأهليّة في بيروت، التي نالنا منها الكثير. وكنّا وقتها نلوذ ببيتنا في عبرا (شرق مدينة صيدا) كلّما اشتدَّ القصف في حيّنا السكني في بيروت، أو ارتفعتْ حرارة شمس الصيف وشعرْنا بالاختناق داخل جدران بيتنا في منطقة الحمرا.
هكذا، ومع انبلاج الخيوط الأولى لنور الصّباح، وقبل أن ينفلت الرصاصُ من بعض المسلحين، ذهبتُ بصحبة زوجي إلى بيروت حاملة ما تيسّر عندي من كتبي. لكن ما كدنا نتجاوز موقع الجيش اللبناني على حدود المدخل الشمالي لمدينة صيدا، حتى أطبقتْ علينا سيارتُنا بعد أن قُذِف بها واصطدمتْ بجدار على يمين الطريق… وسمعت صوتا يردِّد: “ما زالت حيّة” (فقد كنت أجلس لجهة الجدار).
وبدل أن نصل إلى بيروت لأقدِّم ترشيحي إلى تلك الجائزة، وجدت نفسي مع زوجي في طوارئ مستشفى حمود في صيدا، وقد حملنا إليه جنودٌ من الجيش اللبناني، بعد أن أوقفوا السائق الذي صدمنا بسيارته.
السائق الذي اعترف بمسؤوليّته أُفرِج عنه بوساطة زعيم الحزب الذي ينتمي إليه، أما أنا فقد حُرِمتُ من ترشيحي في ذلك العام لأعاني وزوجي ممّا أصابنا من كسور.
وفي أواخر صيف العام 1992، وكان المجلس قد أعاد ترشيحي، وصلني خبر فوزي بجائزة سلطان العويس الثقافيّة في دورتها الثالثة (1992ـ1993) في “حقل الأبحاث الأدبيّة والنقديّة”، وقد جاء في التقرير النهائي للجنة التحكيم: “… فأعمال يمنى العيد في مجملها تفصح عن وعي متميّز لمناهج النقد الحديثة، وحرص واضح على الملاءمة بين النظريّة والنصّ العربي… لذلك فإنَّ نقدها يتضمَّن الكثير من النظر الشخصي والعناية بعناصر النصّ الأدبي المتكاملة…”
سرَّني، طبعا، فوزي بهذه الجائزة، خاصَّة وأن مانحها كان شاعرا يقدّر الأدباء والشعراء. وهكذا سافرت إلى الشارقة، الإمارة المعروفة باهتمامها بالنتاج الأدبي والثقافي.
في الاحتفال الذي جرى فيه الإعلان رسميّاً عن أسماء الفائزين وتكريمهم، فوجئتُ بأحد أعضاء الوفد اللبناني، من المعنيين بشؤون الكُتّاب والكتب، يأخذ مكاني عند أخذ الصورة التذكاريّة لهذه المناسبة، دون احترام أو اكتراث بأيّ بروتوكول يخصُّ مكان المانحين والفائزين في الصور التي تؤخذ في مثل هذه المناسبات.
لم أقل شيئاً، ولو فعلت لأدَّى ذلك إلى بلبلة أنزِّه نفسي عن إثارتها. لكنّي أضفتُ إلى المسنود بالزعيم السياسي، آخرَ مسنودا بالمنصب “الثقافي”. الأول قذف بي إلى الجدار وحرمني من السفر، والثاني قذف بي إلى خارج الصورة وحرمني منها، ذكرى لهذه المناسبة.
هكذا انسحبتُ بصمت، لأفاجأ بالروائي صنع الله إبراهيم (وكان من الفائزين بجائزة الرواية) يسألني: يمنى ما بك؟ ابتسم حين أخبرته وقال: لا تهتمي، تعالي نرى بعض الأصدقاء.
في ذلك المساء، وفي لقاء على عشاء دعانا إليه مانح الجائزة في استراحته المقابلة للبحر في بلدة الجميرة (إمارة الشارقة)، تعرفتُ إلى سلطان العويس، الشاعر، وعلمت أنه ينتمي إلى عائلة جمعت بين مهارة التجارة باللؤلؤ التي اشتهر بها والده علي بن عبد الله العويس، وبين حب الأدب والثقافة، وقد برز بينهم الشاعر سالم بن علي العويس والأديب أحمد علي العويس.
كان الشاعر يجلس بيننا هادئاً قليل الكلام، جسده النحيل يكاد يغيب داخل دشداشة بيضاء، وعلى وجهه ترتسم ملامحُ لها في عينيْه دلالاتُ التصوف. يصغي أكثر مما يتكلم. تساءلت: ما العلاقة بين ذات الشاعر، العويس، وبين تعبيراته الفنية؟ هل لهذه الذات من أثر في تشكّل الجماليّة الشعريّة لنصّه؟ أم هو الحب الذي استأثر بمعظم نصوصه الشعريّة، والذي به نقاوم ذاكرة الموت؟
أسئلة دارت في رأسي ونحن نجلس معه ونصغي لصمته.
وكأني أسمع صوته يقول: تغلغل الحبُّ حتى صار لي نفساً ـ أعيشه نغما في موكب العمر.
أو يقول: دعوا الحبَّ يأخذ ما تبقَّى فإنّني ـ وجدتُ رماد الحبِّ أقوى من الحب.
هل الرماد هو أثر التجربة حين نعيشها؟ أم أن الرماد هو بما تحته، بالجمر الذي سيُعيد إلى الحياة وهجها، حتّى لكأنَّ الحب ورماده هو سر الزمن، حركته.. وفلسفة الوجود نفسه!
في صيدا التي عدتُ إليها حاملةً أسئلتي عن الشاعر وشعره، عن تاجر اللؤلؤ ومانح الجوائز للشعراء والأدباء والمفكرين. دعتني النائب السيدة بهية الحريري للاحتفال بفوزي بهذه الجائزة، لا بصفتي ابنة هذه المدينة وحسب، بل أيضا، وإضافة إلى ذلك، كوني أول من ينال هذه الجائزة في لبنان. هكذا كان الحضور حافلا. أذكر، بشكر وتقدير: النائب بهية الحريري (صاحبة الدعوة)، وزير الثقافة ميشال إدَّه، رئيس الجامعة اللبنانية أسعد دياب، الوزير نزيه البزري، السيدة رندة بري، والسيدة رباب الصدر… إضافة إلى عدد كبير من أبناء مدينتي وزملائي وأصدقائي فيها.
ما أتذكره بأسف في هذه المناسبة، هو موقف بعض الأدباء ممن كنت أعتبرهم أصدقاء لي. فقد رفض هذا البعض دعوتي بذريعة “نحن لا نحضر احتفالاً بجائزة يمنحها سلطان”. لكن هؤلاء لم يلبثوا أن تهافتوا بالتقدم لنيل لا فقط جائزة العويس الذي لم يكن سلطانا، بل، وبشكل خاصّ، جوائز يمنحها أمراء وملوك وسلاطين…
أتذكر وأتساءل: ما الفرق بين من صدمني بسيارته ومن أخرجني من الصورة، وبين من بخسني حقي في الاحتفال بجائزة بعد أن جرِّدها من قيمتها الحقيقية؟
أتذكر.. وأشعر بالاعتزاز لا فقط بالجائزة التي نلتها من شاعر، بل أيضا بكتابة دراسة عنه في ذكرى السنة الأولى لوفاته. في هذه الدراسة كشفت عما سمْيته جماليّة البساطة التي تنهض باشتغال الشعر على توليد صورة الحقيقي بصفته صورةً للعلاقة بين حياة الشاعر وشعره، الصورة المتسمة بالصدقيّة وبما يوحي بعفويتها، والتي توفر، بالتالي، إمكانيّة التواصل الأكثر رحابة، وربما الأكثر متعة، بين الذاتي الموحى به والحميمي المحال عليه.
إنه الحب المشترك على قاعدة نشدان الإنسان للحياة، أو إنه ما يقوله شعر سلطان العويس حول الحب والحياة ونسيان الموت، فيحيل بذلك على الذات ليحاورها، وعلى الوجود ليتبصَّر به.
الحب… وفلسفة في العيش ونظرة لجمالية الشعر.