ذاكرة ترحال أدبية: عبد الوهاب البياتي شاعر وحدة الوجود والتراث الإنساني

يمنى العيد
حجم الخط
1

* عبد الوهاب البياتي: 1923 ــ 1999

* عراقي، عاش في بغداد في حيٍّ قرب مسجد الشيخ عبد القادر الكيلاني، درس في دار المعلمين، اعتقله نور السعيد لمعارضته دخول العراق في حلف بغداد.

* لم يستقر به مكان. من العراق غادر إلى سوريا ثم إلى بيروت، فالقاهرة، فالنمسا، فالاتحاد السوفييتي، فإسبانيا.. ليعود إلى العراق بعد قيام الثورة.

* عمل مستشارا للعراق في موسكو، وفي الآن نفسه أستاذاً في الجامعة، وباحثاً في معهد شعوب آسيا (1959 ـ 1964).

*  نال جائزة سلطان العويس للشعر.

* أصدر عدة دواوين، منها: “ملائكة وشياطين”، “أباريق مهشمة”، “المجد للأطفال والزيتون”، “بستان عائشة”، “البحر بعيد أسمعه يتنهد”، وسيرة شعرية بعنوان “ينابيع الشمس”.

ها هو يأتي إلى الذاكرة وأسمعه يقول: “لقد تغيرتْ رؤيتي”.

قالها بصراحة في الندوة التي دعت إليها الهيئة المصريّة العامة للكتاب بمناسبة المعرض الدولي الـ 31 والتي عقدت بتاريخ 3/2/1999 تحت عنوان “الشعر الحديث هل أصبح قديما؟” بإدارة رئيس المجلس الأعلى للثقافة د. جابر عصفور.

كنت مدعوة للمشاركة في هذه الندوة التي شارك فيها كل من أدونيس، سميح القاسم، توفيق بكار، وأحمد عبد المعطي حجازي. كلام البياتي عن تغيّر رؤيته كان يشير، كما بدا لي وقتها، إلى الخصومة التي كانت بينه وبين أحمد عبد المعطي حجازي وأدونيس، والتي كانت قائمة على اختلافٍ في الرؤية الشعريّة، وعلى مسألة الريادة للشعر العربي الحديث. خصومة تعود إلى زمن سابق، أي إلى ما بعد رحيل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وخصوصا إلى ما بعد إقامة البياتي في إسبانيا واتساع شهرته.

أتذكر وأتساءل: ما الذي عناه البياتي بتغيّر رؤيته، ولماذا أعلن عن ذلك وقت الندوة، أي في العام 1999؟ هل شعر بقرب وفاته؟ هل أراد أن يعلن عن تراجعه عما قاله في زمن سابق من كلام سلبي عن الشعر والشعراء، وبشكل خاص عن أدونيس؟

أقرأ حواراً أجري معه في العام 1996 أي قبل زمن الندوة بثلاث سنوات، أوردُ بعض ما قاله البياتي في ذلك الحوار: “… وأنا لا أرضى لنفسي أن أكتب إنشاء سقيماً كما يفعل الجميع، إذ أصبح الشعر على يد بعض الشعراء زخارف وألاعيب وهذياناً إنشائياً مسطحاً”.

يسأله محاوره (هاني الخير) عن رأيه بأدونيس الذي له جمهوره الواسع من القراء النخبة والمهتمين، هل هو من هذا “الجميع”، فيقول البياتي: هو “مجدد على طريقة أبي تمام حيث أن حداثته ليست لها جذور فلسفيّة أو وجوديّة، وهي تنطلق من الكلمة إلى الكلمة، وتقفز من اللفظ إلى اللفظ، ولا تحدِّق فيما وراء الكلمات والألفاظ، وليس في الجهد الذي يبذله أيّة معاناة حقيقيّة. فالحداثة والتجديد ينبعان من المعاناة الروحيّة والماديّة معاً…”. أما الجمهور الواسع فهو “من الذين ينبهرون به أحياناً، وهم من المدلَّلين أو العابرين، أو الهامشيّين الذين لم يعانوا محنة الوجود، والوقوف في وجه التعاسة والموت، ولم يناضلوا في سبيل حياة أفضل، فإما هم متواطئون أو مغفلون”.

وأحمد عبد المعطي حجازي؟ يسأله محاوره، فيقول: “لا أريد أن أتكلم عن هذا الشاعر بالاسم”.

يرفض البياتي ذكر اسم حجازي، وبدل ذلك يشير إليه بـ”هذا الشاعر” معبراً بذلك عن تعاليه واستصغاره له. كما يرفض الردَّ على ما قاله حجازي بحقه: “لم يكن هو أول روّاد حركة التجديد الشعري، فقد سبقه مصريون منهم أحمد زكي أبو شادي، وخليل شيبوب، وعلي أحمد باكير.. كما سبقه عراقيون منهم نازك الملائكة وبدر شاكر السياب”.

لا يرد البياتي على حجازي، وبدل ذلك، يتكلم عن الأشواط المختلفة التي يقطعها الشعراء، ليخلص إلى القول: “فتاريخ الشعر حافل بنماذج كثيرة، وأنا يهمني ما أنتجه الشاعر حتى لو عاش سنة واحدة”.

أقرأ اليوم ما قاله البياتي بالأمس، فأجده ينحو منحى التعميم، يتكلم عن الشعر والشعراء، مضمراً طموحه في أن يكون هو الرائد التاريخي للقصيدة العربيّة الحديثة. القصيدة التي، حسب رأيه، لا تقتصر حداثتها على التفعيلة، بل تكون معنيّة بمعاناة الإنسان في وطنه، شأنه هو وما عاناه زمن اعتقاله، ثم نفيه بسبب اعتراضه على نوري السعيد ودخول العراق في حلف بغداد.

أقرأ، وأتذكر ما كان يخبرنا به حسين مروة، في لقاءاتنا الثقافية في بيته، عن معاناة البياتي من السجن، والنفي، وعدم الاستقرار. عن تنقله بين العديد من المدن. عن تجربته الشعريّة وفلسفته في الحياة. يحكي حسين مروة، ثم ينصحنا بقراءة كتاب البياتي “ينابيع الشمس”.

تعود بي الذكريات إلى لقائي الأول بالبياتي في بيت حسين مروة، في بيروت. كان ذلك بعد خروجه من السجن ونفيه من وطنه، وكنتُ يومها ما زلت طالبة جامعيّة أصغي كثيراً وأتكلم قليلاً في حين كان الحضور، من زملائي الطلاب، يستأثرون بالكلام ويسألونه عن حداثة الشعر، فيقول بأنها في الرؤية والإيقاع وواقعيّة الصور. ثم يقرأ شعرا من كتابه: “ذكريات الطفولة”:

“لا ترهب الصمت الذي تضفيه أشباح الغروب

فوق الحدائق والدروب

لا ترهب السور الذي من خلفه يأتي الضياء

ولربما مات الضياء ولم يعد ونقول: “جاء!”

كنا نقول كما نشاء

حتى النجوم

كنا نقول بأنها ـ كانت ـ عيونْ

للأرض تنظر في فتون

حتى النجوم

كانت عيونْ”.

أصغي وأتساءل: هل الحداثة تعني اقتراب الشعر من الكلام الذي يعانيه البشر؟ أتساءل ولا أسأل، أصغي ويستوقفني هذا القطع الحاد للإيقاع عند القافية، أنا التي تربيتُ على حفظ شعر امرئ القيس والأخطل والمتنبي، وموسيقى الشطرين والقافية. الشعر الذي لا يستسيغه أولادنا اليوم. هي أذواقهم ورؤاهم، أقول، وقد تغيّرت مع الزمن، مع تغيّر بنى المجتمع وثقافته وبرامج التعليم التي لم تعد تولي اللغة العربيّة وآدابها أهميّة تذكر.

يغيب البياتي. لم نعد نراه، لم يعد يأت لزيارة أصدقائه في لبنان شأنه في زمن مضى. كان ذلك أواخر السبعينات، زمن اشتعال الحرب الأهلية وغزو الجيش الإسرائيلي لبيروت، زمن المقاومة الوطنية ومن ساندها من الشعراء والأدباء العرب الذين جاؤوا إلى بيروت، أو الذين كانوا فيها ولم يغادروها. أذكر منهم سعدي يوسف، محمود درويش، أدونيس، غالب هلسا، غائب طعمة فرمان…

غاب البياتي، وعندما سألنا عنه، علمنا أنه سافر إلى إسبانيا ليعيش في مدريد. غاب زمناً يفوق الثماني سنوات (1980ــ 1988). خلال ذاك الزمن تُرجمت دواوينه إلى الإسبانيّة. وصاروا يقرأونه، ويحاورونه. وراحت نصوصه الشعريّة تندرج في الثقافة الإسبانيّة، ليصبح أحد الأدباء الإسبان البارزين على مستوى رسمي وشعبي.

غاب عنا وارتبط بعلاقات مع عدد من أدباء وشعراء العالم الكبار، من أمثال التركي ناظم حكمت، والإسباني رفائيل البرتي، والشاعر الروسي يفتشنكو. وراح شعره يُنقل إلى اليوغسلافيّة والأوزبكيّة إضافة إلى الإسبانيّة… وفاضت شهرته.

هل بسبب هذه الشهرة الفائضة تغيّرت رؤيته للشعر، فلاذ بشبه صمت شعري طيلة فترة إقامته في إسبانيا، أم هي الحرب العراقيّة الإيرانيّة (1980 ــ 1988) التي آلمته وقد أضعفت البلدين؟

يلوذ شعره بما يشبه الصمت، ليعود متميّزاً بنزوعه نحو عالميّة معاصرة، وخلق علاقات مختلفة بين مكونات العالم. فالموجودات لم تعد كما هي في واقعها، بل كما يراها الشاعر. هكذا أخذ يهدم المجاورات المألوفة ليبني مجاورات جديدة: فالعتمة تجاور النهار بدل النور، والسواد يجاور القمر بدل الضياء، والثلج للمضغ لا للذوبان…

تتغيّر رؤيته ويعلن: “أؤمن بوحدة الوجود، بوحدة الإنسان، بالتراث الروحي. لا توجد فوارق بين البشر. يولدون، يعيشون، ويتعلمون ويتعذبون، ويموتون، وهذه رحلة الإنسان”.

هل كان يشعر بقرب رحيله، فأعلنها، في لقائه الأخير مع الشعر والشعراء، أعلنها واضحة عالية: “لقد تغيّرت رؤيتي”!

أم هي رحلة الشاعر الذي نزف حياته على الحروف وانتهت به إلى جبل قاسيون في دمشق ليدفن، حسب وصيّته، بالقرب من ضريح الشيخ محي الدين بن عربي!

الحروف… وحدها كفيلة بأن تبعث في موته الحياة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية