أما زال من حاجة إلى النقد؟
أطرح هذا السؤال من منطلق واقع افتراضي للنقد يتواصل فيه كثيرون باستقلاليّة عن كتب النقد ومناهجه ومفاهيمه المعرفيّة، ووفق معايير قيميّة، مرجعُ بعضها أذواقُهم، ومرجعُ بعضها الآخر صداقاتُهم وعلاقاتُهم الشخصيّة، أي التبادل القيمي الذاتي فيما بينهم.
في مثل هذه الحال، يكتسب العملُ الأدبي قيمتَه، من عالم العلاقات الافتراضي، ومن مناسبات ومعايير مسبقة قائمة، في الغالب، على تبادل المجاملات، وليس من قراءة نقديّة تستند إلى مرجعيّات معرفيّة، أو مناهج علميّة.
هكذا نجد بعضهم يعتبر الراوي بضمير الأنا هو الكاتب، كما لا يميز بين الكاتب (الشخص) وشخصيّة الراوي أو البطل في الرواية.
أودُّ في هذا الصدد أن أشير إلى بعض المفاهيم النقديّة التي تناولها بشكل أكاديمي علمي يتّسم بالدقة والوضوح، الناقد التونسي د. رضا بن حميد، مدير مدرسة الدكتوراه في القيروان، في كتابه القيّم “الشخصيّة في نماذج من القصّ العربي”. وهو كتاب يشكّل مرجعا أكاديميّاً لمعرفة هويّة الشخصيّة في عالم النصوص السرديّة الذي هو، حسب الباحث، عالم متخيّل يستقلُّ عن شخص الكاتب. لذا علينا أن نفرِّق، كما يقول، “بين الشخص والشخصيّة، فإذا كان الشخص كائناً من لحم ودم يعيش في زمن معلوم، وحضوره يقترن بوجود انطولوجي فإنَّ الشخصيّة علامة لسانيّة وكائن ورقي تنشئه المخيّلة والكلمات”(ص 38).
لكن هذا لا يعني أن الشخصيّة، أو هذا الكائن الورقي لا علاقة له بالواقع والتاريخ، أي بالمكان والزمان وما ترتَّب على ذلك من نظريّات علميّة تخصّ مفهوم الشخصيّة. كما أنه لا يمكننا أن ننفي “أثر الذات المتكلمة والتاريخ في بناء العمل الأدبي وتشكّل الشخصّية”، إضافة إلى الثقافة وما هو منها، بشكل خاّص، نصوص أدبيّة تتمثّل في عمليّة التناصّ، أو ما يتركه نصٌّ من أثر في نصٍّ آخر، ويشكِّل تداخلا، غير مقصود أو مدرَك، بين النصوص.
يعرِّف الباحث مفهوم الشخصيّة قبل أن يتناولها في عدد من النصوص السرديّة القديمة والحديثة. ويستند في تعريفه إلى بعض النظريات العلميّة الحديثة المنسوبة إلى البنيويّة. منها على سبيل المثال ما قدَّمه هامون الذي يقترح “أن ننظر أولاً إلى الشخصيّة بوصفها مدلولاً”، وباعتبارها غير جاهزة، بل تولد في وحدات المعنى وتُبنى من خلال ما تقوله أو ما يُقال عنها. وهي بهذا المعنى تتشكَّل، حسب تودوروف: “على نحو مطّرد، وتظهر من خلال علامات تصويريّة تجيء متتابعة، ومنتشرة على امتداد النصّ، فلا نفهم صورتها التامة إلاّ في آخر صفحة من النصّ بفعل عمليّات التذكّر والاستدعاء التي ينهض بها القارئ”.
في مثل هذه الحال قد يُسقِط القارئ المسافة بين الشخصيّة الروائيّة المتخيّلة وبين شخصيّة يتذكرها ويجد شبهاً بينهما.
لكن هذا الشبه بين الشخصيّة الروائيّة وشخصيّة يتذكَّرها القارئ، لا يعني، ولا يمكنه أن يعني، أن الشخصيتيْن هما شخصيّة واحدة، أو أن ما تقوله الشخصيّة الروائيّة يمكن أن ننسبه إلى الشخصيّة التي يتذكرها القارئ، أو أن نعتبر أنها هي الكاتب، أو شخصه.
تعود إمكانية الشبه بين الشخصيّة الروائيّة وشخصيّة يتذكّرها القارئ، إلى هذه الصلة القائمة، وبشكل غير مباشر، بين الثقافي/الأدبي وبين الواقع الاجتماعي، وهو ما يشير إليه الباحث في مقدمة كتابه، ويعلّله بالقول: بأن تناوله للشخصيّة على المستوى النظري، لا ينفي “صلتها بالمرجع الخارجي بوقائعه التاريخيّة وأبنيته الثقافيّة التي تظُّل تمارس أثرها، لا سيما في الشخصيّات المرجعيّة” (ص 15).
هذه العلاقة بين الشخصيّة والمرجع الخارجي هي في نظر الباحث، مسألةٌ جديرة بالاهتمام لما للمرجع، حسب قوله، “من أهميّة مخصوصة في بناء العلامة”. ومع هذا نجده يركِّز بحثه على علاقة الشخصيّة بالعالم المتخيل فهو، حسب قوله، الذي تنتمي إليه، وهو، بالتالي، الذي منه تستمدُّ تفرّدها وعنوان تميّزها. هكذا ومع تنامي فعل السرد وتعدّد مساراته، تتكشّف، كما يرى، جوانب من الشخصيّة تفضي إلى مسافة قائمة بين مفهومين من دون أن يعني ذلك انقطاع الصلة بينهما. أحد هذين المفهومين ينتمي إلى الوجود التاريخي، وينتمي الآخر إلى الوجود النصّي.
على هذا الأساس اختلف النظرُ إلى الشخصيّة، ما يعني أن المفهوم الأول، الذي ينتمي إلى الوجود التاريخي، يرى أصحابُه إلى الشخصيّة باعتبار علاقتها بالواقع الاجتماعي الثقافي، بينما يرى إليها المفهوم الثاني، الذي ينتمي أصحابُه إلى الوجود النصّي، باعتبار انتمائها إلى عالم الكلمات. هامون مثلا، مستنداً إلى ميشال زرافا، يلحُّ على عدم انفصال أيّ تصوّر للشخصيّة “عن التصّور العام للشخص بمعنى الذات أو الفرد”، أي بمعنى انتماء الشخصية إلى مجتمع، بينما يلحُّ كلٌّ من تدوروف وديكرو، على كوْن “الشخصيّة هي قبل كل شيء مسألة لسانيّة”، أي تلفّظ بالكلمات.
في شرحه مسألة العلاقة بين النصّي الأدبي، والعوامل الخارجية الاجتماعية، يسهب الباحث في الكلام على النظريّات التي رأت إلى العمل الأدبي في حدِّ ذاته، ويوجز في الكلام على علاقة الأدبي المتخيّل، أو ما هو نصّي مستقل، بما هو واقع اجتماعي/ ثقافي.
هكذا نجده في كلامه على الشخصيّة التي تنتمي إلى عالم نصّي متخيّل، يعود إلى الأصل الاشتقاقي لكلمة شخصيّة، أي “إلى اللغة الإغريقيّة التي استعملت لفظ “برسونا” بمعني القناع الذي يفصح عن دورٍ يؤدّيه الممثل ويقترن بالازدواج القيمي والتعدّد والتذكّر (ظاهر/ باطن)، أي ببنية ثلاثيّة تتكوّن من نصّ وممثل ومتفرِّج، بينما ترتبط الشخصيّة في النص الأدبي “بطرائق انبنائها التي تجعلها تتجسّد عبر أشكال مختلفة” دون أن ينفي ذلك، أو يُسقط، علاقتها بمرجع خارجي يخصُّ مكان عيش الشخصيّة وزمانها.
كما يرى أن الدراسات النقديّة استبعدت، فيما بعد، العوامل الخارجيّة، ونظرت إلى الشخصيّة بصفتها عالماً مستقلاً بذاته، مستندة بذلك إلى علم اللسانيّات الذي قدَّمه دي سوسيور، وإلى الشكلانيّين الروس الذين رأوا إلى الشخصيّة بصفتها عالماً مستقلا، مستبعدين العوامل الخارجيّة، رافضين بالتالي المقاربة النفسيّة والاجتماعيّة والفلسفيّة.
يكتفي الباحث بهذه الإشارة التي تنفي التماهي بين الشخصيّة الروائيّة التي تنتسب الى العالم المتخّيل، وبين الشخص الذي يعيش في عالم اجتماعي واقعي. غير أن عدم التماهي بين الشخصيّة والشخص لا يعني نفي الصّلة بينهما التي هي احتمال تتوسّل القراءةُ مفهومَ الإحالة للكشف عنها. آخذا بعين الاعتبار مفهوم الإحالة، يقدِّم الباحث قراءة نموذجيّة لهويّة الشخصيّة المتخيّلة في ثلاث روايات تختلف في انتمائها التاريخي، كما في بنيتها السرديّة.
ففي “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري يتناول الشخصيّات التي حكت عنها الرسالة موضحا لعبة الإيهام بانتمائها إلى الواقع، ومظهراً عوامل هذه اللعبة التي هي: الأسماء، الألقاب، مظهر الشخصيّة الخارجي، طبائعها، وغير ذلك من الخصائص والصفات المعروفة عنها في وجودها الواقعي.
وفي رواية “الأشجار… واغتيال مرزوق” لعبد الرحمن منيف يتناول بتفصيل أصناف الشخصيّات والتي منها: شخصيّات استذكاريّه، وشخصيّات مرجعيّة، وشخصيّات من عالم النبات ومن عالم الأشياء. ويستند، في شرحه لبنيتها ووظائفها، إلى المفاهيم البنيويّة من مثل لوحة العوامل وغيرها من الرسوم البيانيّة.
أما في الرواية الثالثة “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” لإميل حبيبي، فيقدِّم مثالاً لإمكانيّة الخلط بين الشخصيّة والشخص/ الكاتب، وذلك بسبب نسبة السرد إلى الأنا، أو إلى ذات ساردة بضمير الأنا، ما يجعل البعض يعتقد أن هذه الأنا هي أنا الكاتب، وبالتالي أن الشخصيّة هي الشخص. وهو اعتقاد تكشف مختلفُ النظريات النقديّة، التي تناولها الباحث في كتابه، عدم صحته.