بعد العمل الشاق لسنين طويلة والعطاء المستمر في تربية الأبناء وتطوير الذات، يأتي سن التقاعد الذي يعتبر مرحلة طبيعية يمر بها أي إنسان في حياته لكنها قد تكون مرحلة صعبة إذا لم نتعلم كيف نشغل الفراغ الكبير والقاتل الذي قد نتعرض له عند الكبر. يرى مختصون أن التقاعد مرحلة جديدة نستطيع أن نجعلها جميلة إذا عرفنا كيف نخطط لها بطريقة صحيحة وكيف لا ندع الفراغ يؤثر فينا وأن نستثمر الوقت ونفكر بأشياء جديدة ربما لم يكن بوسعنا تحقيقها والقيام بها في الماضي بسبب عدم وجود الوقت الكافي والانشغال بتربية الأطفال والعمل.
وينصح الخبراء بأن تكون فترة سن التقاعد مرحلة لاكتشاف النفس والهوايات واكتشاف العالم كالاشتراك في مكتبة عمومية للقراءة أو الاشتراك في رحلات والسفر لمدن جديدة أو هواية الطبخ أو قضاء وقت أكثر مع الأحفاد والأبناء والأهل والتعرف على صداقات جديدة من خلال إنشاء مجموعة للمتقاعدين يتشاركون في العديد من الهوايات كالمشي والموسيقى والقراءة بالإضافة إلى الاستفادة من كل مسن وتجاربه الغنية في الحياة، وهذا من شأنه أن يجعل التقاعد مفيدا وممتعا ومسليا حتى تكون حياته أسعد له ولعائلته.
فهل هناك سن للتقاعد وكيف يمكن التعامل مع التقاعد في حياتنا اليومية؟ كيف نستعد لهذه المرحلة الجديدة والمختلفة؟ كيف يمكن التكيف مع الأمراض المصاحبة وتأخير وقوعها أو الوقاية منها؟ هل تؤثر على الصحة النفسية؟ ولماذا يخاف منها الناس؟
دكتور أسامة أبو حمر استشاري الطب النفسي والأعصاب وعلاج الإدمان وعضو الكلية الملكية البريطانية للأطباء النفسيين تحدث لـ “القدس العربي” قائلا: هذه السن تعرف على أنها لا يمكن للإنسان خلالها أن يجابه متطلبات الوظيفة ومتطلبات الحياة، سن التقاعد ممكن أن تبدأ مبكرا بين سن 40 إلى 45 سنة لكنها تكون أصعب بعد سن 65 وتكمن المشكلة هنا بعدم قدرة الإنسان على التجاوب مع المحيط خاصة فيما يتعلق بضغوطات في العمل أو يبدأ بالشعور بأن الحياة روتينية ولا يستطع مواجهة كل ذلك فيبدأ بالتفكير هنا بسن المعاش أو التقاعد ويتخذ قراره.
ويضيف أن في مرحلة 60 إلى 65 سنة يشعر الإنسان بأنه لم يعد يستطيع أن يعطي ويعمل كما كان في سن مبكرة وذلك له أسبابه حيث يبدأ الإنسان بفقد قدرات معينة مع الوقت ولا يستطيع تحمل الوظيفة التي يعمل بها خصوصا لو كان يعمل طيلة حياته في البحث والتفكير فيفقد التركيز وتقل المهارات وتصعب مواكبة العصر، وهنا تحدث لدى المتقاعد تغيرات فيسيولوجية وصحية مثل عدم التحمل، الترهلات، قلة التركيز، تأثر السمع والبصر، قلة القدرة العقلية وهنا تتحدد طبيعة وظيفته من العمل الشاق والإنتاج الغزير إلى إنتاج فكري وعقلي أكثر منه جسدي.
القدرة على العطاء
وعن سؤال حول القدرة على العطاء في سن التقاعد خاصة وكيفية الاستفادة من الخبرات المتراكمة للمتقاعدين يقول د. أبو حمر:
هناك فئتان بعد سن الستين فئة المسن النشط الذي يستطيع أن يصل إلى عمر منتصف السبعين وهو يتحرك ويقوم بواجباته ويسوق السيارة، أو المرأة المسنة ممكن أن تحضر الطعام وتنتبه لأحفادها من غير أي مساعدة وتمارس الرياضة في النادي وأمور أخرى. وضرب د. أبو حمر هنا مثلا مهما على ذلك بالتذكير بأهمية الاستفادة من تجار المتقاعدين فـ “نيوتن” مثلا عند عمر السبعين سنة قدم للعالم نظرية و”بيتهوفن” كانت آخر سيمفونية أنجزها بعد أن فقد السمع وأبدع فيها نتيجة تراكم الخبرات. يجب الاستفادة من خبرات المسنين كما يحدث في الغرب وتشجيعهم على العطاء بدلا من تهميشهم.
أما الفئة الثانية فهي المسن الكهل (سن الكهولة) الذي يحتاج إلى مساعدة أثناء المشي ويبدأ في الجلوس على كرسي للصلاة ولا يستطيع المشي لمسافات طويلة إلا بمساعدة من الأحفاد أو الأبناء أو من المساعدين التي توفرهم الدولة لرعاية المسنين.
صحة المسن البدنية والنفسية
وأشار أبو حمر إلى أن الفترة من 65 وما بعدها تحدث فيها تغيرات كبيرة في حياة المسن مرحلة الانسحاب من المجتمع، والأولاد يكبرون ويعتمدون على أنفسهم بدون مساعدته والأصدقاء قد غيبهم الموت، وبعد المسافات، والأبناء الذين كان يعتمد عليهم قد انشغلوا بحياتهم وابتعدوا وتزوجوا أو سافروا ولم يعودوا قادرين على أن يهتموا بأمهاتهم وآبائهم المسنين لفترات طويلة نتيجة انشغالهم بأمور الحياة.
وقد يفقد المسن زوجته أو العكس وذلك يتسبب بإضافة آلام أخرى على الشيخوخة مثل الآلام النفسية والعقلية والعصبية مع الأمراض العضوية الأخرى كالقلب والضغط والسكر وتصلب الشرايين ولا يستطيع الذهاب إلى الحمام إلا بمساعدة أحد. وهنا يصبح عاجزا عن القيام بخدمة نفسه ويضطر لانتظار المساعدة من الآخرين.
وعن تأثير ذلك على التوازن النفسي للمسن يقول أبو حمر: يحدث فقدان للتوازن الداخلي عند المسن ويصاب بالأرق والتوتر والكآبة وقد يصاب بداء الخرف (الزهايمر) وتكثر هذه الأعراض لو كان عند المسن استعداد وراثي. فهؤلاء يتعرضون لسرعة اندفاع في أمور كثيرة مثل البكاء الشديد الهستيري والفرح الزائد عن الحد، ويحدث عدم توازن داخلي يجعلها المسن يبقى متماشيا مع الأمور التي تجري من حوله لو وجد أحد يعنف أو يضرب في التلفزيون يبقى مرعوبا داخليا، ممكن يكرر الكلام وممكن يعجز عن اختيار الكلمة المناسبة أثناء الحديث مع الآخرين.
الاستعداد لمرحلة التقاعد
ينصح استشاري الطب النفسي قائلا: نحن مختلفون في استعدادنا للأمراض ومختلفون في العادات والتقاليد، فالنصيحة هي أن نستعد لهذه المرحلة ويجب أن نبحث عن الأمراض الموجودة داخل الأسرة، فمثلا لو كان في الأسرة مسن يشتكي من الضغط والسكري، التدخين، الكحول وأمراض أخرى يجب محاولة تجنب هذه الأمراض حتى لا نتعرض لها أو نؤخرها عند مرحلة الكهولة والكبر عن طريق التوازن في الأكل والشرب والقراءة بكثرة والتواصل اجتماعيا مع الناس والأصدقاء والجيران والأقارب.
العمل المستمر مع النشاط والوقاية تبدأ من عمر الأربعين والخمسين وتقينا إلى حد كبير من التعرض للأمراض التي تتعلق بكبر السن في وقت متأخر حتى لو كان عندنا استعداد داخلي وجيني لهذه الأمراض، بالإضافة إلى ضرورة الاهتمام بجودة الحياة والتوازن الذي يساعد على ملء الفراغ الداخلي للإنسان مع الاهتمام بالمظهر الخارجي أيضا.
الخوف من شبح الوحدة
ومن خلال عمله مع المسنين يرى د. أبو حمر أن المسن يشعر بالتهميش والكآبة واضطرابات في التفكير والادراك والحس ويبدأ يشكك بالاخرين بسبب انفصاله عن العالم وبسبب الوحدة. للمجتمع دور كبير في أن يهمش أو يشجع المسنين على العطاء والإبداع والاستفادة من خبراتهم الطويلة، ودمجهم في العمل التطوعي والإنساني.
واعتبر أن المرأة في مجتمعاتنا العربية لها وضعها الخاص والمقدس فهي محروسة بالأولاد والأخوة والزوج والأحفاد فعندما تصل سن الكبر وتعجز عن القيام بأمورها اليومية تجد الكثير من الناس تحاول مساعدتها لأن المجتمع يوصي بالمرأة.
أما الدكتور أحمد عايش يونس، أستاذ العظام والتأهيل والأعصاب في جامعة لندن فتحدث لـ “القدس العربي” عن ضرورة الاهتمام بالحركة والمشي وممارسة التمارين البسيطة للمسن ليقي نفسه من الأمراض ويعيش حياته لفترة أطول وبدون مساعدة من أحد.
ويضيف قائلا: يجب على المسن بداية الاهتمام بعلاج أي التهابات حتى لا يتعرض إلى انتكاسات بسببها وأن يعيش عيشة متوازنة كالاندماج في فعاليات المجتمع، التواصل مع الأولاد والأحفاد. لابد أيضا من أن يقوموا بزيارته بشكل متواصل والأهم عدم توجيه اللوم له أو إشعاره بالعجز أو أنه غير قادر على القيام بأي شيء فهذا يؤلمه. حركة الإنسان تقل وتركيزه يقل لذا يجب أن يهيأ له جو معين حتى يمكن الاستفادة من خبرته لأطول فترة معينة.
ويرى د. يونس أن كبر سن الإنسان لا يعني أن يصبح خارج مجال الخدمة، مشيرا إلى أن من ضمن إيجابيات الشيخوخة أو سن التقاعد هو أن كل إنسان وصل لهذه المرحلة من السن فقد وصل إلى درجة عالية من الخبرة. في الغرب عموما يهتمون بكبار السن لأن لديهم الخبرة التي يجب الاستفادة منها من قبل العديد من الشركات والمؤسسات كمستشارين. ويؤكد أن هذه المرحلة ليست نهاية الحياة ويبقى العطاء مستمرا إلى آخر لحظة، نتعلم ونعلم حتى آخر لحظة من حياتنا.
أما عن الأمراض التي تصيب كبار السن فيقول د. يونس إنها كثيرة منها المتعلق بالأمراض المزمنة كالسكري والضغط والأمراض المعدية المعوية بالإضافة إلى أمراض التغيرات الفيسيولوجية للمفاصل والعضلات والجلد وهي تؤثر على الحركة والتنقل، تغيرات فيسيولوجية تقلل من حركة الإنسان كبير السن، وتكثر في هذه السن الأمراض الروماتيزمية حيث تحدث عملية التآكل في البنية التركيبية للمفصل وخاصة في الركبة والعمود الفقري.
وهو ينصح بكثرة النشاط أو استمرارية النشاط، وهي من أهم المزايا التي يجب أن ترافق الإنسان حتى عندما يكبر. كما ينصح بعدم تناول الأدوية عند الشعور بصداع بدون مراجعة الطبيب لأن المعدة لا تتحمل، والتقليل من الأدوية قدر الإمكان لما لها من مضاعفات جانبية على جسم الإنسان.
ويعتبر د. يونس أن من أهم النشاطات التي يمكن أن يقوم بها الإنسان هي الصلاة وأن الذين لا يستطيعون الركوع والسجود في إمكانهم الجلوس على الكرسي وأداء الصلاة، وكذلك المشي بشكل يومي في الهواء الطلق بالإضافة إلى التمارين البسيطة التي تساعد المسن على تقوية عضلاته حتى لا تضمر وتصغر ويصبح من الصعوبة تحريكها كتحريك الذراعين والقدمين أثناء الجلوس، كما أن هناك أجهزة رياضية خاصة بكبار السن تساعدهم على تحريك أطرافهم لتقوية العضلات.
وعن المرأة وما تمر به من صعوبات في هذه المرحلة العمرية يقول د. يونس: يوجد اختلاف بين المرأة والرجل في هذا السن فالشكل الخارجي للمرأة بالنسبة لها مهم جدا، والمشاكل الهورمونية تؤدي إلى اضطرابات أكثر، وقضية الضعف وهشاشة العظام أكثر من الرجل وذلك نتيجة الحمل والولادة التي تضعفها أكثر خاصة في المشاكل الحركية مما يسبب لها الاكتئاب أكثر من الرجل. لكن لو اهتمت المرأة بصحتها خاصة الغذاء الصحي والرياضة فذلك ضرروي لها
فعضلات الجسم تضعف وتصغر من قلة الحركة في حال عدم بذل أي جهد والاستسلام للأمراض والخمول.
وهو ينصح بممارسة الرياضة والحركة والاهتمام بالشخص الكبير وعدم التعامل معه كأنه رجل مريض بل ما يحدث هو تطور طبيعي في الحياة، ويأمل أن تهتم الدول العربية بالمسنين والاستفادة من خبراتهم الغنية والمفيدة لخدمة المجتمع.
أبحاث ودراسات
ومن الأبحاث المهمة في هذا الصدد بحث يشير إلى أن كثرة القراءة وحفظ القرآن تقلل من الإصابة بمرض الخرف والسبب في ذلك أن الخلايا العصبية والخلايا الدماغية مثل أي خلايا أخرى عند المسن تقل حركتها ويقل نشاطها إذا لم ينشطها فبالتالي ينصح بتنشيط الخلايا الدماغية أما عن طريق الحركة والتنقل أوعن طريق القراءة. بحث آخر أشار إلى أن أصحاب التخصص في الرياضيات (مادة الحساب) أقل عرضة للإصابة بالخرف.
وفي الهند تشير الكثير من الدراسات إلى أن الهنود يعمرون وذلك لأسباب منها البيئة الاجتماعية وطبيعة الأكل والحركة والنشاط لأن في الحركة نشاطا وبالتالي الخلايا الدماغية منشغلة باستمرار، والطبيعة والأجواء المناخية تختلف وتساعد فلا يوجد عندهم برد شديد، لا توجد عند الأغلبية المكيفات التي تؤدي إلى التقلص والتمدد السريع في الأوردة في المخ التي من الممكن أن تؤدي إلى تصلب الشرايين.
دراسات أخرى تؤكد أن الأمر يختلف في الغرب حيث يزيد العمر بسبب التقدم التكنولوجي والخدمات والرعاية الصحية المتوفرة تحديدا لكبار السن، فهم في أوروبا يصابون بالخرف (الزهايمر) أكثر من بلدان الشرق وذلك بسبب انعدام الترابط العائلي القوي والوحدة القاتلة خاصة عندما يفقد المسن شريكة حياته أو بالعكس، لذا فإن دمج المسنين بالعمل الاجتماعي والتطوعي يساعد في التخفيف من الأمراض والكآبة والخرف وغيرها من الأمراض المصاحبة. وثمة من يعتقد بأن كثرة القراءة في مرحلتي الطفولة والشباب قد تؤدي إلى تقليل الإصابة بمرض الخرف في مرحلة الشيخوخة.