“ميادين التدخل: السياسة الخارجية الأمريكية في لبنان” لجيمس ستوكر: كيسنجر شجع الفوضى والحرب في لبنان واعتبر الصراعات أفضل لإسرائيل على المدى البعيد

سمير ناصيف
حجم الخط
0

لماذا تهمل أمريكا وروسيا الوضعين اللبناني والفلسطيني وتركّزان على علاقتهما مع الدول العربية الأخرى، خصوصاً تلك الغنية بالموارد الطبيعية على حساب لبنان وفلسطين؟ وهل يتكرر السيناريو الذي نفذه وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر خلال توليه منصبيه كمستشار للأمن القومي ثم كوزير للخارجية في عهد الرئيسين ريتشارد نيكسون ثم جيرالد فورد بحيث تجنب المعالجة الفاعلة للشأنين اللبناني والفلسطيني وأعطى الأفضلية لدفع الدول العربية الأخرى إلى الدخول في عمليات مشبوهة للسلام حسب رغبته وتفضيله مما أفاد إسرائيل وأضر بلبنان وفلسطين؟ وهل تنفذ الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة دونالد ترامب والحزب الجمهوري خطة شبيهة بخطط كيسنجر؟

هذه أسئلة من الممكن الإجابة عن جزء منها لدى مراجعة كتاب صدر في العامين الماضيين بعنوان: “ميادين التدخل: السياسة الخارجية الأمريكية وانهيار لبنان 1967 ـ 1976” لجيمس. ر. ستوكر، أستاذ الشؤون الدولية في جامعة ترينيتي ـ واشنطن في الولايات المتحدة.

يورد المؤلف في الفصل الثاني من كتابه وعنوانه “إدارة نيكسون واتفاقية القاهرة” وجود خلاف بين كيسنجر، عندما كان مستشاراً للأمن القومي، مع وزير الخارجية آنذاك في بداية عهد نيكسون (1969 و1970) ويليام روجرز، بحيث مال روجرز إلى طرح خطط قد تؤدي إلى حلول فاعلة إزاء الوضعين الفلسطيني واللبناني فيما فضل كيسنجر الإبقاء على حالة الجمود واستحالة التقدم (Stalemate) في هذا المجال (ص 45 ـ 46). وحجة كيسنجر كانت أن بقاء حالة الجمود أفضل لأمريكا برغم أن لبنان دولة صديقة.

وقد وجه مذكرة إلى الرئيس نيكسون (الذي كان يميل على الأخذ بمواقف روجرز) ادعى فيها أن ترك الحالة كما هي قد يدفع الاتحاد السوفييتي لإقناع حلفائه في لبنان من اللبنانيين المعارضين اليساريين والفلسطينيين بالقيام بتنازلات وانضباط في عمليات المقاومة التي يشنونها ضد إسرائيل. وكان تاريخ هذه المذكرة في نيسان (ابريل) 1969، أي في العام الذي وُقّعت فيه “اتفاقية القاهرة”. واعتبر كيسنجر هذه المذكرة أن عقد أي اتفاقيات مع الاتحاد السوفييتي هو في مصلحة الجانب الروسي وحلفائه. وقد روج كيسنجر (مستشار الأمن القومي) مثل هذه السياسات التي تتخلى عن الحلفاء ليس فقط في لبنان بل في الأردن والسعودية لأنه اعتبر أن حالة الفوضى والصراعات هي أفضل في المدى البعيد لإسرائيل. وقد ساهم هذا الموقف في تفاقم الحرب الأهلية في لبنان والمواجهات العسكرية في الأردن وفي إضعاف المملكة العربية السعودية وقيادتها آنذاك.

كما عارض كيسنجر في عام 1969 اقتراح السفير الأمريكي في لبنان دوايت بورتر، الذي توصل إليه بعد مشاورات آنذاك مع الرئيس اللبناني شارل حلو وقرر عدم القبول بخطة لنشر قوات دولية في لبنان تابعة للأمم المتحدة على حدود هذا البلد الجنوبية بحجة أن مثل هذه القوات ستحول دون ضغط الحكومة اللبنانية على الفدائيين الفلسطينيين لوقف هجماتهم ضد إسرائيل من الجنوب اللبناني. ولم تُنشر القوات الدولية التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان إلا عام 1978 أي بعد الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان (ص 47).

وكان الرئيس نيكسون (حسب الكتاب) يتشاور مع أركان قيادته حول إمكانية إرسال قوات عسكرية أمريكية إلى لبنان لدعم نظام الرئيس شارل حلو كما فعل قبله الرئيس دوايت ايزنهاور في عام 1958، وتقرر أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى نتائج سلبية. وبالتالي، أشارت القيادة الأمريكية إلى الرئيس حلو بضرورة التشاور مع قيادات الدول العربية الفاعلة في الساحة الفلسطينية كالسعودية ومصر وليبيا للمساهمة في معالجة الخلافات في لبنان. وبعد ذلك تم التوصل إلى “اتفاقية القاهرة” تحت مظلة مصر، ومن دون الموافقة الكاملة لبعض الجهات اللبنانية على كامل نصوصها.

ويشير الكاتب في الصفحة (59) من كتابه إلى أنه عندما عادت وزارة الخارجية الأمريكية بقيادة ويليام روجرز طرح “خطة روجرز” للتطبيق في المنطقة (في تشرين الأول/أكتوبر 1969) انفجرت الأوضاع في لبنان، كما اعتمدت حكومة إسرائيل خطة تسريب معلومات مدسوسة لإضعاف الرئيس اللبناني حول تنسيق الرئيس حلو معها لإظهاره متجاهلاً وزارة الخارجية الأمريكية. وقد فعلت إسرائيل ذلك برغم أن حلو كان ينسق مع السفير الأمريكي في لبنان دوايت بورتر (ص 60 ـ 61) وأن الرئيس اللبناني طلب من الرئيس المصري جمال عبد الناصر التوسط لمعالجة الأوضاع المتأزمة في لبنان في فترة كان الرئيس المصري خلالها منشغلاً في التفاعل مع “خطة روجرز” في المنطقة عموما. ومع ذلك حاول عبد الناصر المساهمة في العثور على حلول وحظي بدعم روجرز لنجاحه في التواصل مع القيادتين اللبنانية والفلسطينية.

في هذه الفترة درست القيادة الأمريكية (حسب المؤلف) تسليح الميليشيات المسيحية في لبنان، واقترح كيسنجر تسليح الجيش اللبناني لأن القيادات العليا في الجيش اللبناني آنذاك، حسب رأيه، كانت متعاطفة مع الميليشيات المسيحية وساهم في نقل الأسلحة إليها (ص 63).

وجرت في تلك الفترة تحركات عسكرية بحرية أمريكية لإنذار الاتحاد السوفييتي بعدم التدخل في لبنان ولمنع تسليح الجهات الفلسطينية واليسارية في لبنان من قبل السوفييت وحلفائهم.

ويشير الكاتب إلى أنه لدى طرح قيادة نيكسون إمكانية التدخل العسكري الأمريكي المباشر في لبنان رأى مستشار الأمن القومي كيسنجر أن التدخل الإسرائيلي العسكري المباشر في لبنان هو خيار أفضل من التدخل العسكري الأمريكي بحجة أنه إذا تدخلت أمريكا عسكرياً فقد يتدخل السوفييت عسكريا أيضا وستحدث مواجهة كبرى (ص 64).

ويضيف ستوكر قائلا إن كيسنجر اعتبر أن “اتفاقية القاهرة” ستساهم في ازدياد النفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط ولن تضبط الفدائيين الفلسطينيين فيما رأى المسؤول جوزف سيسكو (مبعوث وزارة الخارجية الأمريكية) أن الاتفاقية ستمنع الهجمات والتدخلات العسكرية الإسرائيلية في دولتين صديقتين لأمريكا هما لبنان والأردن (ص 67).

وهنا يبدو كيسنجر محاولاً ترك الأمور كما هي ليمهد لانتشار المزيد من المواجهة العسكرية الداخلية والخارجية فيما سعت (حسب الكاتب) وزارة الخارجية الأمريكية (قبل تسلمه قيادتها) لإطفاء النار وضبط الأوضاع في لبنان والأردن والقيام بدور فاعل في هذا المجال.

ويعتبر الكاتب أن أمريكا قلصت فاعلية دورها منذ تلك الفترة وبعد تسلم كيسنجر وزارة الخارجية في عهد نيكسون ومن ثم في عهد جيرالد فورد من خلال عدم دعمها للبنان ضد الهجمات العسكرية الإسرائيلية. مثل هذا الوضع ما زال مستمراً حتى الساعة إذ أن القيادة الأمريكية الحالية تقبل المنطق الإسرائيلي القائل بأن الهجمات العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان هي لضبط هجمات المقاومة اللبنانية، وهي تشكل دفاعاً عن النفس، كما كانت في الماضي ضد المقاومة الفلسطينية!

وبرغم أن الكتاب يتضمن فصولا عديدة هامة حول الأزمات التي نشبت خلال تلك الفترة في الأردن في عام 1970 وتأثير حرب 1973 على الأوضاع في لبنان فإن الفصل الثامن من الكتاب حول التدخل العسكري السوري في لبنان في عام 1976 ودور كيسنجر كوزير خارجية أمريكا في تشجيع هذا الدور يبقى ذا أهمية خاصة لأنه يرتبط بالفصول الأولى حول خطة انطلقت آنذاك واستمرت وربما ما زالت مستمرة لإضعاف لبنان وفلسطين. يقول الكاتب في الصفحة (198) إن الرئيس المصري الراحل أنور السادات شكك بأن وزير الخارجية الأمريكي كيسنجر يشجع التدخل العسكري السوري في لبنان الذي تم في أوائل حزيران (يونيو) 1976، وإنه دفع وزير خارجيته إسماعيل فهمي إلى طرح فكرة إدخال قوات فرنسية مع قوات عربية مشتركة إلى لبنان على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. غير أن سوريا رفضت، برغم معارضة بعض السياسيين اللبنانيين، أن تكون سوريا وحدها صاحبة القرار وآمرة القوات العسكرية. حتى أن الزعيم اللبناني الراحل كمال جنبلاط طالب بوساطة فرنسية ـ أمريكية بين الفئات المتنازعة في لبنان وفي مرحلة قاد فيها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات معركة عسكرية ميدانية ضد القوات الفلسطينية المؤيدة لسوريا في لبنان (خصوصا قوة الصاعقة)، وفي مرحلة صعّد الاتحاد السوفييتي والعراق موقفهما ضد التدخل العسكري السوري في لبنان بالإضافة إلى موقف مصر الداعم لعرفات. أما كيسنجر فوقف موقف المتفرج (آنذاك) كما فعل في مناسبات سابقة أو حاول الترويج للتدخل العسكري السوري في لبنان عبر حوارات مع ملك الأردن حسين بن طلال وطرح قضية التحفظ على إشراك دول عربية “راديكالية في القوات العربية التي ستضبط الأمن في لبنان (قوات ليبية وعراقية)، كما روج كيسنجر للدخول السوري إلى لبنان مع وزير الخارجية الإسرائيلي ييغال آلون، مشيرا إلى أن هذا التدخل مفيد في المدى البعيد لإسرائيل لأنه سيضبط الفدائيين الفلسطينيين وسيساهم في دفع الأردن إلى التفاوض لحل سلمي مع إسرائيل (ص 200).

ويعتبر المؤلف أن دخول القوات السورية إلى لبنان في عام 1976 ساهم في المرحلة الأولى في مشروع القيادات المسيحية في لبنان الساعي لإخلاء أي مجموعات مقاومة من مناطقهم. وبرغم تحفظ بعض هذه القيادات المسيحية على العنف الذي ارتكبته الميليشيات المسيحية في مخيمي تل الزعتر وجسر الباشا في تلك الفترة فإن كيسنجر لم يعتبر بأن أمريكا يجب أن تتدخل لوقف مثل هذه العمليات العنيفة (لأن لا مصلحة لها في ذلك! وربما أدى هذا الموقف إلى تشجيع هذه الميليشيات على ارتكاب مجازر مماثلة في مخيمي صبرا وشاتيلا في عام 1982 تحت أنظار الجيش الإسرائيلي هذه المرة.

ويقول الكاتب في الصفحة (205): “كيسنجر لم يعتبر أن أمريكا معنية أو لها مصلحة في وقف مجزرتي تل الزعتر وجسر الباشا التي تم خلالها قتل أكثر من ألف وخمسمئة مدني وعسكري في يوم اقتحام تل الزعتر وحده”.

ويؤكد ستوكر أن القيادة السورية آنذاك قامت بمبادراتها من دون التنسيق المسبق مع قيادة حليفها الاتحاد السوفييتي مما اقتضى زيارة المسؤول السوفييتي اليكسي كوسيغين إلى دمشق وتوجيه الأمين العام للحزب في موسكو ليونيد بريجنيف رسالة إنذار قوية إلى القيادة السورية لوقف هذه العمليات في لبنان.

ويرى الكاتب أن كيسنجر بذل سنوات خدمته في الإدارة الأمريكية لمنع أي مبادرات قد تفيد الفلسطينيين على حساب إسرائيل، واعتقد بأن التفاوض الأمريكي مع الفلسطينيين سيؤدي إلى خسارة الأوراق الضاغطة عليهم وسيدفع القادة العرب إلى أخذ مواقفهم وحقوقهم في الاعتبار إلى درجة أكبر. ولذلك قرر التفاوض المباشر مع الزعماء العرب وشجعهم على تجاوز مطالب الفلسطينيين المحقة وفرض السياسات المجحفة عليهم بالقوة، وهو ربما أمر يتكرر حالياً!

 

James R. Stocker: Spheres of Intervention

 

Cornell University Press, Ithaca 2016

 

296 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية