تونس – “القدس العربي”: نفذ الاتحاد العام التونسي للشغل إضرابه العام في القطاع العمومي بنجاح وأبرز أنه قوة قادرة على الحشد متى شاءت، وأن ماضيه المشرف في مقاومة الاستعمار الفرنسي وفي بناء دولة الاستقلال ورعاية الحوار الوطني الذي جنّب البلاد الحرب الأهلية بعد 2011، يعطيه وزنا لا يستهان به في الساحة السياسية التونسية ويجعله رقما صعبا يحسب له ألف حساب. كما أن غياب معارضة جدية وحقيقية في تونس قادرة على تصويب الانحراف الحكومي ولديها امتداد شعبي، جعل الاتحاد الجهة الأبرز للعب هذا الدور إضافة إلى دوره الأصلي كمركزية نقابية في الدفاع عن حقوق الموظفين والعمل بالفكر والساعد.
لقد وصلت المفاوضات بين الاتحاد وحكومة يوسف الشاهد إلى طريق مسدود وهو ما يعني أن الأمر لن يقف عند إضراب عام في قطاع الوظيفة العمومية بل سيتجاوزه إلى إضرابات لأيام متتالية وربما نصل إلى العصيان المدني وإلى الصدامات في الشوارع. وفي هذا السياق يعتبر الباحث الاقتصادي ووزير المالية الأسبق حكيم بن حمودة لـ “القدس العربي” أن لهذا الإضراب تأثيرات سلبية على المستويين السياسي والاقتصادي. ولفت إلى أن عدم قدرة الحكومة على تفادي الإضراب أيضا سيكون له ثمن سياسي كبير مما سيزيد من صعوبة الوضع الاقتصادي الدقيق والأزمة السياسية الراهنة التي تعيشها البلاد، فالاتحاد العام التونسي للشغل هو قوة لا يستهان بها وهو قادر على مواصلة التحركات الاجتماعية. من جهة أخرى فإن الإضراب ينعكس سلبا على صورة تونس في الخارج وعلى ثقة المستثمرين خاصة أن البلاد مقبلة على استحقاقات انتخابية هامة. ويشير بن حمودة إلى أن الإضراب بكل المقاييس ليس إيجابيا ولا يفيد في تحقيق الاستقرار المنشود في الوضع الاقتصادي مضيفا أن الحكومة تتحمل مسؤولية هذا الفشل باعتبارها لم تتعامل بجدية كبيرة مع الحدث ولم يكن الإعداد للمفاوضات مع الاتحاد العام التونسي للشغل جيدا.
معارك سياسية
من جهته اعتبر الناشط السياسي والحقوقي رمزي الخليفي أن الإضراب العام الذي نفذه الاتحاد العام التونسي للشغل ستكون له تداعيات سياسية واقتصادية كبرى على تونس. وقال لـ “القدس العربي”: إن “انسداد الأفق بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل وتمسك كل طرف بموقفه أوصلنا إلى هذه الحالة علما أن الكلفة الاقتصادية المباشرة للإضراب تتجاوز الـ 300 مليون دينار أما الكلفة غير المباشرة فلا يمكن تقديرها وستكون باهظة الثمن ومؤثرة على الاقتصاد التونسي”. وأكد الخليفي أن الارتباط بين ما هو سياسي واقتصادي سيعمق الأزمة أكثر خاصة
أن الوضع الاجتماعي وصل إلى درجة كبيرة من الاحتقان. وأوضح أن الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة كبيرة ولها قواعدها في جميع جهات الجمهورية (المحافظات) لكن المواجهة القائمة بينها وبين الحكومة لا يوجد فيها رابح بل الخاسر الأكبر هو الشعب التونسي. فسياسة لي الأذرع التي يمارسها الاتحاد العام التونسي للشغل للضغط على الحكومة، وسياسة التجاهل التي تنتهجها الحكومة أدت إلى هذا الإضراب وقد تؤدي إلى صراعات أعمق على الساحة السياسية”.
ويأتي الإضراب العام في ظل تصاعد الأزمة السياسية في البلاد، فالصراع اليوم في تونس على أشده بين حركة النهضة وحزب النداء إثر انهيار منظومة التوافق بينهما. أضف إلى ذلك أن حكومة الشاهد الأخيرة قد تم تشكيلها رغم معارضة الحزب الفائز في الانتخابات الأخيرة بأغلبية الأصوات، أي حركة نداء تونس. وبذلك فقدت قدرا كبيرا من السند السياسي والمشروعية السياسية بالنظر إلى أن التغيير الوزاري الأخير حدث في ظل ضعف السند السياسي والحزبي للحكومة الوليدة، وحتى الاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان مساندا لحكومة الوحدة الوطنية السابقة برئاسة الشاهد أصبح يصنف نفسه في خندق المعارضة. فالحكومة التونسية اليوم في وضع لا تحسد عليه خاصة أن تونس مقبلة على استحقاقات انتخابية هامة في الفترة المقبلة في ظل وضع اجتماعي متشنج، الأمر الذي يزيد من صعوبة إجراء الانتخابات بطريقة سلسلة وعادية.
لذلك تبدو حكومة الشاهد وكأنها تبحر عكس التيار في ظل تصاعد عواصف التجاذبات السياسية الحالية ومع غياب تام لأي اجماع وطني أو حزبي. فهناك عديد الأحزاب السياسية التي تعتبر أن حكومة يوسف الشاهد قد فقدت الشرعية، ولئن كانت تتمتع بدعم حركة النهضة إلا أن ذلك غير كاف حتى تستمر في مهامها وتصل بتونس إلى بر الأمان عبر تحقيق المحطات الانتخابية الكبرى المقبلة وتجنب السيناريوهات السيئة.