الخبير الاقتصادي غازي وزني: لبنان تدارك مفاعيل “هفوة” الإيحاء بإعادة هيكلة الدين والانهيار النقدي لا يخدم “حزب الله”

حاورته رلى موفق
حجم الخط
0

يعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور غازي وزني أن زعزعة الاستقرار الأمني والاجتماعي في أي بلد تتم عبر الانهيار النقدي، ولذلك يطرح علامات استفهام قوية حول مرامي وأهداف تقرير “غولدمان ساكس” حول الوضع المالي الذي وضع سيناريوهات أوحت أن لبنان متّجه إلى نوع من شطب الديون أو الإفلاس أو التخلف عن سداد ديونه، وهي سيناريوهات يراها وزني تهويلية كونها غير قابلة للتطبيق على الواقع اللبناني وتحمل أجندة سياسية خارجية، ولا يستبعد أن تكون إسرائيل تقف وراء بعض تقارير مؤسسات التصنيف المالي بغية خلق فوضى في لبنان.

ويرى أن كلام وزير المالية علي حسن خليل عن إعادة هيكلة الدين ليس بالتصريح العادي، بل “هفوة”، لكنه عزاها أكثر إلى آراء مستشارين حوله يدعمون هذه النظرية أكثر من كونها موقفاً يعبّر عن توجهات فريقه السياسي، والمتمثل برئيس مجلس النواب أحد طرفي “الثنائية الشيعية” التي تعتبر اليوم الطائفة الأقوى. وهو لا يوافق الرأي بأن الفوضى المالية تُفيد “حزب الله” الراغب بالوصول إلى مؤتمر تأسيسي يقود إلى تغيير توزيع السلطة في البلاد، ذلك أن ثلث الودائع في القطاع المصرفي تعود في أغلبيتها إلى المغتربين الشيعة وستضرب مدخراتهم.

على أن رصانة قراءاته وتحليلاته للشأن الاقتصادي والمالي لا تحجب مخاوفه على الوضع الاقتصادي والمالي في ظل الشعور باتجاه البلاد نحو سيناريو حيث القوى السياسية تُقدّم مطالبها السياسية على أولوية معالجة المخاطر، والذي سيؤدي إلى الانكماش الاقتصادي وتنامي الدين العام، وإلى نزف نقدي بوتيرة أسرع من الوتيرة الراهنة، الأمر الذي سيجعل إمكانيات “مصرف لبنان” تتضاءل. هنا نص الحوار:

○ لنبدأ من تقرير المؤسسة الأمريكية للخدمات المالية والاستثمارية “غولدمان ساكس” حول الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان الذي أحدث موجة قلق جديدة. أنت وضعته في سياق التهويل، فعلى ماذا استندت في تقييمك؟

  • تقرير “غولدمان ساكس” وضع سيناريوهات محتملة ولكنها غير قابلة للتطبيق على الواقع اللبناني. المؤسسة نفسها قدّمت قبل أسابيع تقريراً انتهت فيه إلى أن مصرف لبنان لديه القدرة على تمويل الدولة اللبنانية حتى نهاية العام 2021. وبعدها بأسبوعين جاءت بتقرير يتضمن سيناريوهات محتملة لكيفية خفض الدين العام اللبناني، بافتراضات تهويلية وغير واقعية. “غولدمان ساكس” تذهب من منطلق أن الدين العام في لبنان مرتفع، وهو ثالث أعلى نسبة دين عام في العالم، ويمثّل تقريباً 150 في المئة من الناتج المحلي، وأنه يجب خفضه إلى 50 في المئة من الناتج المحلي، من خلال شطب 65 في المئة من الدين.

○ تعتبره تهويلياً بالمعنى الحرفي للكلمة أم أنه يُشير إلى حلول غير واقعية؟

  • أعتبره تهويلياً لأنه أوحى أن لبنان متّجه إلى نوع من شطب الديون أو الإفلاس أو التخلف عن سداد ديونه. عندما نتكلم عن سيناريو شطب الديون معناه أننا نذهب إلى منطلق إعادة هيكلة الدين العام، يعني دولة متخلفة وغير قادرة على سداد ديونها. الموضوع رُبط فوراً بما حدث في اليونان أو الأرجنتين. من هذا المنطلق أصبح تهويلياً، لأن الجو العام في لبنان ربط الوضع الاقتصادي والمالي بقصة أن هذا السيناريو محتمل التطبيق عندنا. لذلك عندما أدلى وزير المالية بتصريح بعده بأسبوع أو أسبوعين حول إعادة هيكلة الدين ربطه الرأي العام والأسواق المالية العالمية والأسواق الداخلية والمجتمع المالي الدولي بالتقرير الذي أصدرته “غولدمان ساكس”، ما أوحى بأن هناك احتمالاً بأن يكون المسؤولون في الدولة اللبنانية ووزير المالية يفكرون بهذا الطرح الذي لا ينطبق على لبنان.

السؤال المطروح هو: لماذا استخدمت “غولدن ساكس” عبارة 50 في المئة من الناتج المحلي ولم تستعمل مثلاً 60 أو 70 أو 80 أو حتى 90 في المئة؟ حتى أن المعايير الدولية المتفق عليها (معايير ماستريتش) التي تتعلق بحجم الدين العام من الناتج المحلي، تضع رقم الـ60 في المئة كحد أدنى. الأمر الآخر أن غالبية دول الاتحاد الأوروبي تتجاوز الـ70 في المئة أو 80 في المئة وبعضها يتجاوز الـ100 في المئة. اليونان وصلت إلى 176 في المئة، وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا تتجاوز الـ110 في المئة، فلماذا في لبنان وضعت 50 في المئة مع شطب الديون بنسبة 65 في المئة وتم الترويج محلياً وعالمياً بأن هناك إمكانية لأن يستخدم لبنان هذا السيناريو؟ من هنا نتساءل: ما هو البُعد السياسي لهذا التقرير؟ برأيي أن له بعداً سياسياً داخلياً وخارجياً.

○ إلى ماذا يهدف البُعد السياسي الداخلي؟

  • لدى بعض الأطراف الفكرية الاقتصادية – المالية توجّه لشطب جزء من الدين العام لمعالجة موضوع المالية العامة، وذلك عبر جعل الطبقة القادرة والميسورة والمودعين الكبار والمصارف التي تجني أرباحاً كبيرة جداً يدفعون كلفة الخفض. بمعنى أنه لماذا تريدون جعل الطبقة الفقيرة والمتوسطة الدخل هي التي تدفع لمعالجة أزمة الدين العام والمالية العامة؟ هناك جهات اشتغلت داخلياً على هذا الموضوع. منذ حوالي ستة أشهر ونحن نلاحظ تقارير أسبوعية صادرة عن مؤسسات مالية دولية ووكالات التصنيف، تقدم تقارير عن مساوئ الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان. من المؤكد أن هناك أشياء صحيحة ودقيقة، ولكن تسليط الضوء بهذا الشكل على الاقتصاد الوطني اللبناني الذي يبلغ حجمه فقط 55 مليار دولار، أي لا يمثل شيئاً في الاقتصاد العالمي، وعلى قطاعه المصرفي والوضع النقدي الخاص به يثير الاستغراب.

○ هنا يأتي البُعد السياسي الخارجي؟

  • لا يمكن قراءة هذا التركيز المستمر من دون بُعد سياسي. أخشى أن يكون هدفه زعزعة الاستقرار النقدي والمالي في البلد! إن ذلك يضرب القطاع المصرفي ويدمّر الاستقرار الاجتماعي وينعكس على بعض القوى السياسية، وخاصة “حزب الله”. موضوعان يجعلان الخارج يهتم بالوضع اللبناني، أولاً موضوع النازحين السوريين لأن هناك حوالي مليون ونصف المليون نازح سوري، وهؤلاء يشكلون عبئاً ومشكلة على المجتمع الدولي وخاصة الغربي، والملف الآخر هو ملف “حزب الله”. في ملف النازحين انهيار الوضع الاقتصادي يزيد في تأزيم المشكلة لكن هذا لا يثير الاهتمام كثيراً. الاهتمام الأكبر هو بموضوع “حزب الله”، الذي قام بإنجازات في المنطقة، لذلك زعزعة الاستقرار النقدي والمالي تُحدث إرباكاً داخل المجتمع والبلد بشكل عام. الموضوع كله غير بريء.

○ ولكن حين يُثار الموضوع عن هيكلة الدين من قبل وزير المالية يصبح القلق مشروعاً لأن نموذج اليونان وقبرص حاضر في الأذهان على الدوام؟

  • مصرف لبنان أكد مراراً أن لا مشكلة عنده في التمويل، وأن استحقاق التزامات الدولة المالية لأعوام 2019 – 2020 – 2021 مؤمنة، لذا لا يمكننا مقارنة الوضع في لبنان مع الوضع اليوناني لسببين، الأول: أن أزمة اليونان هي أزمة ديون سيادية، بمعنى أن 95 في المئة من ديونها هي باليورو وللخارج، أي لمصارف خارجية وللبنك المركزي الأوروبي. ثانياً: استحقاق الـ50 مليار يورو لم تستطع سداده، يعني ليس عندها سيطرة على دينها العام، إضافة إلى أن وضع المصارف اليونانية هش، بينما نحن في لبنان إذا تكلمنا عن الدين العام الخارجي، يعني اليوروبوند، هناك 77 في المئة منه بين المصارف ومصرف لبنان، وقطاعنا المصرفي متين، وتوزيع الاستحقاقات يجعل لدى لبنان قدرة على سداد التزاماته المالية، لذلك مقارنتنا مع اليونان في غير مكانها.

كذلك لا يمكن مقارنتنا بقبرص، التي لا تعاني من أزمة ديون سيادية، إنما عندها أزمة مصارف. المصارف الكبرى وظفت أموالاً كبيرة في سندات الخزينة اليونانية، وأعطت قروضاً ضخمة لشركات يونانية، لذلك عندما أفلست الدولة اليونانية وشركاتها انعكس الأمر على سلامة وصحة المصارف القبرصية، بينما نحن في لبنان لا توجد عندنا أزمة ديون، عندنا أزمة كلفة وخدمة الدين، هذا هو الفرق. من هذا المنطلق أنا اعتبر تقرير “غولدمان ساكس” لا ينطبق على لبنان، وفي الوقت نفسه أعتبر تصريح وزير المالية “هفوة” في غير مكانها.

○ تعتبر أن تصريح وزير المالية “هفوة”، ولكن هناك شعوراً بأنه تلقف تقرير “غولدمان ساكس” ضمن خطة لإعادة هيكلة الدين من خلف ظهر الحكومة والقطاع المصرفي، والربط السياسي كان حاضراً من خلال تمثيله لفريق رئيس مجلس النواب نبيه بري (رئيس “حركة أمل” أحد طرفي “الثنائية الشيعية”)؟

  • أنا جنّبت وزير المالية وقلت اعتبر تصريحه “هفوة”، ولكن بعض مستشاريه يدعمون هذه النظرية التي أرى فيها مغالطة كبيرة جداً وخطأ جسيماً يؤدي إلى الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي في لبنان وهم يتحمّلون مسؤولية هذا الاقتراح. لقد تم تدارك هذه “الهفوة” بشكل سريع عبر الاجتماع الذي عُقد في القصر الجمهوري بحضور رئيس الوزراء المكلف وحاكم البنك المركزي وكل مَن بيدهم القرار، وكان بيانهم واضحاً بأن الاقتصاد الوطني والوضع المالي والنقدي لا يحتاج أي عملية إعادة هيكلة للدين. وفي الوقت نفسه لبنان يتبنى سياسة الاستقرار النقدي، ويفترض علينا القيام بإصلاحات للإفادة من مؤتمر “سيدر”.

○ كانت هناك “خلية أزمة” لتدارك مفاعيل التصريح؟

  • كنا بحاجة لخلية أزمة لأن التصريح ليس عابراً. استيعابه يحتاج إلى طمأنة الخارج قبل الداخل. طمأنة الداخل تنتهي بتوضيح، أما ردة الفعل الخاصة بالتصريح فكان لها تأثير كبير جداً على الأسواق العالمية، وكلفته تظهر من خلال احتساب حجم تدني أسعار اليوربوند في الأسواق العالمية. كانت الكلفة حوالي 8 في المئة أي ما يقارب المليارين ونصف المليار دولار.

○ إمكانية التعويض موجودة أم قُضي الأمر؟

  • التعويض يجب أن يتمّ من خلال إجراءات تُطمئن الأسواق في المرحلة المقبلة. أوّلها كان اللقاء الذي عُقد في القصر الجمهوري، أما الثاني فيتمثل بالإسراع في تأليف حكومة فعّالة ومنتجة، تتخذ إجراءات شافية. المشكلة في لبنان، بشكل عام، أن هناك نمواً ضعيفاً وتدهوراً في المالية العامة وتنامياً في الدين العام، لكن في المقلب الآخر، وضعنا النقدي مستقر ونمو القطاع المصرفي مقبول. لطمأنة الأسواق الخارجية والمستثمرين يجب أن تتخذ الحكومة خطوات جدّية تتمحور حول كيفية معالجة المالية العامة وكيفية خفض خدمة الدين ووقف تناميه بالنسبة للناتج المحلي وكيفية تحفيز النمو الاقتصادي. هذه الأمور إذا تحققت تدفع باتجاه تحسن أسعار سندات الدولة بالعملات الأجنبية، والأسواق حالياً في حالة ترقب، ولكن ما يُطمئن أن ردّة الفعل، بعد اجتماع القصر الجمهوري، كانت سريعة والأسواق الخارجية تقبّلتها.

○ أنت تعطي الترياق وتصف مراحل الشفاء، متجاوزاً أن المشهد العام يعطينا إشارات بأننا ذاهبون إلى الانهيار نتيجة الأداء السياسي السيء الذي يُشكّل العجز عن تأليف الحكومة إحدى صوره؟

  • عندما ننظر إلى الوضع السياسي والمالي في البلاد يتراءى لنا سيناريوهان، الأول وجود قوى سياسية تسعى لتدارك حجم المخاطر الحالية والمقبلة وتعمل على الإسراع في تأليف حكومة منتجة، وليس كسابقتها، تقوم بعمليات إصلاحية تضبط من خلالها عجز المالية العامة، وتحفز النمو لتعطي إشارات إيجابية للمجتمع الدولي الذي يريد دعم لبنان، ولمؤتمر سيدر الذي هو مؤتمر دعم سياسي واقتصادي ومالي للبنان، لا سيما وأنه انعقد قبل شهر من الانتخابات النيابية في رسالة واضحة بأنهم جادون في دعمنا، وإلا كان انعقد بعد الانتخابات، أي مع الحكومة الجديدة. بهذه الطريقة ومع قدرات مصرف لبنان الفعلية من احتياطات بالعملات الأجنبية نكون دخلنا بمسار الاحتواء والمعالجة.

أما السيناريو الآخر فهو أن هناك قوى سياسية تعرف المخاطر ولكنها لا تجعلها أولوية عندها، بل الأولوية هي لمطالبها السياسية، واليوم نرى أن الكفّة تميل لمصلحة السيناريو الثاني. هذه القوى السياسية عليها أن تتحمل المسؤولية تجاه الوطن والمواطنين الذين انتخبوها، لأن هناك تدهوراً اقتصادياً متزايداً، سيترتب عليه المزيد من إقفال المؤسسات التجارية ومن صرف العمال، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة. وعلى صعيد المالية العامة سيكون هناك المزيد من التدهور ومن ارتفاع معدلات الفوائد التي لها انعكاساتها السلبية لأنها ستؤدي إلى الانكماش الاقتصادي وتنامي الدين العام. وعلى الصعيد النقدي سينزف بشكل أسرع بكثير من النزف الذي يحدث حالياً، وبالتالي ستتضاءل إمكانيات مصرف لبنان.

○ المراقب يرى أن هناك غيوماً سوداء في سماء القطاع المالي والمصرفي اللبناني تتجلى من خلال العقوبات الأمريكية على “حزب الله” والتشكيك بسياسة حاكم مصرف لبنان النقدية… هل تعتقد أن الهدف هو الدفع باتجاه انهيار مالي لإعادة تركيب السلطة في لبنان من جديد؟

  • نعم نشعر بأن هناك محاولة لضرب الاستقرار الاقتصادي، ولكن هذا لا يزعزع الاستقرار الأمني والاجتماعي في البلد. الأزمة الاقتصادية تقفل بعض المؤسسات ويُصرف العمال، ولكنها تنتهي عند هذا الحد. زعزعة الاستقرار الأمني والاجتماعي تتم عبر الانهيار النقدي. استبعاد حدوث هذا الأمر في لبنان ينتج عن عاملين، الأول الثقة بشخص حاكم مصرف لبنان، وارتباطاته الخارجية بالمؤسسات المالية الدولية وثقة القطاع المصرفي به، وقدرته على تكوين احتياطيات مهمة من العملات الأجنبية. والعامل الثاني أنه عندنا قطاع مصرفي متين سواء من ناحية الرسملة أو من ناحية الأرباح التي يجنيها والسيولة التي يملكها. من هنا لم يتبقَ كوسيلة للزعزعة سوى الانتقاد العنيف لحاكم مصرف لبنان ولسياسته النقدية وللقطاع المصرفي عبر التقارير الكثيرة أو عبر خبراء اقتصاديين – عندهم حسن النيّة – ولكن توجههم مغاير للسياسة النقدية المتبعة. وهذا يأخذنا إلى الأبعاد السياسية.

○ إلى ماذا يمكن أن تؤول هذه الأبعاد السياسية، ثمّة من يتحدّث عن الدفع باتجاه مؤتمر تأسيسي في البلاد؟

  • تداعيات الانهيار النقدي ستُربك كل القوى السياسية في لبنان، والكلام عن مؤتمر تأسيسي هو أكبر بكثير من قدرة لبنان لأنه يدخل في إطار توافق دولي. يجب أن يكون هناك توافق عربي ودولي وأوروبي وحتى أمريكي. هذا ليس قراراً داخلياً، والمؤشرات أو الضوء الأخضر من المجتمع الدولي غير موجود. عندما حدثت أزمة انتخابات الرئاسة في العام 2008 اضطروا للذهاب إلى الدوحة لحل الموضوع، فكيف سيكون الأمر عند الكلام عن المؤتمر التأسيسي؟ قانون العقوبات الأمريكي الجديد على “حزب الله” الذي صدر منذ حوالي الشهرين والذي يُعتبر متشدداً أكثر من القانون السابق نلحظ أن فيه مرونة تجاه تعاطي القطاع المصرفي اللبناني مع “حزب الله” وهذا يُظهر أن لا قرار دولياً بقبول هذا الانهيار.

نستطيع الإدلاء بتصاريح والإعراب عن التخوّف والقلق، مثلاً اجتماع بكركي، واجتماع المجلس الشرعي عند السنّة، والاجتماع الشيعي، كلها تدخل في هذا الإطار. هذا أمر طبيعي، ولكن أعود وأقول إن قراراً بحجم المؤتمر التأسيسي يحتاج إلى قرار دولي. إذا اتجهنا نحو الانهيار فإن هناك مسؤوليه داخلية ولكن أيضاً توجد تساؤلات عما إذا كانت هناك أيد خفيّة وراء تقارير بعض المؤسسات المالية الدولية. صحيح أنها وكالات تصنيف دولية، ولكن تقاريرها لا تتمتع دائماً بالمصداقية والدقّة. العامل المادي يلعب دوره، والدليل أنه قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008 كانت كل التقارير إيجابية لكنه تبين في ما بعد أنها هشّة، وهذا ما حدث أيضاً مع شركة “إيمرون” الأمريكية التي كانت التقارير حولها تشير إلى أن وضعها AAA ولكن تبين أنها مفلسة. هنا يحق لنا التساؤل عن العامل الإسرائيلي وعما إذا كان يشجعها ويُنفق عليها حتى تحرف تقاريرها للتأثير على وضعنا، لأن الانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي في البلاد يشكل عاملاً مساعداً لها.

○ بعد القمة العربية التنموية الاقتصادية والاجتماعية في بيروت وما رافقها من تجاذب سياسي وضعف تمثيلي، ورهان الحكم عليها لتحفيز المستثمرين للعودة إلى لبنان… هل بات الشك يساورك تجاه ما التزم به المجتمع الدولي في مؤتمر “سيدر”؟

  • منذ بداية العام قلنا إنه سيشهد أحداثاً إيجابية على الاقتصاد اللبناني: القمّة الاقتصادية التنموية العربية، وإصلاحات مؤتمر “سيدر”، وإطلاق التراخيص النفطية في شهر نيسان/ابريل، والمباشرة بالتنقيب عن النفط نهاية العام. هذه من الأمور التي كنا نراهن عليها. ولكن التباينات السياسية الداخلية وعدم قدرة القوى السياسية على معالجة ملفات معينة أضعف إيجابيات القمة، فضلاً عن أنني من الرأي القائل بأن قمة في ظل حكومة تصريف أعمال ستأتي ضعيفة، لأن هناك ملفات أساسية تتعلق مباشرة بلبنان، منها ملف النازحين السوريين الذي يحتاج إلى تفاهم عربي ودولي وملف إعادة إعمار سوريا الذي أبتدأ العمل به فعلياً. صحيح أن الحل السياسي لم يصل بعد، لكن هناك تحضيرات لإعادة الإعمار، ويتواجد راهناً عدد كبير جداً من الشركات الإماراتية في سوريا، التي وقعت عقوداً مع النظام السوري، وكان بإمكان لبنان بحث هذا الموضوع لأن التمويل الأساسي لإعادة الإعمار سيكون خليجياً. هذا إضافة إلى ملف تعزيز العلاقات الاقتصادية اللبنانية – العربية وخصوصاً الخليجية التي تراجعت مع بداية الحرب السورية وانعكست على صعد عدة، لا سيما الاستثمارات في لبنان والسياحة والتبادل التجاري.

أما مؤتمر “سيدر”، فجاء كدعم اقتصادي ومالي وسياسي لكنه مشروط بإصلاحات لا تستطيع حكومة تصريف الأعمال القيام بها وكذلك هناك خلاف إذا كان بإمكانها مناقشة الموازنة أم لا. ومن المؤكد أنه في ظل حكومة تصريف أعمال تصبح مسألة التنقيب عن النفط أصعب على الشركات الدولية الثلاث التي فازت في مناقصات التنقيب. يجب ألا ننسى أن لإسرائيل استفادة في هذا الملف عندما تعم الفوضى بالبلد. رهاننا كبير على النفط ولكن لبنان ليس الوحيد في حوض البحر الأبيض المتوسط الذي يحتوي على النفط والغاز. فهناك مصر وإسرائيل وقبرص وسوريا وكذلك تركيا لأن عندها مناطق حدودية مع قبرص. وبالتالي، ستؤدي الفوضى عندنا إلى تأجيل هذا الملف، وستفتح مجالات أوسع للدول الأخرى.

○ في سياق تحليلك حول الأهداف من خلق انهيار مالي أشرت إلى استهداف بيئة “حزب الله”، ولكن في الفوضى “حزب الله” هو الأقوى على اعتبار أن مَن يملك السلاح هو الأقوى؟

  • مبدأ من يملك السلاح يصبح الأقوى يصلح في بداية الأزمة، ولكن السلاح في أيام معدودة يدخل إلى لبنان وتصبح كل القوى السياسية مسلحة. في سوريا كان السلاح الفعلي بيد الدولة والنظام ولكن رأينا ما حدث. من هنا يأتي اعتقادنا بأن الفوضى في البلد ليست من مصلحة “حزب الله”، وليس من مصلحته زعزعة الاستقرار المالي والنقدي. أمريكا حاولت في مرحلة من المراحل التأثير على بيئة “الحزب” لكنها رأت أن اتخاذ إجراءات غير مدروسة على بيئته يُعزز مكانته أكثر من إضعافه، من هنا أصبحت تفرض إجراءاتها على أشخاص معينين وعلى مؤسسات معينة، وتصريحات مسؤوليها تُجمع على أن أمريكا لا تستهدف بيئة “حزب الله”.

حالياً للحزب كلمة في صنع القرار اللبناني، سواء بانتخاب رئاسة الجمهورية أو عملية تشكيل الحكومة واتخاذ القرارات داخلها وعلى جميع الأصعدة الداخلية، لذلك زعزعة الوضع الأمني والفوضى الاجتماعية تؤثر عليه لأنها ستطال بيئته. ثلث الودائع في القطاع المصرفي تعود في أغلبيتها إلى المغتربين الشيعة، بمعنى أن ضرب القطاع المالي سيضرب مدخراتهم التي جمعوها عبر عشرات السنوات خاصة إذا علمنا أن الكثير منهم يستثمرها في العقارات.

○ ولكن لديه أيضاً أهدافا من وراء تعديل آليات الحكم في لبنان، والمطالبة باعتماد المثالثة بين المسيحيين والسنة والشيعة باتت اليوم أقوى من أي وقت مضى؟

  • يُثار اليوم أنه من خلال الفوضى نذهب إلى مؤتمر تأسيسي وبالتالي إلى “المثالثة” وإعادة توزيع السلطة. المسيحيون يعتبرون أن حقوقهم مهدورة وأن صلاحيات رئيس الجمهورية أصبحت ضعيفة، والشيعة يعتبرون أنهم يشكّلون ثلث الشعب اللبناني ولديهم اليوم القدرة لتعزيز صلاحياتهم. تبقى رئاسة الحكومة التي هي في نهاية المطاف تعود إلى الطائفة السنية، يعني هي مدعومة من كل الدول العربية، فهل يستطيع “حزب الله” أو إيران أن يُضعفا هذه القوة والصلاحيات السنية إذا كانت مرفوضة عربياً؟ موضوع المؤتمر التأسيسي يجري في أجواء هادئة وليس في أجواء مضطربة.

ما يحدث اليوم في الداخل أنه عندنا أزمة سياسية سببها خارجي وداخلي، الداخلي يتعلق بسعي بعض القوى السياسية للحصول على “الثلث المعطل” داخل الحكومة حتى يكون لها قرار في مجلس الوزراء وعندما يجري البحث بانتخاب رئيس للجمهورية، والطرف الثاني هو “حزب الله” الذي لا يبدي استعجالاً، لأن اهتماماته إقليمية. أما العامل الخارجي فهو يضعف أحياناً ويقوى أحياناً أخرى. عندما يضعف يكون هناك مناخ توافقي في المنطقة، أي تفاهمات عربية – إيرانية – أمريكية – روسية تنعكس إيجاباً على لبنان، فتتشكل الحكومة عندما يُطرح الملف اللبناني، وتتعقد الأمور عندما تكون المناخات الإقليمية متوترة. نحن اليوم في مرحلة تأزم داخلي وخارجي، هذا يجعل موضوع تأليف الحكومة صعباً في المدى المنظور، وكاقتصاديين ومراقبين ماليين يجعلنا نتوقع مزيداً من التأزم الاقتصادي والمالي والنقدي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية