صنعاء ـ «القدس العربي»: في كتاب» الزوجة الصلعاء – حكايات شعبية من البنغال» الصادر في 172 صفحة من القطع المتوسط عن مشروع كلمة للترجمة في أبوظبي، نقف على نموذج للتراث الحكائي لبلدٍ من بلدان الشرق، وهو بلاد البنغال، من خلال مجموعة من الحكايات المروية جمعها لال بيهاري داي.
ما يميز الحكاية الشعبية في معظمها أنها صالحة ليس لتعبر عن خلاصة وعي وثقافة ومعتقدات بيئتها وشعبها، وإنما أيضاً لتقدم للعالم كرسالة للخير والحب والسلام؛ فكثير من حكايات الشعوب، في بعض الأحيان وعلى اختلاف أسماء الناس والأمكنة والأحداث وغيرها، نجد أن الحكاية نفسها تروى في بلدان كثيرة.. وهنا يشير مترجم حكايات هذا الكتاب عن الإنكليزية عبدالوهاب المقالح إلى ما لمسه من تشابه في بعض حبكات وشخوص بعض الحكايات لعدد من الشعوب، ويصل هذا التشابه أحياناً حد التطابق. ولعل ذلك سر من أسرار الحكاية في قدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.
تضمن الكتاب 14 حكاية اختلفت حجماً وموضوعاً، لكنها تلتقي في كونها تنتمي إلى الحكاية الشعبية الخرافية في بعضها، وحكاية المعتقدات والأساطير في البعض الآخر. عبّرت الحكايات شكلاً ومضموناً عن نمط حكائي مروي تتميز به بلاد البنغال، وقد عكست الحكايات ملامح هذا النمط؛ وهي ملامح لا تختلف عن بقية أنماط الحكاية لدى معظم الشعوب، من حيث اعتمادها على اللغة المحكية والسير والأساطير والألغاز والأحاجي، وغيرها مما يمنح الحكاية متعة وقيمة لا تتجاوز خصوصيتها الثقافية التي تعكس علاقة إنسانها بالبيئة والطبيعة والمجتمع. من بين حكايات الكتاب سنحاول التوقف أمام واحدة منها لعلنا، من خلالها، نتعرف إلى طبيعة الحكاية الشعبية في التراث البنغالي، وهي الحكاية التي حمل الكتاب عنوانها، حكاية «الزوجة الصلعاء».
كمنوال موضوعي يتحكم في مناخ الحكاية الشعبية يبقى الخير موضوعاً تتعدد تناولاته ظلماً وعدلاً، انتصاراً وانكساراً، حباً وكرهاً، فقراً وغناءَ… في دلالة على مدى ارتباط الوجدان الشعبي بقيم الإنسان ضمن تناولات الأدب الشعبي عموماً، فيما تتجلى في التفاصيل معالم وملامح الثقافة الشعبية؛ وهنا تختزل الحكاية إجمالاً ملامح ثقافة كل شعب؛ وبالتالي يتضاعف الاهتمام بالحكاية وتوثيقها باعتبارها خلاصة تراكم ثقافي لشعب ما في مرحلة ما. تعاملت حكاية «الزوجة الصلعاء» مع موضوع الظلم وما يمنحه العدل للمظلوم؛ وهي قضية تناولها كثير من الحكايات في تراث الشعوب. ونحن نقرأ الترجمة العربية لحكاية «الزوجة الصلعاء» لا نشعر بأننا نقرأ حكاية من التراث البنغالي، إلا ونحن نقرأ بعض مفردات وعناصر لغوية وثقافية واجتماعية ودينية خاصة بهُوية المنطقة وتاريخها الثقافي كاسم (الناسك) وكلمة (البراهمانية) وغيرهما، التي هي جزء من ثقافة الشرق الأقصى، إلا أن طريقة الحكي تقترب كثيراً من الحكي العربي، وكذا بناء الحكاية وحبكتها فهو خال من كثير من التعقيدات كالحكاية العربية ذات العلاقة بالأساطير والخرافة والقوى الطبيعية التي تسند مظلومية المظلوم… وهو حكي معتاد في التراث الشعبي القديم ربما في جميع بلدان العالم القديم، كحالة من حالات التعبير عن العجز والتوسل بقدرات تتجاوز قدرات الظالم وبما ينتصف للمظلوم.
يتضح لنا جلياً مدى التداخل الموضوعي الحكائي بين تراث الحكاية البنغالية وتراث الحكاية العربية، حيث نستعيد، ونحن نقرأ الحكاية، ما حكته لنا الجدات، وروت لنا كتب الأساطير من حكايات عالجت موضوع الظلم والحسد.
تروي الحكاية قصة زوجتين: صغرى لها خصلتان وكبرى له خصلة واحدة، وكان الزوج مفتوناً بالصغرى، التي كانت تمارس على الكبرى أصنافاً من الظلم، حتى أنها في يوم ما طلبت منها أن تنظف لها رأسها، وخلال ذلك سقطت إحدى خصلتي شعرها مصادفة؛ فاستشاطت غضباً، واقتلعت من رأس الزوجة الكبرى خصلة شعرها الوحيدة وطردتها من البيت، فذهبت الكــبرى إلى الغابة بحثاً عن طريق للموت، وكانـــت عندما تمــر بشجــرة أو حيوان تعمل له شيئاً فيمنحها بركته، حتى وصلت إلى ناسكٍ غارق في التأمل؛ فحكــــت له حكايتـــها؛ فطلـــب منها أن تغطس غطسة واحدة في البركة القــريبة؛ فغطست وخرجت من المـــاء ورأسها يتماوج بالشعر وبشرتها صارت جميلة، كما أعطـــاها الناســك سلة مليئة بالذهب والأحجار الكريمة، وقال لهـــا إن الســـلة لن تفرغ أبداً. وفي طريق عودتها مرت على كل من مرت بهم في مجيئها؛ فمنحوها عطايا أخرى، حتى وصلت إلى البيت، وعندما رأتها الزوجة الصغرى؛ ذهلت وهي تراها صارت جميلة وغنية… فقررت الذهاب إلى الناسك كما كان من الكبرى؛ لكنها لم تمارس ما مارسته الكبرى في طريقها إلى الناسك، وعندما اقتربت من الناسك، وطلب منها أن تغطس في البركة مرة واحدة غطست فحصلت على ما أرادت؛ لكنها غطست مرة ثانية اعتقادا أنها ستكون أكثر جمالاً، لكنها عادت صلعاء قبيحة كما كانت، وطردها الناسك وعادت حزينة. كان زوج الاثنتين قد عاد ودُهش مما صار إليه حال الكبرى؛ فأحبها حين عرف سرها، وعاشا سعداء.
من مختصر الحكاية يتضح لنا جلياً مدى التداخل الموضوعي الحكائي بين تراث الحكاية البنغالية وتراث الحكاية العربية، حيث نستعيد، ونحن نقرأ الحكاية، ما حكته لنا الجدات، وروت لنا كتب الأساطير من حكايات عالجت موضوع الظلم والحسد. الخ، وهي قصص تلامس مشاعر إنسانية خالصة؛ لأنها تتعامل مع حياة تتواتر معاناتها، ولكل معاناة تفاصيلها؛ وإن كانت مرتبطة بالألم الإنساني؛ الذي يظهر قاسياً حداً لا بد من مواجهته والانتصار لمظلوميته. وهنا يلجأ المخيال الشعبي غالباً إلى القوى الخارقة، سواء المرتبطة بمعتقدات دينية محلية أو المرتبطة بقوى طبيعية أو قدرات خارقة كالسحر وغيره، لمواجهة قوى الشر والانتصار للخير… وهنا تعبّر الحكاية الشعبية في تراث أي بلد عن قدرة الخيال الشعبي على التعبير عن حكمته وتجربته وخبرته في تصوير أحداث الحياة، وهي تسعى من خلال روايتها القولية تحقيق أهداف نبيلة.
كما سبقت الإشارة فإن المعالجة الموضوعية للحكاية ليست مختلفة عما هي عليه عموماً في الحكايات لدى تراث معظم الشعوب؛ ما يؤكد أن اهتمامات الوجدان الشعبي الإنساني متشابهة؛ وإن اختلفت التفاصيل وأساليب الحكي، كما يؤكد ذلك أهمية الحكاية وقيمتها ومكانتها في ثقافات الشعوب، باعتبارها مخزناً من مخازن تاريخه وثقافته المعبرة عن مظاهر علاقته بالحياة، وبالتالي من خلالها وحدها، أي الحكاية، يمكن الاستدلال على طريقة التفكير وطبيعة العلاقات الاجتماعية وسياقات الحياة الثقافية وتاريخ الوعي الاجتماعي في كل مرحلة من مراحل التاريخ.
تتمتع الحكاية الشعبية في بلاد البنغال كمثلها في البلاد العربية بعناصر واضحة مثل: الشخصية؛ فالشخصية في حكاية «الزوجة الصلعاء» اختزلت صفات عامة ولم تخض في الملامح الخاصة للشخصية البنغالية في بيئتها وثقافتها ومجتمعها، حتى أنها جاءت بدون أسماء. كما جاءت الأحداث على بساطتها، كما هي في الحكاية الشعبية عموماً، متسلسلة مترابطة ومفهومة في تصوير حكاية من حكايات الصراع الدائم بين قوى الخير والعدل وقوى الشر والظلم كصراع أزلي.
كما حضر في الحكاية الزمان والمكان من خلال حضور بسيط للبيئة الزمنية في علاقة الزوجتين ببعضهما حتى عودة الزوج، وكذلك المكان والبيــــئة الجغرافية المحصورة في البيت والغابــــة؛ وهو مكان غير معلوم مثلما يكون الزمان غالباً غير معلوم في هذه الحكايات. المعالجة الحكائية الشعبية لهذه القصة بقيت على الرغم من مرورها بترجمتين إنكليزية ومن ثم عربية متمتعة بروح ثقافة بلدها (البنغال) من خلال حرص الترجمتين على المحافظة على ما تتميز به الحكاية الشعبية في علاقتها بثقافة بلدها، وفي السياق ذاته تتجلى في الموضوع والمعالجة السردية والفنية روح تراث الشرق الحكائي، بما هو مشترك ونفيس نراه ضارباً بجذوره في أعماق التاريخ.
وهنا نؤكد على أهمية الحكاية الشعبية؛ وبالتالي أهمية أن تلقى مكانتها في التوثيق والترجمة والدراسة وفق مناهج علمية بما يعزز من مكانتها في ظل ما تعانيه من قصور في الاهتمام نتيجة قصور إمكانات وسياسات المؤسسات العربية المعنية.