كما لو أنها قصص قصيرة، توجز روايات تكتبها دواخلنا العميقة فتخرجَ قصائدَ نثر، لا يمكن لألسنتنا أمام مراياها التي نرى فيها أنفسنا عراة، ولكنْ دون خجل من عوراتنا، تَجنّبَ ترديدِ:
ما أصفى هذا الشعر!
كما لو أنها أبواب هاوية ممدودة على الأرض، وننبطح عليها بهدوء آمنين، وتنفتح بسرعة مفاجئة إلى داخلها أو دواخلنا لنسقط، ولكن على مخدات من ريش نعام الغبطة العميقة.
كما لو أنها بستان فاكهة، نحدّق في ألوانه المتداخلة ببطء، ويسحبنا فجأة إلى داخله الذي نعيش فيه رعب دوامة اختلاطنا بالكائنات والأشياء، ونتوقف فجأة لنَخرُجَ غيرَنا، مرتجفين من أعماقِنا.
وكما لو أنها أعماقنا، حيث:
“يظنّ النهر أنْ لا أحد ينصت إليه،
لكني أراه، في تلك المساءات المشبوبة بالغرق
يخرج مرتجفا من أعماقه،
تاركا خطواته المبللة فوق العشب.
حتّى النهر يتمنى أن يجفّ
وأن يكون بانتظاره أحد ما
حين يعود محموما
وأن يحمله إلى سريره
أو إلى تابوته”.

تلك هي قصائد المجموعة الأولى للشاعرة المصرية الشابة آلاء حسانين “يخرج مرتجفا من أعماقه”، التي شكلتها شاعرتها كما لو أنها “كتاب الموتى” الفرعوني الذي يبحر زورقا يقود كائناته نحو الحياة، بأسلوب يخص إيقاع مجاديفه، التي لا تستعير مجاديف الآخرين حتى لو تكسرت في تكرار ضربها سطح المياه وهزها لأعماقها.
على سطح المياه يسير زورق هذه الشاعرة الثملة بكثافة الكآبة ومتعة تحويلها إلى دافع للحياة حتى الهوس، بجرأة لم تعبأ بصغر تجربة سنّها الذي كتب قصائد مجموعتها الأولى هذه، ما بين الثامنة عشرة والواحدة والعشرين. وقد يكفي هذا لرؤية الشاعر الفرنسي الطفل آرثر رامبو، يرفع يده ملوحا لهذا الزورق الثمل أنْ لا يتوقف في اختراق أفقه الأسود حتى إشراقة بحر الزمرد وسط النساء والأزهار.
على سطح المياه تنساب القصائد الـ53 في المجموعة، ضمن بنية بسيطة مشكلة من فصول هي: “كما لو أن في الأمر مزحة ما”، “آباء غادروا مع البحر”، “جرّب الأشياء كلّها وقال: لا لم أكنها”، “كمن اكتشف دون عمد سرّ الآخر”، “وأنت توزع خطاك على الطرقات كلّها”، “ابقوا ها هنا واسهروا معي”. ويضم كل فصل منها عددا من القصائد التي ترتبت كما يبدو وفقا لتقارب موضوعاتها لا انسيابية زمنها.
وفي أعماق المياه التي تهزّها إيقاعات مجاديف قصيدة النثر الخاصة بها، تتجلّى البنية العميقة للقصائد، التي يتفرد كل منها بموضوعه، في الوقت الذي تتوحد فيه جميعها بمزايا قصيدة نثر متفردة، من حيث الشكل:
– بأسلوب جريانها كقصة قصيرة، لكنها مختلفة تماما بحمل كل سطر من القصيدة نبضَ الشعر الذي يُحيي جسد وروح السطر، ويُطلقه محلّقا بتركيبته الموشورية الحلمية التي تتعدى شعرية سطور القصيدة إلى شعرية العنوان الذي يقترب من تشكيل حدّ ذاته كقصيدة.
– بأسلوب إيقاعها الذي يسير ثلاثيا على الأغلب، بتكرار سيمفوني تفتحُه لازمة ذكية، وتقْصِرُه ثنائيا أو تمدّه رباعيا دون خلل في الأنفاس التي تتلاحق به في القراءة، صعودا وانسيابا ونزولا حتى الإحساس بالتناغم والانسجام وهدوء التأمل.
– بمفردات لغتها الموحية المتراكبة لخلق معان وإيحاءات مغايرة للمعتاد ومخالِفة للمعتقدات وحاملة رؤية الشاعرة الخاصة المثيرة للجدل.
ومن حيث الموضوع، تتوحّد القصائد المتفردة بتميز:
– اختلاط الهويّة الجندرية في مصدر الخطاب، مع طرح الشاعرة لحيرتها في ذلك خارج المجموعة بكتابتها على صفحتها في فيسبوك أنّ “سؤال الهوية الجندرية من أصعب الأسئلة التي قد أطرحها على نفسي؛ أحيانا أشعر بأنني رجل وأحيانا أقل أشعر بأني امرأة، وأحيانا أشعر بأنني رجل وامرأة في الوقت نفسه. لكنْ معظم الوقت لا أشعر بأنني رجل أو امرأة أو أي شيء على الإطلاق”.
– ارتقاء اختلاط الجندرية إلى اختلاط الكائنات والأشياء وتبادل الأدوار بينها، حتى الشعور بوحدة الحياة، حيث تتحدث الشاعرة في معظم القصائد بلغة المذكّر، والمؤنث في ما لا حدود بينهما، وبتبادل الأدوار بين الأشياء والكائنات، حيث الكرسي المدولب هو إنسانه الجالس عليه، والإنسان قطاره القاتل الذي يمرّ كبرق، والصيّاد هو فريسته، بالقدر الذي تكون فيه الفريسة صيادَها، والفراشة هي اليد التي تطحنها بقدر ما تكون اليد هي الفراشة، والإنسان برؤية الشاعرة لا يعرف من كان بحيوات أخرى وما سيكون: “ربّما عليّ أن أودّعكم الآن/ فما زالت أمامي الكثير من الحيوات/ التي عليّ أن أعيشها/ مرّة كنت قبّرة../ اصطادها صياد على سبيل المتعة/ مرة أخرى كنت صيادا/ اصطاد الكثير من القبّرات في حياته/ وحين ضجر اصطاد نفسه../ على سبيل المتعة أيضا/ مرة كنت يرقة ومرة كنتُ فراشة تحوم حول ضوء/ مرة كنت كهربائيا، وهو يبدل مرة أحد الأضواء الخافتة، قتل فراشة/ تحوم حول ضوء خافت/قتل نفسه.. في حياة أخرى. ربما عليّ أن أودّعكم الآن/ كي أصير غرابا/ يقتل غرابا، ويدفنه،/ كي يعلّم أخا كيف يدفن أخاه،/ كيف يدفن نفسه في حياة أخرى.. ويبكي عليها، ربما عليّ أن أودّعكم/ كي أتعلم كيف أدفن نفسي.. وكيف أبكي عليها/ ربما/ عليّ أن أودّعكم/ الآن،/ كي أصير حفارا/ وأدفن جثتي”.
– المخالفة الجريئة للأفكار والمعتقدات التي يعتبرها الناس مسلّمات، وطرح رؤية خاصة صادمة أو مثيرة للجدل، والجرأة على استخدام الملك لير، الحلّاج، المسيح، لوركا، والربّ في صورة الملاك بالنسبة للطفل، وصورة كلمة القاتل، فيما بعد ذلك، أيضا في هذه المخالفة.
– عدم الهروب من الواقع رغم التخصص في معالجة الكآبة الوجودية وعلاقة التعايش والصراع بين الآباء والأبناء، مع تخصيص فصل وقصائد من فصول أخرى لمعالجة مسألة الثورة التي تنحاز لها الشاعرة، برؤية خاصة، تتخلّلها إدانة العالم على عدم مبالاته بضحايا القتل والتهجير التي تمارسها أنظمة الاستبداد على الناس؛ كما يتخللها الإهداء: “للشام، كل الشام هذه المرة”، ويتخللها القهر من موت الأصدقاء.
وتتجلّى شفافية معالجتها لهذا القهر في ثلاث مرثيات بالغة الشاعرية والعمق، هي “لو أنك لم ترحل عند الفجر”، “تعال.. بأيّة هيئة.. تعال”، و”حمامة تحدّق في البعيد”، لصديقها السوري الراحل أيمن ساعي، الذي استشهد مقاوما نظام بشار الأسد في إدلب، ومحاولتها استعادته حيا، بلملمة حياته من ذوبانها في ذرات الهواء والتراب ودقائق الزمن:
“يوما ما
حين تضجر من موتك
وتقرّر أن تعودَ… يوما ما
حين تفتقد حياتك القديمة
حياتك الخالية من الحرب واللجوء، والصواريخ
وجثث أصدقائك الموتى
بأعينهم المفتوحة على السماء
كصرخة مكتومة
حين تمسك قلبك
لذي يتدلى من جسدك
كقلادة على وشك أن تسقط
وتعيده إلى مكانه
بالرصاصة المستريحة في أعماقه
بأحبتك الذين يملؤون حجراته
وبأحزانك السرّية
بأحزاننا
التي كنت تقطفها من قلوبنا
وتخبّئها بخفة في قلبك
يوما ما
حين تقرّر
ولو بعد ألف عام، يا أيمن
أن تعود
تعال. بقلبك الذي كقلوب الأنبياء
ممتلئ بالخذلان، الرصاص، الجراح والأصدقاء
تعال
يا أيمن، تعال
بأيّة هيئة، تعال”.
وإضافة إلى هذا القليل المستخلص من هذا التفرد، تأتي صورة الشاعرة عن نفسها، بصياغة لا تخلو أيضا من المخالفة المبدعة، بشذرات في القصائد التي تتحدث فيها عن الشعراء والأصدقاء، وتجد توضيحات لها أيضا فيما تكتبه خارج الشعر.
ويأتي ختامنا بالقول أن مجموعة الشاعرة آلاء حسانين، هي مجموعة شعرية مذهلة ومتفردة بامتياز.
آلاء حسانين: “يخرج مرتجفا من أعماقه“
منشورات المتوسط، ميلانو 2018
223 صفحة.