يتحدث بعض المفكرين في أوروبا وأمريكا (وحتى في الشرق الأوسط) عن تغيير إيجابي في مواقف إسرائيل تحت قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالنسبة للتفاوض وتحقيق السلام مع الدول والشعوب العربية. ويعتبرون أن زياراته العلنية لدول عربية، هو وعدد من الوزراء في حكومته، تؤذن بعودة العلاقات الإسرائيلية إلى طبيعتها مع العالم العربي.

جان بيار فيليو، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط الحديث في إحدى أهم جامعات فرنسا (معهد العلوم السياسية في باريس) وأحد أبرز المراجع الفرنسية والعالمية في شؤون الشرق الأوسط يخالفهم في هذا الموقف، ويعتبر نتنياهو هو سياسي متطرف غير مؤمن بالتفاوض ويشكل خطراً على علاقة إسرائيل بيهود أمريكا وأوروبا، التي يحرص فيليو على ألا يوجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي وجهة اليمين المتطرف في أمريكا، المتمثل في بعض غلاة المسيحيين الصهاينة في الكونغرس الأمريكي وفي الجاليات اليهودية في أمريكا والعالم.
يعتبر فيليو في الفصل الأول من كتابه الصادر مؤخراً أن تطرف نتنياهو لا يعود فقط لتأثره بأرييل شارون أو بما يسميه نتنياهو “الإرهاب الفلسطيني” بل لأنه هو ووالده بنزيون نتنياهو انتميا إلى مدرسة عّراب منظمة “الارغون” التي ارتكبت أبشع المجازر في فلسطين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي ضد العرب الفلسطينيين والسلطات العسكرية البريطانية المحتلة وفي مدرسة زيف فلاديمير جابوتنسكي.
ويقول المؤلف ان أول رئيس لحكومة إسرائيل، ديفيد بن غوريون، اعتبر جابوتنسكي متطرفا، وشبّهَ موقفه من الاشتراكيين اليهود في فلسطين (عام 1933) بمواقف هتلر وحزبه النازي إزاء اليهود عموماً واليهود الاشتراكيين في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي (ص 26).
وجرى انفصال وتباعد بين بن غوريون وجابوتنسكي في “المنظمة الصهيونية العالمية” آنذاك. وقاد الأول مجموعة تعاملت مع الاحتلال البريطاني، فيما عيّن الثاني ممثلاً له في فلسطين ديفيد رازييل. وبعد وفاة جابوتنسكي انتقل والد بنيامين نتنياهو، بنزيون نتنياهو، في عام 1940 لقيادة منظمة “بيتار ـ ارغون” في نيويورك وأسس منظمة صهيونية انفصالية.
المهم هنا هو أن هذه المنظمة رفضت منذ البداية تقسيم فلسطين إلى جزء عربي فلسطيني وآخر يهودي، كما خططت له السلطات البريطانية المحتلة هناك، وذلك لأن جابوتنسكي، اعتقد بوجود قومية عربية قوية لدى الفلسطينيين العرب ولكن لن يكون بالإمكان التعايش معها، وبأن المفاوضات مع العرب الفلسطينيين لن تؤدي إلى أي نقطة وأن الحلم الصهيوني هو إنشاء دولة إسرائيلية تضم الضفتين الغربية والشرقية لنهر الأردن. ووافق معه على هذا الرأي بنزيون نتنياهو آنذاك. ويعتبر فيليو أن بنيامين “بيبي” نتنياهو ما زال على هذا الموقف (ص 24).
ويشير المؤلف إلى ان قيادة “الارغون” في فلسطين انتقلت إلى مناحيم بيغين عام 1941 بعد مقتل ديفيد رازييل حيث أعلن بيغين الثورة على السلطات البريطانية في فلسطين فيما كان إسحق شامير حليفه يقود عمليات اغتيالات وتفجير ضدها من خلال منظمة “ليهي” التي انضمت لاحقا إلى “الارغون” في وقت قاد بن غوريون منظمة “الهاغانا” (ص 30). وعندما رفضت بريطانيا السماح لباخرة من المهاجرين اليهود بالوصول إلى فلسطين وانزالهم فيها ارتكبت “الارغون” عملية تفجير “فندق الملك ديفيد” التي ذهب ضحيتها 91 عسكرياً ومدنيا بريطانيا. وقد احتفل بنيامين نتنياهو مؤخراً، حسب فيليو، بمرور ستين عاما على هذه العملية معتبرا ان الذين ارتكبوها “كانوا مقاتلين للحرية” ضد الاستعمار (ص 37).
وفي وقت وافق فيه بن غوريون على خطة التقسيم عام 1947 مقابل إفراج بريطانيا عن عدد كبير من المعتقلين اليهود، رفضت “الارغون” هذه المبادرة كما أخلت “الهاغانا” بها أيضا في عام 1948 وارتكبت بدورها مجازر في بلدات وقرى فلسطينية (وبينها مجزرة دير ياسين) في نيسان/ابريل عام 1948 لتهجير الفلسطينيين واُعلنت دولة إسرائيل في 14 أيار/مايو 1948 (ص 32). وسيطرت “الهاغانا” عسكريا في هذه الدولة وأسست جيش إسرائيل، وقاد رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين (كان ضابطا في جيش الهاغانا) حملات ضد محاولات “الارغون” تهريب الأسلحة والمعدات لمنظمة “الارغون”. واضطر مناحيم بيغين إلى إعلان حل منظمته وانضمامها إلى الجيش الإسرائيلي “تساهال” فيما استمرت منظمة “ليهي” بقيادة شامير في عمليات الاغتيال وقتلت فولك برنادوت الموفد الأممي إلى فلسطين في أيلول/سبتمبر 1948.
وبعد ذلك، فاز بن غوريون و”حزب العمل الإسرائيلي” بأول انتخابات في إسرائيل عام 1949 فيما لم تزد حصة بيغين ومؤيديه في حزب “حيروت” عن 15 في المئة من الأصوات. ولكن بعد اعتزال بن غوريون عام 1963 أعلن خليفته ليفي اشكول تأليف حكومة وحدة وطنية انضم إليها بيغين. وفي عام 1973 ارتفعت حصة “الليكود” إلى ثلاثين في المئة. ونجح هذا الحزب في الفوز على حزب العمال في انتخابات 1977.
أما بالنسبة لبنيامين نتنياهو فانه التحق بوالده بنزيون للدراسة في أمريكا عام 1972 وترك العمل العسكري بعد مشاركته في عمليات ميدانية إسرائيلية بينها تفجير مجموعة من الطائرات في “مطار بيروت الدولي” في كانون الأول/ديسمبر عام 1968 وقبل مقتل شقيقه الأكبر جوناثان في عملية “انتيبي” في اوغندا عام 1976 التي أثرت في شخصيته كثيراً، (ص 43 إلى 45).
أما دخول بنيامين نتنياهو إلى العمل السياسي بعد عودته إلى إسرائيل، فتم نتيجة اعتناقه ودعمه سياسيا من جانب السفير الإسرائيلي في واشنطن موشيه آرينز الذي أصبح لاحقاً وزيرا للخارجية ثم للدفاع في إسرائيل (ص 46) علما ان آرينز توفي مؤخرا وفاة طبيعية. وآنذاك أقنعه آرينز بالانضمام إلى لائحة “الليكود” الانتخابية عام 1988 بعد ان اقتنع بالتعامل معه في السفارة في واشنطن. وقد رافق نتنياهو رئيس الوزراء اسحق شامير كممثل لوزارة الخارجية في مؤتمر مدريد للسلام عام 1990. وتوصل إلى قيادة “الليكود” عام 1993 بعدما فاز رابين في انتخابات عام 1992. وشن “بيبي” حملة ضد “اتفاقيات أوسلو” لم تتوقف، وأدت بشكل أساسي إلى اغتيال رابين (في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1995) بعد استخدام نتنياهو تعابير تحريضية كـ”رابين كلب عرفات” و”الموت لرابين” (ص 50). وفي انتخابات 1996 تفوق نتنياهو و”الليكود” على شمعون بيريز والعمل بفارق بسيط وتسلم “بيبي” القيادة.
الفصل السادس من الكتاب، يكتسب أهمية خاصة لكونه حول علاقة نتنياهو بأمريكا، واختياره التعاون الوثيق مع الأطراف الأمريكية اليمينية خصوصا في الحزب الجمهوري الأمريكي على حساب العلاقة الوثيقة التي كانت قائمة لعقود بين إسرائيل والحزب الديمقراطي الأمريكي.
وقد نجح “بيبي” في تحويل وجهة منظمة “ايباك” الأمريكية المؤيدة لإسرائيل إلى التي اختارها هو وجعلها مطيّة لمواجهة اتفاقيات أوسلو في منتصف التسعينيات وللضغط على الرئيس الأمريكي باراك أوباما في ولايتيه الرئاسيتين بين عامي 2009 و2016.
كما بذلت منظمة “ايباك” بإشراف نتنياهو، حسب الكاتب، في دفع الكونغرس الأمريكي للتصويت لإصدار قرار في تشرين الأول/أكتوبر 1995 لنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس الذي نفذه لاحقا الرئيس دونالد ترامب (ص 129). كما أيد نتنياهو قرار الرئيس جورج بوش الابن في غزو العراق عام 2003 لأن العراق في رأيه “شكل خطرا نووياً على إسرائيل”. كما يؤيد “بيبي” حالياً المواقف السياسية التصعيدية ضد إيران، وساهم في دفع ترامب إلى إلغاء الاتفاق النووي من الجانب الأمريكي مع إيران.
وتواجه “بيبي” مع بيل كلينتون في نهاية ولاية كلينتون عام 1998 ـ 1999 وشجب خطاب باراك أوباما في بداية ولايته الأولى في القاهرة في حزيران/يونيو عام 2009، وتعيينه جورج متشيل مبعوثا للسلام في الشرق الأوسط (ص 134).
كما هاجم نتنياهو منظمة “جي ستريت” اليهودية في أمريكا التي حاولت اتخاذ مواقف أقل تطرفاً من منظمة “ايباك”. وصعّد ضد مواقف الرئيس أوباما الشاجبة لعدم اعترافه بحل الدولتين وباستمرار الاستيطان مما أدى إلى انتقام أوباما منه في نهاية ولايته بدفع وفد الولايات المتحدة في مجلس الأمن إلى الامتناع عن ممارسة حق الفيتو عندما صدرَ قرار يدعو إلى شجب (الامتناع عن دعم) الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبالتالي، شن نتنياهو حملة شملت توجهه إلى أمريكا وإلقاء الخطب في الكونغرس الأمريكي ضد ما اعتبره “تراجع أمريكا بقيادة أوباما عن دعم إسرائيل”.
وفي هذا الفصل يتطرق الكاتب إلى حملة إسرائيل ضد إيران وتحالفها الوثيق مع قيادة دونالد ترامب في هذا المجال.
ويشبّه فيليو هذا الأمر بما فعله نتنياهو عندما شن حملة ضد العراق في عام 2002 ودعمه لأمريكا لغزو هذا البلد بما يفعله حاليا إزاء إيران. وينبه من امتثال الإدارة الأمريكية “الترامبية” الحالية لهذه المواقف (ص 137).
وفي بداية ولاية ترامب الرئاسية جرى استقبال حار وحافل لنتنياهو وزوجته في البيت الأبيض.
وأدلى ترامب آنذاك بتصاريح طرحت تساؤلات حول مدى تأييده لحل الدولتين في فلسطين مما أثار ارتياحا لدى نتنياهو بسبب غموضها، حيث ترك ترامب الأمر للجهتين من دون أن يلتزم شجب استمرار الاستيطان.
كما ارتاح نتنياهو للتعيينات في هوية مسؤولي سياسة أمريكا في الشرق الأوسط التي قام بها ترامب، وخصوصاً كونه اختار مقربين منه من مؤيدي الاستيطان وطرح سياسات تناقض سياسات أمريكا السابقة المعترفة إلى حد ما بحقوق الفلسطينيين. (ص 141) كما أشار الكاتب إلى ان ترامب بدل وجهة علاقات أمريكا في الشرق من وسيطة مقبولة نسبياً لعملية السلام من جانب الفلسطينيين، إلى متوجهة نحو دول عربية غنية براغماتية التوجه تسعى إلى تحقيق مصالحها وإلى علاقات اقتصادية مثمرة مع الولايات المتحدة قبل أي أمر آخر فخسرت أمريكا دور “العرّاب النزيه” مما أدى إلى دفع الرئيس محمود عباس إلى تجميد عمليات التفاوض بانتظار تغيير هذه المواقف (ص 144).
وفي الفصل الأخير قال فيليو: “إن بنيامين نتنياهو لم يُحبط مفاوضيه العرب فحسب، بل أحبط يهود العالم المؤيدين لتعايش دولة إسرائيل مع جيرانها الفلسطينيين. لقد دفعت سياساته إلى إزالة الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين، ودفعت الفلسطينيين إلى التخلي عن أي مشاعر بوجود التوجه الإنساني لدى الإسرائيليين. وهذا يعني انه دفع كل جهة إلى المزيد من رفض الجهة الأخرى. وهذا أمر سيئ جداً لليهود والفلسطينيين، وإلى السلام والتخلي عن العنف في الأرض الواحدة”. (ص 197).
Jean-Pierre Filiu: Main basse sur Israel
Editions La Decouverte, Paris 2018