عندما يُتوَفّى شخص من أصحاب السياسة أو الغنى … أو الفنون غير الرفيعة، تمتلئ الصحف ووسائل الإعلام بالمديح وذكر “فضائل” الفقيد، مما يثير الاضطراب في ذاكرة من كانوا يعرفون المأسوف عليه، ويبدأون بالشك بما عرفوا، وقد يعمد بعضهم إلى قبول ما يقرأ ويبدأ باتّهام نفسه وذاكرته.
ولكن عندما يُتوفّى أحد الطيبين من أولي الفضل في مجالات التعليم أو التربية أو الصحة، أو الخدمة العامة في بلده، لا تكاد تجد في وسائل الإعلام سوى خبر صغير عن رحيل ذلك الإنسان الطيّب، بعبارات مجاملة تتكرر في حالات مشابهة هي من باب “رفع العتب”. والغريب أن بعض تلك النعَوات تكرّر عبارة “وقد توفّي بعد صراع طويل مع المرض” ويقصدون “السرطان” ويعلم الله وأصحاب الفقيد أن الوفاة كانت بسبب حادث مرور!
دفعني إلى هذه المقدمة خبرٌ سمعته قبل يومين عن رحيل الصديق العزيز، الأستاذ الدكتور رياض عاطف نور الله، المقيم في كمبردج منذ سنوات طويلة، والمكلف برئاسة الأبحاث والدراسات العليا في العلاقات الدبلوماسية في جامعة “ويستمنستر” في لندن، ثم انتقل إلى جامعة إيست آنكَليا في لندن كذلك.
تعرفتُ على د. رياض أول مرة في خريف عام 1989، عندما دُعيت أستاذً للأدب الإنكَليزي بجامعة الإمارات العربية المتحدة، وكانت جامعة حديثة الولادة في الخليج العربي. وفي الأسبوع الأول من وصولي أقام لي قسم اللغات حفلة استقبال، قدم فيها د. رياض قصيدة جميلة يُرحب فيها بي، ويتحدث عن ” إنتاجي الغزير من الكتب في مجال تخصصي”. وقد أحرجني ذلك، لأن إنتاجي يومها لم يكن “غزيراً”. لكني لمستُ في هذا الرجل نوعاً نادراً من التواضع والكرم، مما لم أعهد مثله في جامعات عربية أخرى سبق لي العمل فيها. كانت أحاديثنا بعد ذلك تدور حول الكتب وحول الأدب الإنكَليزي، وهو يحمل الدكتوراه في الأدب الإنكَليزي من كمبردج. لم أجد في أحاديث هذا الرجل تنافساً: هل أن جامعته كمبردج أفضل من جامعتي هارفرد، كما لمستُ من تفاخر فَج بين خريجي جامعة أمريكية وأخرى، في موضوعات غيرها. كذلك لم ألمس عند هذا الرجل الطيب أي شعور بالغيرة أو الحسد، مما يوجد أحياناً بين أستاذين في تخصص واحد. وهذه مسألة مريحة، يقدرها العاملون في الجامعة، في بلادنا على الأخص. وهناك ناحية أخرى لكَرَم هذا الرجل. أذكر أنني وزوجتي كنا ندور بين المطاعم الكثيرة في بلد نزوره للمرة الأولى، يضم عدداً كبيراً من الجاليات من شعوب شتى، لها مطاعمها التي يحسُن بالمرء أن يتعرّف عليها، لكي يتجنب ما حدث لنا في مطعم هندي جذاب في دعواته وإعلاناته. طلبنا وجبة أوصافها تستغرق ثلاثة سطور على قائمة المطعم. سألنا النادل الهندي، بهزة رأس افعوانية، على طريقة الهنود، أي درجة من “الكاري” نريد: خفيف ـ وسط ـ أو حار. قلنا: أخف شيء ممكن. فلما جاء الطعام قال لنا النادل، بهزة الرأس المألوفة: آمل أن يعجبكم هذا الطبق “خفيف الكاري”. لكننا وجدنا ذلك الخفيف “نار الله الموقدَة”. وكان ذلك آخر عهدنا بالمطاعم الهندية. بعدها لمَحنا العزيز الدكتور رياض في وسط مدينة العين ونحن نتطلع إلى مطعم فيليبيني. فبادرنا بنصيحة ضاحكة، متذكراً مغامرة المطعم الهندي وقال: هذا المطعم سوف يعجبكم. فدخلنا، وذهب هو إلى سبيله. كان الفيليبيني أرحم من الهندي. ولما طلبنا الحساب قال النادل: “مدفوع… صاحبكم دفع لنا مقدماً مئة درهم، تكفي لثلاث وجبات أخرى”. كيف ومتى دفع دون أن ننتبه؟ شكرناه في أول لقاء بعد “حادثة” الفليبيني. أصرّ الرجل أن هذا أقل ما يمكنه عمله. وكانت النتيجة ثلاث وجبات “اضطرارية” لاحقة في المطعم الفليبيني. كنا نتردد في كل زيارة لاحقة، لكن صاحب المطعم والنادل يرحبان بنا عند الوصول مع ابتسامة شكر لضيفنا ودراهمه المئة. هل يحدث مثل هذا في بلاد أخرى؟ ثم، من عجائب كرمه، محاولة إعطاء سيارته BMW إلى الفراش المسكين عند مغادرته الجامعة.
وفي نهاية عام جامعي غادرنا العزيز دكتور رياض إلى جامعة درَم في بريطانيا. لكنها لم تناسب مزاجه أكثر من سنة. وسبق للشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب أن لم يُطِق المقام في الجامعة نفسها، وقد توسّط له أستاذنا جميعاً، المرحوم جبرا إبراهيم جبرا، لكي يفيد من الإقامة في بريطانيا في علاجه من آلام العمود الفقري. لكن بدراً سرعان ما نظم: “دَرَم، بنفسي مما عراني بَرَم” ولم يكمل إقامته. وبعودة د. رياض إلى كمبرج انغمس في الإشراف على العديد من أطروحات الدراسات العليا في جامعة ويستمنستر في لندن وبعدها في إيست آنكَليا وكان يأخذ القطار إليها من كمبردج كل يوم، ويعود مثقلاً بالملفات ليسهر الليالي في داره بكمبردج للتنقيح والتصحيح. وقد تزايد عدد طلبته بشكل كبير مما أدى به إلى الإرهاق الفكري والجسدي، فاضطر إلى أخذ إجازة مرضية طويلة، انتهت بتلبية نداء ربه يوم 20 تموز/يوليو من عام 2018 الماضي.
منذ أن غادرنا د. رياض إلى بريطانيا في خريف 1990 بقيتُ على تواصل معه بالرسائل والهاتف. وبعد ذلك بسنتين كلّفني “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” بلندن بترجمة كتاب ضخم بعنوان “أطلس الحضارة الإسلامية” واقترحوا أن يقوم بالمراجعة الدكتور رياض. رحّبتُ بالاقتراح لمعرفتي بقدرات الرجل وثقافته ورصانة لغتَيه العربية والإنكَليزية فهو يكتب شعراً باللغتين، والكتاب يفيد كثيراً من التدقيق الأمين لما فيه من أسماء أشخاص وبلاد ومواقع واقتباسات يتعرض المرء فيها إلى سهو أو التباس. كان الدكتور رياض يسأل رأيي عند رغبته في إجراء أي تصحيح أو تغيير، وهذه من أكرم صفات المراجع أو المدقّق، لا يمتلكها إلا باحث متمرّس.
لستُ أدري إن كان بعض من عرف الرجل قد كتب شيئاً في ذكر أفضاله، ونشره في إحدى وسائل الإعلام. كما لا أدري إن كانت جامعة ويستمنستر أو إيست آنكَليا قد قامت بمثل هذا الواجب. لكنني طوال السنة الماضية، على الخصوص، كنتُ دائم الاستفسار عن وضعه الصحّي، بالهاتف الذي تجيب عنه زوجته الدكتورة رَنَم، وغالباً لا أحظى بجواب من الهاتف، لأن الدكتورة رَنَم كذلك مثقلة بالواجبات في المستشفى، وقد يمتد عملها إلى ساعات متأخرة من الليل. وقبل أسبوع فقط استطعتُ الاتصال هاتفيا مع الدكتورة، فصَعَقَني خبر الوفاة قبل ستة أشهر، وهي المدّة التي لم أستطع فيها الحصول على جواب من الهاتف.
كان الفقيد يصرّ عليّ في كل مكالمة أن أترك الضاحية الريفية الهادئة غرب مركز كمبردج، والإقامة قريبا منه ومن مركز المدينة، لأن “لدينا الكثير مما نتحدث عنه في أمور الكتابة والترجمة”. لكن ذلك لم يكن مقدراً لنا. ويبقى الاقتراح أمنية لم تتحقق!
كان من كَرَم أخلاق الفقيد أنه لا يفرض على أولاده نوع الدراسة التي يرغبون فابنته البِكر عفاف اختارت دراسة الأدب الإنكَليزي وحازت على الماجستير بتفوق. فحاول الوالد اقناعها بالاستمرار للدكتوراه، ولكنها لم تكن راغبة في ذلك، فترك لها حرية الاختيار. وابنه باسل تخرج طبيباً، وترك له حرية التخصص في الفرع الذي يختار. كم من الآباء لا يفرضون على الأبناء مسار دراستهم؟
وهكذا فقدنا شخصية علمية قلّ مثيلها هذه الأيام، ولا نجد من يحتفي بذكراها من بين من عرفوا الفقيد، الاّ ما نذَر. هل نلوم “الظروف” غير الطبيعية، التي يمرّ بها عالمنا اليوم؟ فالاهتمام منصبٌّ على أهل السياسة والرياسة وأهل السلاح والمال، فلا يبقى من تعنيه الثقافة والمعرفة إلا أهلوها، إذا تيسر لهم الإطلالة من بروجهم الطينية… فلم يبق اليوم من أبراج عاجية!
إلا يذكّرنا هذا بجانب من “أولو الفضل في أوطانهم غُرباء”؟ فإلى جانب الأعداد الوفيرة من أولي الفضل في شتى العلوم والمعارف، المتفرقين في بلاد العالم الواسعة، حيث ينعمون بالتقدير، ولكن خارج أوطانهم، يحضرني مثال محزن لأستاذ فاضل في علوم اللغة العربية هو المرحوم الأستاذ الدكتور إبراهيم السامرائي صاحب المؤلفات الفذة في علوم اللغة العربية. كان رحمه الله يردّد في كل مناسبة أنه عضو في جميع مجاميع اللغة العربية في الأقطار العربية، إلا في المجمع العلمي العراقي في بلده، استقطبته جامعة صنعاء وغيرها، وكُتبُه متداولة في أغلب الأقطار العربية، لكنه يبقى من “أولي الفضل في أوطانهم غرباء”.