إن السياسات الاقتصادية التي انتهجها حكم البوليڤار الفنزويلي لم تحقق التنمية المنتظرة ولم تحقق أوضاعا اقتصادية واجتماعية مستقرة على مدى سنين طويلة كانت في مجلمها تعيسة. فكانت سياسات التهميش والمحسوبية مع تطبيق الدكتاتورية هي السائدة على جميع الأصعدة بحيث ساهمت في زرع الحقد والنقمة لدى أغلب الفئات الشعبية الفنزويلية. أما ذلك الاقتصاد الاشتراكي الريعي فكان في جوهره يعتمد فقط على عائدات بيع النفط وتراكم الذهب في البنك المركزي. في المقابل كانت توزع بعض المنح المالية على بعض الأشخاص الموالين للنظام البوليڤاري مع توفير سكن مجاني أو صحة مجانية. فقد تم الاعتماد على الاقتصاد المنغلق على نفسه بحيث همش الاستثمار وطردت أغلب رؤوس الأموال الأجنبية مع رفع شعارات القومية والثورية. بالتالي كان الوعد والوعيد مع التهديد والتصعيد هو السائد طيلة تلك الفترة ضد السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية وضد مناهجها الاقتصادية كتطبيق الرأسمالية وتحرير الأسواق المحلية وتحرير الأسعار وغيرها من مجالات الانفتاح على الاقتصاد العالمي. أما تحالف فنزويلا فكان مندمجا في إطار المبادلات التجارية للأسلحة مع روسيا الاتحادية والمواد الاستهلاكية مع الصين الشعبية. وفي النتيجة انفجرت تلك الفقاعة المغلفة بكبت تلك السنين الطوال لشعب ذاق الأمرين من فقر وقمع فضاقت به ظروف العيش ليخرج صارخا محتجا إلى شوارع كراكاس ليقول “إرحل يا مادورو”.
إن تلك البراكين الهائجة والجحافل الشعبية من المحتجين الفنزويليين لن تخمد إلى حد الآن وستتواصل حتى تتحقق أهدافها. لكن تبدو الأمور في الأفق سائرة نحو طريق أزمة دبلوماسية نتيجة لسياسات حكومة مادورو الرافضة بشكل قاطع للاستقالة أو الاعتراف بخوان غويدو كرئيس بالنيابة بعد هذا الاستفتاء الشعبي عبر هؤلاء المحتجين المتضررين من السياسات الاقتصادية البوليڤارية التي جثمت على صدورهم لمدة طويلة من الزمن.
فمنذ ثورة تشي غيفارا في القارة اللاتينية إلى الآن لم يتحقق ذلك وعد التخلص من الإمبريالية الأمريكية ونفوذ الطبقات الغنية. فتواصلت مسيرات رفع شعارات الثورة في فترة حكم هوغو تشافيز التي كرست لحكومة عسكرية تتلخص في القوة المركزية والقبضة الحديدية لرجل فنزويلا الأوحد. بالنتيجة قتل صوت الحرية والديمقراطية ورفع سلاح الدكتاتورية القمعية بحيث فقرت البلاد وقتلت العباد المطالبة بتحقيق العدالة الاجتماعية أو لتحسين الظروف المعيشية. كانت سياسات تشافيز الاقتصادية تعتمد على نهب الثروات الطبيعية وتخصيص عوائدها المالية كلها لخدمة مصالح شخصية معينة. بالتالي زادت نسبة الفساد المالي وتضاعفت الرشوة داخل المؤسسات الحكومية وزادت فوضى تجارة المخدرات وتهريب البشر. فبالنتيجة كانت فنزويلا مسرحا للجرائم الدولية بحيث خلال فترة قصيرة جدا غادر الملايين من الأشخاص ذلك البلد تذمرا من الوضع السياسي، الاقتصادي والاجتماعي القائم. ففي فترة حكم تشافيز كانت الأوضاع بمثابة كابوس حقيقي لشعب سلبت منه إرادة الحياة وقمعت فيه الحريات وكممت داخله الأفواه. كذلك لم تتحقق السياسات الاقتصادية التنموية المركزية أو اللامركزية الاشتراكية من أجل تحقيق تلك العدالة الاجتماعية المروج لها أو توزيع الثروات الطبيعية الواعدة بها. أما وصولا إلى فترة حكم نيكولاس مادورو بعد تلك الفترة التعيسة التي كانت بشتى المقاييس كارثية دخلت فنزويلا مجددا في نفق مظلم آخر عبر حكم دكتاتوري ثاني جاء ليدهس نفوس الشعب الفنزويلي وينهب ثروته ويزيد من تدهور أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية. فحكم نيكولاس مادورو لم يحقق التغيير المرجو ولم يكن هو أيضا بعيدا عن تلك الدائرة الدكتاتورية السابقة من القمع وسوء التسيير للشؤون الاقتصادية والعلاقات التجارية والدولية. فكان في النتيجة الارتفاع الرهيب في الأسعار والتضخم المالي لا مثيل له عالميا مع تدهور كلي بين القدرة الشرائية والأجور الشهرية. كما ساهم الحصار الأمريكي على ذلك البلد التعيس ولو أنه يصنف من أكبر الدول النفطية، في تدهور الأوضاع الاجتماعية لأغلب الطبقات الفقيرة. وزاد سوء إدارة الشؤون الداخلية في تعميق الأزمة الاقتصادية التي أدت بالنتيجة إلى انفجار ذلك البركان الشعبي الثائر.
إن الاحتجاجات الشعبية الفنزويلية المتواصلة ضد الطغاة الذين حكموا ذلك البلد الغني بالموارد الطبيعية والمنهوب من قبل مجموعات صغيرة تمثل في مجملها أزمة اجتماعية عالمية. كما حولت أغلب الطبقات الشعبية إلى فقراء ومتسولين وأصبحت عملة بلدهم مقابل سلة العملات الأجنبية في الحضيض. فعلى الرغم من عدم الاعتراف الدولي بالانتخابات الفنزويلية الأخيرة والملاحقات العدلية العالمية لهذا الرئيس المتهم بالعديد من الجرائم الجنائية أو جرائم تبيض وغسل الأموال، إلا أن صوت الممانعة والمماطلة هو الذي كان قائما. فتلك الاحتجاجات الشعبية كانت تبرهن للعالم كله مدى السخط والتذمر الشعبي نتيجة لمستنقع الفقر المدقع الذي سقطت فيه فنزويلا. بالإضافة إلى ذلك ساهمت سياسات التهميش والمحسوبية في ارتفاع نسبة البطالة وتردي المستوى العام للمعيشة الذي أصبح يسير من السيئ إلى الأسوأ. بالتالي كانت صرخة هذا الشعب ضد مغتصب إرادته تمثل في جوهرها إستفتاء حقيقيا على مدى شرعيته ووثيقة عدم رضاء عام عن سياساته الاقتصادية الفاشلة على جميع الأصعدة.
بدأت مؤخرا ملامح أزمة دبلوماسية تتشكل بين الحكومة الفنزويلية الحالية تحت قيادة مادورو وحكومات الدول العظمى خاصة منها الأمريكية والأوروبية بحيث رفعت الشرعية الدولية عن حكومة مادورو، من خلال سحب أغلب البعثات الدبلوماسية الدولية. إن الاعتراف الدولي برئيس البرلمان السابق خوان غويدو كرئيس فنزويلا الشرعي أصبح يشكل اهتماما كبيرا على مدى شرعية تطبيق الأعراف الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية في إطار القانون الدولي العام بين مختلف دول العالم. بالإضافة إلى ذلك يشكل إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أجل خلع الرئيس الفنزويلي بالطرق السلمية أو الإلتجاء إلى القوة العسكرية في مجمله نذير خطر على المنطقة برمتها. أما موقف المفوضية الأوروبية من خلال التصريحات الأخيرة لفريديركا موغريني فهو يزيد بدوره من تعقيد الأمور والعلاقات الدولية بحيث وصلت كلها إلى طريق مسدود. فبوادر هذه الأزمة الدبلوماسية متواصلة ومتصاعدة خاصة بعد رفع الغطاء الدبلوماسي الدولي عن حكومة نيكولاس مادورو بحيث أصبحت تمثل وثيقة وفاة رسمية لتلك الحكومة التي فقدت شرعيتها دوليا.
إن تفقير الشعب الفنزويلي الذي أصبح بعض فئاته يأكل من الزبالة، يمثل عارا كبيرا على تلك السياسات الاقتصادية البوليڤارية الفاشلة على جميع الأصعدة وبشتى المقاييس. فنهب الثروات الطبيعية وتكريس مبدأ الفساد المالي داخل الحاشية المقربة لنظام القائد الدكتاتوري مادورو والتي أصبحت تعيش في ثراء فاحش، وفي المقابل ما زالت بعض الطبقات الاجتماعية الأخرى تعاني من الفقر المدقع في وطن يسبح على بركة نفط تمثل في مجملها كارثة اجتماعية عالمية. إن كراكاس تنتفض اليوم ضد رئيس فقر البلاد اقتصاديا وماليا وحقر العباد ماديا ومعنويا.