الحرب والأغنية الوطنية: قراءة في الحالة اليمنية

أحمد الأغبري
حجم الخط
0

صنعاء-“القدس العربي”: ثمة علاقة أما طردية أو عكسية، بين الحرب التي يعيشها البلد وأغنيته الوطنية. فمثلاً قد تزدهر الأغنية الوطنية خلال حروب التحرر والاستقلال الوطني، حيث تسهم هذه الحروب في تمكين هذه الأغنية من دورها وتأثيرها، بينما نجد معظم الحروب الأهلية، بما فيها الحرب الداخلية التي تتداخل بحرب خارجية، ونتيجة عدم وضوح أهدافها ومشاريعها مع ارتباطها بأطراف خارجية، تعمل على إقصاء الأغنية الوطنية من الاهتمام الجمعي. ففي هكذا واقع تكون العلاقة عكسية بين الحرب والأغنية الوطنية؛ فمع ازدهار تلك الحرب يتعثر إنتاج هذه الأغنية ويتراجع حضورها وتأثيرها واهتمام الناس بها، كما هو حاصل في اليمن خلال الحرب الراهنة، ولأول مرة في تاريخ هذه الأغنية منذ ظهورها هناك في منتصف القرن الماضي.

ثمة من يعتقد أن تراجع اهتمام الناس بالأغنية الوطنية وانحسار حضورها في الوجدان المجتمعي هي نتيجة طبيعية ومنطقية لتراجع الأهداف الوطنية للصراع، وتحول الحرب إلى صراع مصالح ينحسر معها حضور الدولة الوطنية في علاقتها بمفهوم الوطن وكرامة المواطن والمشروع الوطني عموماً، حينها تفقد الأغنية الوطنية بيئتها الحاضنة؛ وبالتالي يتراجع صداها.

ويُطلق اسم الأغنية الوطنية على تلك التي تتغنى بقيم الانتماء والولاء للأرض والوطن وترفع من شأن معاني الاعتزاز بالهُوية والفخر بالإنجاز. وأحياناً تتداخل الأغنية السياسية بالوطنية في حال انطلق نقد الأولى من قيم وطنية عليا، فأغنية “نشوان” التي غناها الفنان محمد مرشد ناجي، من كلمات الشاعر سلطان الصريمي، هي أغنية سياسية، لكنها استطاعت بمضمونها ولحنها أن يكون تأثيرها وطنياً منذ غناها ناجي وقدمتها إذاعة عدن في سبعينيات القرن الماضي.

ويعود تاريخ الأغنية الوطنية في اليمن، إلى خمسينيات القرن الماضي، من خلال تلك الأعمال التي واكبت تحرك المقاومة الشعبية في مواجهة المحتل البريطاني في الجنوب. وبمراجعة الأعمال الغنائية التي أسهمت في مؤازرة مقاومة المحتل سنجد عددا منها برز خلال تلك الفترة، ومنها أغنية “برع يا استعمار” للفنان محمد محسن عطروش، وأغنية “أنا الشعب” للفنان محمد مرشد ناجي، وغيرها من الأغاني التي ما تزال محفورة في الذاكرة اليمنية.

على مدى العقود المتعاقبة في تاريخ الدولة الوطنية هناك، وتحديداً عقب ثورتي 26 أيلول/سبتمبر 1962 في الشمال وجلاء آخر جندي بريطاني عن الجنوب في 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1967 ازدهرت الأغنية الوطنية لاسيما بعد تشكيل فرقة موسيقية وطنية في عدن وأخرى في صنعاء، وأسهمت هذه الفرق في تقديم عدد من الأعمال المشهورة، علاوة على ما قدّمه عددُ من الفنانين من أغان وطنية، أمثال: علي بن علي الآنسي، وأحمد السنيدار، وحمود الحارثي، وكرامة مرسال، ومحمد سعد عبدالله، وعبدالرحمن الحداد، وأمل كعدل، وغيرهم ممن أسهم في أعمال مضيئة في تاريخ الأغنية الوطنية، والتي ظلت تتناقلها الأجيال على مدى عقود.

 إلا أنه من بين أولئك الفنانين تبرز تجربة الفنان أيوب طارش عبسي، الذي يكاد يكون أكثر الأصوات اليمنيّة تغنياً بالوطن والأرض، وعلاوة على كونه ملحن ومغني السلام الجمهوري والنشيد الوطني للجمهورية اليمنية “رددي أيتها الدنيا نشيدي” بقيت أغانيه الوطنية تتردد في كل المنعطفات ولدى كل الأطياف الوطنية، باستثناء الحرب الراهنة، التي تراجع فيها حضور هذه الأغنية عموماً في اهتمامات الناس.

عوامل التراجع

في تقديره لأهم عوامل تراجع حضور هذه الأغنية وانحسار اهتمام الناس بسماعها، يقول مدير البيت اليمني للموسيقى والفنون الموسيقار فؤاد الشرجبي لـ “القدس العربي”: “الأغنية الوطنية هي نتاج فني يعكس حالة الانتماء وروح الولاء للوطن والشعور بأن الآتي أجمل والآمال متجددة في الانتقال من حال إلى حال وإلى حياة أفضل، ومن أجل التحرر من الظلم أو الاستعمار أو من أجل البناء والتطوير أو من أجل عزة وكرامة الوطن والمواطن. واليمن مر بالكثير من المنعطفات المؤلمة، ومعظم تلك المنعطفات كانت لفترات قصيرة، أو كانت واضحة الملامح، وكان الالتفاف الأعظم من أجل الوطن، وليس من أجل ايديولوجيات أو أشخاص أو أحزاب أو اتجاهات دينية. وفي هذه الفترة العصيبة جداً فقدنا كل ما سبق، وتشتت المشاعر الوطنية، وغاب الوطن الجامع للجميع، وانشغل الناس بالصراع من أجل البقاء، بينما مَن يمثلون الوطن بسلطاتهم باقون من أجل الصراع. لذلك معظم نتاجات هذه الفترة من الأغاني عبارة عن جلد الذات أو للتعبير عن مأساة مستمرة. أما أغاني وأناشيد الحماس فتمثل أطرافها فقط، ولا تمثل هذا الوطن الجريح”.

البداية

*لو عدنا لتاريخ الأغنية الوطنية اليمنيّة سنجدها بدأت مبكرة منذ منتصف القرن الماضي مواكبة لثورتي الشطرين حينها وربما قبلها مواكبة لحركة التحرر من الاستعمار. كيف كانت تلك البداية، وما أهم المراحل التي مرت بها الأغنية الوطنية على مدى تاريخ اليمن الحديث؟

** كان أول حضور للأغنية الوطنية في اليمن في خمسينيات القرن الماضي، وكانت امتدادا لثورة 23 تموز/يوليو 1952 في مصر؛ فكانت أغنية “باسم هذا التراب” للفنان حسن عطاء، وبعدها توالت الأغاني الوطنية من أجل التحرير في الجنوب والتحرر في الشمال. بعد الثورتين في الشمال والجنوب صارت الأغنية الوطنية أكثر نضجاً، وكان لها الدور الكبير في التنمية وتعزيز الولاء الوطني، وتنافس الشعراء والملحنون في ذلك وأبدعوا. كما ظهرت في فترات متعاقبة أغان تمجد القائد أو الحزب، وكانت تُذاع في المناسبات على أنها أغاني وأناشيد وطنية.  ولكنها سرعان ما تختفي وتنتهي، ولم يبق إلا ما كان صادقا للوطن واليمن.

أيوب طارش

*ارتبطت الأغنية الوطنية اليمنيّة بعدد من الأسماء الذين شكلوا أصواتاً خاصة بها ومنهم الفنان أيوب طارش عبسي. ما الذي يميّز أيوب عن بقية مجايليه من الفنانين الذين غنوا هذه الأغنية؟

** ما يميز الفنان والهامة الوطنية أيوب طارش عبسي، هو حرصه الكبير على اختيار كلمات ومواضيع أغانيه الوطنية. اليمن هو هاجسه الوحيد، لم يتزلف سلطة يوما ما، لم يرضخ لضغوط كبيرة حاولت جره إلى خارج مربع الوطن، وعانى بسبب ذلك الكثير. ولكن حب الجماهير العريضة عوضه أكثر بكثير عن كل ما يمكن أن تمنحه له السلطات.

مناخ طبيعي

*ما الذي تحتاجه الأغنية الوطنية لتبقى مؤثرة في الوجدان الجمعي؟

**ما تحتاجه الأغنية الوطنية لتبقى مؤثرة في الوجدان الجمعي عدة عوامل منها: ارتباط موضوع الأغنية بالوطن فقط، ارتباط موضوع الأغنية بمراحل مشرقة في تاريخ الوطن، الاعلاء من قيم الفخر والعزة للإنسان، المناخ الطبيعي والآمن الذي يشعر فيه المواطن بآدميته وبنجاحات يلمس أثرها في كل مناحي الحياة ما يجعله يتفاعل بشكل إيجابي ويشعر بنشوة وطنية عند سماعه للأغاني الوطنية، فمثلاً عند فوز المنتخب الوطني في مباراة دولية أو عند إنجاز مشروع وطني كبير أو عند الاحتفالات بنجاحات علمية أو تنموية يكون وقع الأغنية الوطنية أقوى وأكثر تأثيراً في النفوس ويعزز الحب والولاء للوطن، وعلى العكس يكون تأثير هذه الأغاني منعدماً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية