ذاكرة ترحال أدبية: غالب هلسا والمنافي بوصفها أمكنة أمومية

يمنى العيد
حجم الخط
3

مثل الطيور الفارّة من أقفاصها كان يحطُّ في المدن المزدحمة بالحياة، باحثاً في طرقاتها الضيقة عن فضاءات للحريّة، وفي أمكنتها الداخليّة عن دفءٍ يعوِّضه دفأه المفقود، وتلك الحميميّة التي جرّحها القمع والنفي وعذابات السجون”.

إنه الروائي غالب هلسا الذي دعتني رابطة الكتّاب الأردنيين، منتصف شهر كانون الأول/ديسمبر 1990، للمساهمة في ندوة دراسيّة حول أدبه، وذلك بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته.

قلتُ أسافر، فقد كان غالب هلسا روائيّاً له مكانته المميّزة. عرفتُه قبل أن ألتقيه، ويوم التقيته، في بيروت، كان ذلك برسالة شفهيّة حملتها إليَّ إحدى الصديقات: “يودّ غالب أن يتعرّف إليكِ”. قالت. كان غالب قد قرأ ما كتبتُه عن روايته “السؤال”، فجاء ليمدَّ جسور النقاش، وليستأنس، كما أدركتُ فيما بعد، بعلاقات المودّة والصداقة في بيتنا الذي كنتُ وعائلتي نستقبل فيه بعض أصدقائنا من الأدباء والمناضلين، وبعض منْ كان من المثقفين يزور بيروت مسانداً صمودها. كانت روح المقاومة تجمع بيننا، وكان الفكر النقدي لما يُرتكب بحق هذه المقاومة من آثام يُذكي النقاش.

ها هو غالب هلسا يدخل بيتنا، يجلس بيننا، يملأ المقعد، شأن تفيدة بطلة روايته “السؤال”، كأنّه بذلك، مثلها، يعبِّر عن اعتزازه بنفسه. هي التي استعادت، في نهاية الرواية، حقَّها في حياة كريمة حرّة، وهو المنتصر للحريّة في القول والحياة. هكذا نُفي من وطنه وهو في الثامنة عشرة من عمره، وأُجبر على ترك العراق بعد أن لجأ إليه، وأُبعِد عن مصر بعد أن رفع صوته منتصراً لحريّة الرأي وللأدباء الشيوعيّين الذين أمر عبد الناصر بسجنهم.

يجلس غالب متحرّراً من كلّ قيد يحول بينه وبين التعبير عن رأيه، ودفاعه عن قيم الحريّة والعدالة. أتذكّره في لحظات نقاشه الصريح والجريء حين أخذ عليه بعضُ الأصدقاء (محمد دكروب ومهدي عامل…) أن يقدّم شخصيّة مصطفى في رواية “السؤال” (صدرت عام 1979) كنموذج يتفرّد بتمثيل الشيوعيّين، وهو، حسب رأيهم، ما يسم الرواية بواحديّة الرؤية. فردَّ غالب بإحالتهم على سكوت الشيوعيّين وقبولهم، في مصر، بقمع السلطة الناصريّة لهم، وتخلّيهم عن الموقف النقدي لسلطةٍ قادت أدباء ومفكرين إلى السجون.

أتذكره في كلامه على ما لحق بالمرأة من ظلم ودونيّة تمثّلا في نظرة المجتمع إلى الأنثى وعلاقة الذكر بها. كانت “تفيدة” هي مثاله. تفيدة التي عبّرت، في الرواية، عن كفاءتها كأنثى في أن تصل إلى مكانةٍ في المجتمع تضاهي بها الرجل، بل تفوقه.

أتذكّره يوم زارنا برفقة إحدى الصديقات الأردنيّات يحمل معه “الجميد” (اللبن المجمد) ليحضِّر لنا المنسف، الأكلة الأردنيّة التي لها، بالنسبة له، معنى الهويّة ودلالة الانتماء. كان وهو يقوم بمهمّة الطبخ وغسل الصحون، يردِّد بأنّه يكره أن يرى الرجال جالسين في الصالون يناقشون في السياسة وغيرها… بينما تعمل المرأة وحدها في المطبخ. هذه قسمة غير عادلة، يقول، تخدمهم ويتسيدون (يعتبرون أنفسهم أسياداً) عليها.

كان غالب بما يقول ويفعل، لا يعّبر فقط عن تقديره للمرأة، بل كان أيضاً يحاسب ذاته ليحاسب الذكور كلهم، بل ليحاسب تاريخاً كرّس فيه الرجال خدمة النساء لهم كحق للذكر على الأنثى.

غالب الروائي الذي عبر عن تقديره للمرأة، عبّر، في الآن نفسه، عن حبه للحياة بصفتها عيشاً وواقعاً ماديا. سألته:

ــ كيف توفّق بين حبك للحياة باعتبارها زمن عيش مادي يأخذ الكثير من الوقت، وبين الكتابة وما تستغرقه من زمن ينصرف فيه الكاتب كليّاً للكتابة؟

ــ ثمة تناقض بين الكتابة والحياة، قال. ثمّ إن لهذه العلاقة، علاقة الكتابة بالحياة، معنى الضرورة، وعلى مسافة هذه الضرورة يموت الكاتب، أو يفقد حياته. يعيش الكاتب اللحظة ليكتب عنها، وفي لحظة الكتابة تكون الحياة مؤجَّلَة. يعيش فيترك الكتابة وراءه… ويبدو ذلك فاجعاً.

ــ ولكن الكتابة، أو هذه الحياة الأخرى التي على الورق، ليست سوى سؤال مطروح على الحياة نفسها، على العيش…لا كتابة بدون عيش الحياة، قلت رغبة في مزيد من الوضوح.

ــ صحيح، قال. أنا لا أضع الكتابة والحياة في جانب أواجه بهما الموت شأن كتّاب كثيرين يبحثون عن الخلود، فالصراع بالنسبة لي هو بين الحياة والحياة، بين حياة الكتابة وبين الحياة التي يعيشها الكاتب، هكذا وحين يختار الكاتب حياة الكتابة يموت.

ــ يكتب الكاتب فيموت وهو يبدع حياة بديلة لا عن موته، بل عن هذا الحرمان من الحياة، قلت.

أتذكر ذاك الحوار وأتساءل اليوم: ألهذا يدخل غالب الذي يكتب، أو الروائي الذي يموت، يدخل عالم الرواية بشخصه، حاملا اسمه، كما في روايته “ثلاثة وجوه لبغداد”؟ ألهذا أصبح مشروع الكتابة، عند غالب، حلم يقظة، يستعيد فيه الحياة، ولكن بوعي آخر، هو وعيٌ نقدي لعالم الواقع الذي يعيشه؟

في نيسان/أبريل عام 1982 قبيل شهرين تقريبا من اجتياح الجيش الإسرائيلي لبيروت، اشتركتُ مع غالب في ندوة عن الرواية العربيّة. كان ذلك في منطقة الفاكهاني في بيروت (منطقة محسوبة للفلسطينيين)، لا أدري كيف أمكنني يومها أن أرى ذلك المكان جميلا مشرقا بالحياة… هل هي الحرب وهواجس الاجتياح وصور الموت والدمار ومشاعر الفقدان وكل ما يمكن أن يحاصر الروح، جعل ذاك المكان القائم تحت الأرض يبدو مثل بيت، بيت خارج زمن الحرب، بيت آمن، مضاء، مزدحم بمن التقوا حول أمل واحد، هو الحياة؟

بعدها لم أر غالب… وكان أن دخل الجيش الإسرائيلي، أواخر آب/أغسطس من العام نفسه بيروت، وخرج الفلسطينيون في أيلول/سبتمبر منها. وغادر غالب، مع من غادروا، العاصمة المدمَّرة حاملاً معه ذكريات الأمكنة الدافئة وقتاله على الجبهة المشتعلة.

كان الروائي غالب هلسا يراكم منافيه، ويزداد حنينه إلى فضاءات الطفولة، وتشتعل رغبته في استعادة أمكنتها. تتضاعف أحلام يقظته بالمكان الأول. المكان الذي هو في نظره “مكان أمومي”، تستدعي استعادته “الأم كنمط أصلي”. وكان يقول:

إن كل امرأة بالنسبة لي هي صورة أمي وتعكس علاقةً ما بأمي في الطفولة”.

يبدو المكان امتدادا للأنوثة، للمرأة: الأم، المعشوقة، الصديقة

وتبدو الأنوثة احتضانا للحياة.

وتبدو الحياة رديفاً للحرية.

لكل هذا ذهبت للمشاركة في ذكراه، وإن كنت أفكّر باحتمال منعي من دخول الأردن كما فعلوا ذات زمن رغبت فيه أن أزور القدس براًّ برفقة زوجي وأمي، وكان ذلك قبيل حرب العام 1967 واحتلال الجولان. هكذا بقي حلمي برؤية القدس مشنوقا على حبل سياسة عمّان التي اعتبرت اليساري عدواً، والتي فتحت، فيما بعد، أبواب وطن غالب هلسا المنفي إلى بني إسرائيل.

وسافرت إلى عمّان، لأرى غالب لا الذي أعيد إلى وطنه جثة محمولة في تابوت، بل غالب المناضل الذي عرف السجون، وعاش متنقلاً بين المدن المزدحمة بالحياة، باحثاً في طرقاتها الضيقة عن فضاءات للحرية، وفي أمكنتها الداخلية عن دفء مفقود. غالب الذي كان، مثل “وديع” بطل روايته “سلطانة”، يحلم بأن يعود ذات يوم ليستقر في قريته “معان”، ومثل بطله في رواية “الضحك” يحلم بأنه يطير فوق القرية، ليرى نفسه من ثم يهبط. سافرت لأقول له: إنك الآن في وطنك بين أفراد عائلتك، محاطا بأصدقائك ومحبيك وقرائك الكثر.

لقد جاءوا هذه المرة، إليك، ولن تكون بعد اليوم وحيدا.

 

*غالب هلسا: أديب أردني، ولد في إحدى قرى معان قرب مأرب في الأردن يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر 1932، وتوفي في اليوم ذاته من عام 1989 في دمشق. بدأ محاولة الكتابة في الرابعة عشرة من عمره، وفي سن الثامنة عشرة أُجبر على قطع إقامته في لبنان والعودة إلى وطنه، ثم على مغادرته مرة أخرى إلى بغداد، ثم على ترك بغداد إلى القاهرة حيث أنهى دراسة الصحافة في الجامعة الأمريكية. عام 1976 أُجبِر على ترك القاهرة، فذهب إلى بغداد التي غادرها بعد ثلاث سنوات إلى بيروت حيث أقام إلى أن اجتاحت القوات الإسرائيليّة العاصمة اللبنانيّة، فحمل السلاح وظلَّ في خنادق القتال الأماميّة، ثم رحل مع المقاتلين الفلسطينيين على ظهر إحدى البواخر إلى عدن، ومنها إلى إثيوبيا ثم إلى برلين، وأخيراً إلى دمشق التي أقام فيها إلى أن توفي بعد سبع سنوات من وصوله إليها. له في الرواية “الضحك”، “الخماسين”، “السؤال”، “البكاء على الأطلال”، “ثلاثة وجوه لبغداد”، “نجمة”، “سلطانة”، “الروائيون”. وله في الدراسات الفكرية والنقدية: “العالم مادّة وحركة”، “المكان في الرواية العربية”، “فصول في النقد”، و”نقد الأدب الصهيوني”؛ كما نقل إلى العربية رواية ج. د. سالنغر الهامة “الحارس في حقل الشوفان”، وكتاب غاستون باشلار “جماليات المكان”.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية