كثير من الحكام الإداريين (المحافظين) جلسوا على كرسي محافظة نينوى منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003 ولم تتسبب كاريزمة أيا منهم بجدلية مستمرة كما حصل مع محافظ نينوى الحالي نوفل العاكوب الذي جاء إلى المنصب على أنقاض كرسي المحافظ السابق أثيل النجيفي. إذ سيطر في عهده تنظيم “الدولة” على كامل مدينة الموصل وضواحيها، وتم تحميله جزءا من المسؤولية، فعزل على إثرها وتمت محاكمته غيابيا.
ينحدر محافظ نينوى الحالي نوفل حمادي سلطان من قضاء الحضر جنوب غرب الموصل، وهو من مواليد 1964 من عشيرة البوحمد، وقد تسنم عدة مناصب إدارية داخل الإدارة المحلية لمحافظة نينوى قبل أن يشكل تحالفا أطاح بالمحافظ السابق على خلفية سقوط مدينة الموصل في أيدي تنظيم “الدولة” في حزيران/يونيو عام 2014 فتم انتخابه في جلسة عقدت خارج الموصل نهاية عام 2015.
كان انتخاب محافظ ذو خلفية قروية سابقة في عهد ما بعد 2003 في وقت كان الثلاثة الذين سبقوه من أهالي الموصل الأقحاح الذين يتحدثون اللهجة المصلاوية التي تمثل مركز المدينة، بدءا من البصو مرورا بكشمولة وبعدهما النجيفي، وقد كانا للثلاثة توجهات سياسية مختلفة، وكل أدخل المدينة تحت وصاية أحد الأطراف المتعددة داخل العراق.
“كنت سأتفهم هذه الانتقادات اللاذعة لشخص محافظ نينوى نوفل العاكوب لو كانت من أناس وجهوا انتقاداتهم نفسها للمحافظين السابقين، فقد كان أحدهم شرطي الاحتلال على الموصل، والآخر جعلها تحت الوصاية الكردية، والثالث جاء بقادة أمنيين، لا يقال عنهم سوى بلطجية، للتخلص من الأكراد، فعاثوا في المدينة فسادا واعتقالا ومساومة وإهانة وسدا للطرق، ثم كانت النتيجة دخول تنظيم داعش والحرب الطاحنة التي أتت على كل جميل في الموصل الحدباء، لماذا لا يقولون أن هذا المحافظ على علاته جاء على أنقاض وليس على مدينة، لماذا دائما يعيبون لهجته القروية؟ لماذا تبدو العنصرية من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، وحتما كلامي يشمل فقط فئة محددة تروج من خلال منابرها الإعلامية، وتغمز وتلمز ليل نهار بأن الموصل يجب أن يحكمها أهل الموصل! وهل جاء العاكوب من المريخ؟”. هذا النص مقتبس من كلام الناشط على وسائل التواصل الاجتماعي محمود العيساوي خلال إجابته على سؤالنا عن سبب كل جدلية الميديا حول شخصية محافظ نينوى الحالي. وفي الاتجاه نفسه قال الناشط أسامة السبعاوي: “أغلب الانتقادات الموجهة لشخص محافظ نينوى غير حقيقية ولا دقيقة، فهي تعتمد على حوادث مقتطعة غير كاملة، يأخذ منها الإعلام كـ”قناة الموصلية” وغيرها الجزء الذي يخدم دوافعها المشبوهة، ويترك الجزء الآخر” واستدل السبعاوي بحادثة الاتصال الهاتفي المسجل الذي انتشر مؤخرا قائلا: “أظهر الإعلام الكلمات غير المنضبطة التي تفوه بها المحافظ خلال الاتصال، لكنه أغفل حقيقة المعنى والقصد من الاتصال، وهي امرأة كانت تأخذ أموالا من الناس باسم المحافظ، واعدة إياهم بالتعيين زورا، لكن الإعلام لم يقل هذا أبدا”.
بين مؤيد ورافض
وكان ظهور محافظ نينوى الحالي على وسائل الإعلام وهو يزور دوائر المحافظة الخدمية ويقوم بتوبيخ موظفي تلك الدوائر على ما وصفه بالتقصير في إنجاز معاملات المواطنين أثار جدلا واسعا بين مؤيد ورافض، وكذلك استخدامه لمصطلحات لغوية اعتبرها منتقدون أنها لا تليق برجل في هكذا منصب، فضلا أن بعضهم قال إن المحافظ جاء في ظروف استثنائية وأحداث طارئة وليس وفق الآلية المعمول بها في الظروف الطبيعية. مجموعة أحداث أدت إلى تسليط الضوء على كاريزمة المحافظ على الساحة الإعلامية، وجعلت اسمه معروفا لكل العراقيين.
حادثة توبيخ مدير مدرسة أمام الكاميرات لقيامه بضرب التلاميذ كانت هي القطرة التي أفاضت القدح، حيث سببت موجة من الغضب اضطرت المحافظ للاعتذار من المدير وتلافي المشكل واحتواء أي تداعيات وتطورات للواقعة. وعلى هذه الحادثة، علق الناشط والصحافي خالد الدليمي قائلا: “إهانة مدير المدرسة بهذه الطريقة المخزية من قبل محافظ نينوى لأغراض دعائية ستضاف إلى دفتر إنجازاته الأسود. لا أتصور أي طالب في العراق يستذكر أيامه في المدرسة إلا وكانت العصا جزءا مضحكا مبكيا من تلك الذكريات، وما زلت أذكر رف العصي في غرفة معلمينا كلما دخلتها. ثم يأتي المحافظ ليجرم العصا بإذلال مدير مدرسة خدم في التعليم سبعٍ وعشرين سنة بحلوها ومرها. العصا جريمة في ظل المجتمعات المثقفة الواعية المدركة. العصا جريمة لما يأتي الطالب من عائلة عظمت في قلبه مكانة المعلم والعلم والتعليم. العصا جريمة لما يكون محيط الطالب مستقرا آمنا خاليا من الفوضى الأخلاقية والانفلات القيمي. العصا كوسيلة ترهيبية (في ثقافتنا المدرسية) كانت وراء وصول كثير من الطلبة لمراحل النجاح. بل العصا جزء من تراثنا العربي والإسلامي، فمن لا يعرف درة عمر؟ تترك العصا متى ما ارتقينا ثقافيا وعلميا ومجتمعيا”.
وقد صارت المصطلحات التي يستخدمها محافظ نينوى شائعة ومتداولة وأحيانا تستخدم للتندر والسخرية، وأشهرها قوله أثناء توبيخ مدير مدرسة عبد الله بن جابر على استخدامه العصا لضرب أحد الطلاب: “جيبولي (المطرگ) والتي تعني (ائتوني بالعصا) وهي العبارة التي ذاع صيتها وكثر تداولها، وقوله (ألا أشلخها شلختين) والتي تعني (سأقصمها نصفين) إلخ. فلا يكاد المرء يمر على صفحات فيسبوك العراقية إلا ويجد إحدى العبارات التي استخدمها محافظ نينوى متداولة للتندر”.
وقال متابعون للشأن الموصلي إن هناك أطرافا وجهات داخل إدارة محافظة نينوى تعمل على إفشال المحافظ، وإظهاره بمظهر المقصر، وقالوا إن تلك الأطراف تعمل بدوافع شخصية وعنصرية سيئة، وطالب بعضهم بإعطاء فرصة للقائمين عليها إذ لم يمر وقت كاف للحكم على أداء المسؤولين، فضلا عن أن الميليشيات الوافدة إلى المدينة تعيث فيها فسادا، وتتدخل في كل صغيرة وكبيرة من أجل مكاسب مالية وأحيانا غايات طائفية، وليس للمحافظ أو الإدارة المحلية أي سلطة حقيقية على المدينة، فكل جهة فيها تتحكم في مفصل إداري لجني الأموال منه.
لا أمل في عودة الحياة للمدينة
وفي سياق متصل، كتب الصحافي الموصلي عمر الجبوري في صفحته على فيسبوك: “اليوم وقد تحررت المدينة ونصفها مدمر ونصفها يلعق جراحه، وجيء بمحافظ جديد، هو نوفل سلطان حمادي العاكوب، شخصية مثيرة للجدل، هناك من ينتقده وهناك من يمدحه. معروف أن المحافظة هي بيد من هو أعلى من العاكوب، لا تزال موازنتها صفرا، وهو دائما يكرر ويقول أنا أعمل بالآجل، وإن منظمات الـ UNDP هي التي تعمل، أغلب الأهالي قالوا إن المدينة انتهت ودمرت بالكامل ولا أمل بعودة الحياة إليها، لكنها عادت شيئا فشيئا، وهذا شيء يثير العجب قياسا بحجم الدمار الذي طالها”.
ويرى البعض أن الاتهامات الموجهة لمحافظ نينوى لا تخلو جميعها من الحقيقة، وأن رد جميع الشبهات بذريعة أنها صدرت من فلان وعلان أو من جهة بعينها، أمر غير مقبول، وأنه لا بد من النظر بتجرد إلى الأمور، ويستدلون على قولهم بوضع المحافظة المزري رغم مرور سنتين على ما يسمى التحرير، حيث لم يتم إعمار ما دمرته الحروب، إذ الجسور والمستشفيات والدوائر ومنازل المواطنين ما زالت تحتاج الكثير، ولم يعد منها إلا القليل، ويلقون بالمسؤولية على محافظ المدينة كونه هو الحاكم الإداري لها، وأن أي تقصير لا بد من تحميل مسؤوليته لمن هو على رأس هرم أعلى سلطة إدارية داخل المحافظة.
وكان خروج محافظ نينوى إلى الدوائر الخدمية وتوبيخ العاملين فيها أمام الكاميرات في مشاهد عدها البعض مهينة وخارج السياقات القانونية أو حتى العرفية، واعتبرها متابعون أنها استعراض عضلات ودعاية إعلامية على حساب كرامة الآخرين، فعلق الناشط عبد العليم الجنابي مخاطبا المحافظ: “إنك تستخدم القانون في إطار بعيد عن الصلاحيات المخول بها! ألم تجد نفسك استخدمت القانون لإهانة الإنسان الذي أفنى سنين من عمره في خدمة الناس؟ كان عليك تذكيرهم بطريقة أخلاقية بعيدة عن الكاميرات تليق بك كمحافظ من أجل إصلاح ما تراه نقصا في محافظتك، ولذلك ستجد في المستقبل هناك من يتطاول على الموظفين بكافة صنوفهم من خلال الفيديو المخزي الذي أسقطك في نظري ونظر كل من يحترم عمله”.
مشكلة اللهجة
في سياق ليس ببعيد عن الحادثة، قال أستاذ علم النفس صلاح الطائي وهو يجيب عن سؤالنا عن الأسباب التي يراها وراء دوافع بعض المهاجمين والمدافعين عن محافظ نينوى: “مشكلة التقسيم على أساس المدينة والريف وعلى أساس اللهجة هي مشكلة قديمة جديدة داخل مدينة الموصل، وقد كانت في الماضي أشد وأكثر، خصوصا في الفترات التي كانت فيها الأرياف بعيدة نوعا ما عن العلم والتعليم وتفشي الجهل داخلها، وصعوبة الانتقال إلى المدينة أو السفر إليها، لكنها قلت وبشكل كبير منذ الثمانينات وإقبال أبناء الريف بشكل كبير جدا على التعليم، وسهولة وسائل النقل، والهجرة من الريف إلى المدينة، والاختلاط الذي حصل داخل الجامعات، جميعها قللت ظاهرة التمايز على أساس السكن أو اللهجة، لكن هذه الظاهرة نراها تطل برأسها مع كل حادثة، وتتغذى على كل واقعة ذات علاقة”.
مختصون في الشأن الموصلي قالوا أن وسائل التواصل الاجتماعي وبسبب البطالة المستشرية صارت تنبش في كل موضوع ولو كان صغيرا وتعيد إنتاج كل الأفكار والتفاهات التي عفا عليها الزمن، خصوصا وأن الإنسان في العالم الافتراضي يكون متحررا من بعض القيود المفروضة عليه في الواقع الحقيقي، فيقول فيها ما يراه محرما في حاضره، وقالوا أن أغلب القضايا الصغيرة أمست تكبر فوق حجمها الطبيعي بسبب النفخ المستمر فيها على وسائل الميديا، وحذر أولئك المراقبين من تفشي هذه الظاهرة وخطرها على النسيج المجتمعي المهترئ أصلا بفعل كل القضايا الأخرى.