جائحة كورونا تكشف ضعف النظام الصحي في العراق

خالد الخليل
حجم الخط
0

بدا النظام الصحي في العراق خلال الأشهر الفائتة ضعيفا وأحيانا عاجزا أمام تفشي فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة النوع 2 (SARS-CoV-2). وظهر هذا من خلال عجز وزارة الصحة عن توفير أماكن مخصصة لحجر الحالات المشتبه بإصابتها أو لمعالجة المصابين، وكذلك عدم قدرتها على سد النقص الكبير في أسطوانات الأوكسجين والمعقمات والكِمَامَات والأَسِرَّة، فضلا عن التضارب في نتائج الفحوصات بين المحافظات والعاصمة بين سالبة وموجبة لنفس الأشخاص.

“استيقظت صباح أحد الأيام على ارتفاع كبير في درجة حرارتي مع سعال جاف وفقدان في الشهية ونحول عام، دخلتُ الإنترنت مباشرة وبحثت عن أعراض مرض كورونا فوجدت أني أعاني من أغلب أعراض المرض، توجهت مباشرة إلى مستشفى ابن سينا لغرض إجراء فحوصات للتأكد من حالتي، فأخذوا مسحة مني وطلبوا مني المغادرة وحجر نفسي داخل المنزل لحين ظهور نتيجة الفحص، وبعد ثلاثة أيام اتصلوا بي من داخل المستشفى وقالوا إن نتيجة الفحص إيجابية، وأنه يتوجب عليَّ التوجه للمستشفى لغرض حجري”. بهيج خيرالدين (36 عاما) متحدثا عن إصابته بفيروس كورونا، ثم يكمل بهيج حديثه عن تجربته في الحجر الصحي التي وصفها بالأيام العصيبة التي لن ينساها، ويقول: “خضعت للحجر الصحي في ردهة مكتظة بالمرضى، ولم يجد بعض المرضى أسرة ينامون عليها، ما اضطرّهم لافتراش الأرض، كما شاهدت بعض المرضى يكادون يختنقون من ضيق النفس إذ لم يُوَفَّر لهم أوكسجين لقلة عدد أجهزة التنفس”.

عيوب كبيرة كشفتها جائحة كورونا في أعلى هرم طبي في البلد، حيث وقفت وزارة الصحة عاجزة في بعض الأحيان أمام نقص أماكن الحجر لمنع انتشار المرض، وقلة أسطوانات الأوكسجين لمساعدة المرضى على التنفس. ووصل الأمر إلى اتهامات بين المحافظات باستيلاء محافظة على حصة أخرى من أسطوانات الأوكسجين، فقد اتهم محافظ واسط محمد جميل المياحي إدارة مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار جنوب بغداد بالاستيلاء على حصة المحافظة من الأوكسجين المخصص للمصابين بفيروس كورونا، وقال المحافظ في تصريح صحافي: “اليوم حدث شيء لا يمكن أن يحدث في دولة ولا حتى دويلة، كانت هناك حصة أوكسجين محملة في صهريج لمحافظة ذي قار وواسط مناصفة، وهذه الحصة تغطي يوم واحد فقط. وكان يفترض أنها تصل لمستشفى الزهراء بعد فجر اليوم، وبعد انتظار واتصالات تبين أن الإخوة في الناصرية أجبروا سائق الصهريج أن يُفرّغ كل الحمولة من الأوكسجين في مستشفى الحسين في الناصرية”.

ويربط كثير من المهتمين بالشأن العراقي بين هذا الضعف أو العجز الصحي في العراق في مواجهة الجائحة وبين الفساد المالي والإداري المستشري في البلاد منذ 2003 والذي نخر مؤسسات الدولة نخراً، ولم تكن وزارة الصحة العراقية استثناءً من هذا الفساد، إذ لم تكن تمثل هذه الوزارة لكل من استلمها سوى مصدر دخل لملء جيوبهم وتمويل أحزابهم واستقطاب مزيد من الأتباع والمريدين، عن طريق توظيف أولئك في قطاع يعاني أصلا من التضخم والترهل، غير مبالين إن كانت أفعالهم هذه على حساب صحة الناس وحياتهم. وكان عهد الوزيرة عديلة حمود مليئا بالاتهامات ضد وزارتها بالفساد، وأبرزها فضيحة شراء أجهزة غسيل الكلى التي ذكرها النائب جواد الموسوي، فضلا عن صفقة الأحذية الطبية اللاتي كلفن ملايين الدولارات. وفي هذا الإطار، يقول عضو البرلمان رعد المكصوصي، لأحد الصحف، “الحكومات بعد عام 2003 انشغلت بصفقات الفساد واختلاس الأموال وأهملت القطاع الصحي. وبالتالي، فإن أزمة كورونا فضحت كل الفساد السابق، الذي كان الشعب العراقي يسمع عنه ولا يراه. الآن، باتت الأمور أكثر وضوحاً بعدما بات مصابو كورونا من دون مستشفيات”.

مستشفيات الموصل

وتحدّث الدكتور قتيبة المولى أحد كوادر مستشفى السلام أيسر الموصل لـ”القدس العربي” عن النقص الذي تعاني منه محافظة نينوى في المستشفيات والمختبرات والمعدات الطبية، وقال إنه “على الرغم من الدمار الهائل الذي تعرضت له المؤسسات الصحية في المحافظة خلال المعارك ضد تنظيم الدولة، إلا أن التعامل الحكومي مع الحدث بعد الحرب لم يكن حتى بالحد الأدنى” مبينا أن “المعالجة الحكومية اقتصرت على ترميم أجزاء بسيطة من المؤسسات المهدمة” وأضاف، “اليوم ومع ما يمكن أن أسمّيه بـ (الانفجار) في معدلات الإصابات اليومية داخل محافظة نينوى، أقول أن القطاع الصحي في محافظتنا يعاني من شلل شبه تام ويقف عاجزا أمام الانتشار السريع للفيروس، إذ نعاني من نقص في أماكن الحجر والمعالجة، وفي المعقمات والكمامات، وحتى في الكوادر الطبية رغم وجود مئات الخريجين من الكليات الطبية للعام الماضي الذين لم يتم توظيفهم مركزيا كما جرت العادة” وختم كلامه قائلا، “مؤسساتنا الصحية بحكم المغلقة بوجه المرضى الذين يتم إرجاعهم من الأبواب لامتلاء كافة الأماكن المخصصة للحجر، ما اضطر الناس للبقاء في بيوتهم وحجر أنفسهم تاركين الأمر لله أولا ثم لمناعة أجسادهم غير مبالين باحتمالية انتقال العدوى لأقربائهم ومحبيهم”.

زرنا عبد العظيم أحمد في بيته في حي البكر أيسر الموصل، فاستقبلنا وهو يغطي فاهُ بالشماغ العراقي في دلالة تقليدية على الحزن الجديد، وسألناه عن ظروف وفاة والده بفيروس كورونا ورَفْض المستشفى استقباله، فقال متحسرا “والدي يعاني من ضيق في التنفس وأمراض مزمنة رغم أنه غير متقدم في العمر، وكنا نخشى عليه من الإصابة بالفيروس، لكن ورغم حذرنا وعزله عن المحيط الخارجي ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، التقط الفيروس من صديق له زاره قبيل عيد الأضحى، ولم يكن ذلك الصديق وقتها يعاني من أيّة أعراض. بدأ الوالد أول أيام العيد يشكو من صعوبة في التنفس وفقدان للشهية، فنقلناه مباشرة إلى مستشفى السلام التي رفضت استقباله لعدم وجود مكان وامتلاء الجزء المخصص لحجر مصابي كورونا، ثم أخذناه لمستشفى ابن سينا، التي لم توفّر للمرضى أجهزة تنفس دائمية، بل كانت الأجهزة تتنقّل بين المرضى، فتُوفّي والدي نتيجة ضيق التنفس بعد غياب جهاز التنفس عنه لأكثر من أربع ساعات”. ربما حالة والد عبد العظيم تمثل نموذجا يمكن تعميمه على أغلب الحالات التي التقينا بها، والتي كانت تشكو جميعها من نقص الخدمات الطبية ومطالبة الناس بحجر أنفسهم في بيوتهم.

لأجل هذا، أطلق ناشطون موصليون حملة على وسائل التواصل الاجتماعي تحت وسم “#مستشفيات_الموصل_يالكاظمي” تطالب بإعادة إعمار مستشفيات الموصل التي دمرتها الحرب وبناء أخرى جديدة، وأرفق الناشطون تغريداتهم بصور ومقاطع فيديو تظهر دمارا كبيرا في أغلب المؤسسات الصحية الرئيسة داخل المدينة رغم مرور ثلاث سنوات على وضع الحرب أوزارها، وكتب الباحث والصحافي العراقي، محمود النجار، وهو صاحب الوسم، قائلا: “مدينة الموصل كانت تحتوي على 6 مراكز طبية متخصصة و16 مشفىً حكوميا بسعة 4600 سرير قبل حزيران/يونيو 2014 لكن قُصفت 80 في المئة منها، أما عدد الأسرة فقد انخفض بعد الحرب إلى 1700 سرير مخصصة لـ3.7 ملايين مواطن، هم قوام سكان محافظة نينوى” وأضاف “دمّرت الحرب ضد داعش 9 مستشفيات من أصل 10 في مدينة الموصل بساحليها الشرقي والغربي، في الوقت الذي نُهبت مراكز صحية أو أُحرقت بواقع 76 مركزاً صحياً من أصل 98 نحدثكم عن مدينة كانت ضحية تاريخية، فهل نجد مناصرين، أم ستموت قضايانا وتضيع حقوق البشر”، وختم تغريداته بسؤال عام، “هل يعقل أن يعيش 4 ملايين إنسان بلا مستشفى ولا دواء في مدينة الموصل، ثاني أكبر محافظة اقتصادياً وحضارياً في بلد مثل العراق، والذي يملك خامس أكبر احتياطي نفطي في العال، ما ذنب العراقيين كي يموتون، أبسبب الحروب والصراعات، أم بسبب المعاناة والأزمات؟”.

معدّل الإصابات يتصاعد

منذ الكشف عن أول حالة مصابة بفيروس كورونا لطالب دين إيراني في مدينة النجف جنوب العراق تصاعدت حالات الإصابة بشكل مطّرد حتى تجاوزت الـ 150,000 إلى وقت كتابة التقرير. وما زال العراق يشهد ارتفاعا متسارعا في عدد الإصابات اليومي، الأمر الذي يشكّل مزيدا من الضغط والإرباك على وزارة الصحة، هذا وتحاول الكوادر الصحية المتمثلة بالفرق الجوالة مواصلة عملها داخل المدن والأحياء السكنية لفحص المصابين وتطويق الفيروس وحجر أولئك المحتاجين للعناية القصوى.

ويقول مواطنون متضررون من سوء خدمات المؤسسة الصحية الحالية إن أغلب المؤسسات الصحية وبمختلف أشكالها تم إنشاؤها في سبعينيات القرن الماضي وأقدم من ذلك، واكتفت حكومات ما بعد الاحتلال الأمريكي بترميمات بسيطة على تلك البنايات القديمة وأخذت مقابلها أموالا تكفي لبناء عشرات المؤسسات الصحية الضخمة ومن الصفر. وظهر هذا النقص في المؤسسات الصحية بشكل جلي خلال أزمة كورونا. وفي هذا الصدد، قال عضو لجنة الصحة في البرلمان العراقي، جواد الموسوي، في مؤتمر صحافي، إن “الواقع الصحي في العراق، ومنذ أكثر من 10 سنوات، يتجه من سيئ إلى أسوأ” مبيناً أن “الفساد منتشر في مختلف الوزارات العراقية، وقد خصصت أموال كثيرة لبناء المستشفيات في مختلف المحافظات، إلا أن أكثر من 50 في المئة من تلك الأموال تُهدَر من جراء الفساد، وهذا مثبت بالوثائق التي أرسلناها إلى هيئة النزاهة والمجلس الأعلى لمكافحة الفساد”.

هذا النقص، جعل وزارة الصحة تلجأ إلى استخدام مبانٍ تبرّع بها مواطنون كأماكن حجر مؤقتة لعزل ومعالجة المصابين بكورنا، وأعلنت سابقا وزارة الصحة أنها ستستخدم معرض بغداد الدولي البالغة مساحته خمسة كيلومترات مربعة كمكان للحجر، وقال وزير الصحة حسن التميمي، في بيان، إن “العمل مستمر في تهيئة وتجهيز مراكز لعزل المصابين بفيروس كورونا، بعد استثمار قاعات في معرض بغداد الدولي من أجل تقليل الازدحام في المستشفيات العامة، والاستمرار في تقديم الخدمات لباقي المرضى، وتوفير الانسيابية في استقبال الحالات المشتبه بها”.

“الحلول تكمن في حكومة عراقية قوية قادرة على تشخيص أماكن الفساد ومحاربة ومحاسبة الفاسدين مهما كانت مناصبهم، لتخليص البلد من دوامة الفقر والتخبط التي يعيشها منذ 2003 ومثل هذه الحكومة إن وُجِدت؛ ستحظى بدعم شعبي كبير، ذلك أن الأموال المرصودة لكل الوزارات العراقية تكفي لحل كل المشاكل وبأوقات قياسية، لكنها حاليا تذهب لجيوب حيتان الفساد التي لا ترقب في الشعب إِلّاً ولا ذِمّة”. هكذا يرى الحل فايز المحمدي، مدير مدرسة من محافظة الأنبار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية