قانون العفو العام في العراق: آمال معتقلين ومخاوف سلطات وأحقاد ميليشيات

خالد الخليل
حجم الخط
0

تكتظّ السجون العراقية بحوالي 75 ألف معتقل ومعتقلة حسب تقديرات منظمات حقوقية، يعيشون ظروفا إنسانية صعبة في 13 سجنا حكوميا تفتقر لأدنى مقوّمات ومتطلّبات الرعاية الصحّية اللازمة، فضلا عن أرقام أخرى غير محدّدة من المُغيّبين في عشرات السجون السرّية التي تديرها ميليشيات تدين بالولاء للحشد الشعبي.

يُمَنّي هؤلاء المعتقلون أنفسهم بصدق الأخبار التي يسمعونها عن إمكانية إقرار قانون عفو عام جديد يختلف عن سابقه المُقَر في العام 2016 الذي لم يستفد منه- بحسب بعض الأطراف- غير الفاسدين وسُرّاق المال العام وفئات قليلة أخرى، بينما أهمل الغالبية العامة الذين أودعهم قانون 4/إرهاب السجون.

ويُصنَّف هؤلاء المعتقلون بأن غالبيتهم من مكوّن واحد وطائفة بعينها، تم الزجّ بهم تحت طائلة قانون 4/إرهاب سيِّئ الصيت الذي بدأ العمل به منذ العام 2003 إما بسبب مقاومتهم للمحتل الأمريكي وانخراطهم فيما عُرِف حينها بفصائل المقاومة، أو نتيجة لوشايات المخبر السرّي الذي أُدخِل السجنَ بسببه آلافُ الأبرياء؛ ولذلك يُطالب كثيرون بضرورة تشريع قانون عفو عام يشمل أكبر عدد من المعتقلين، خصوصا أولئك المحكومين أو الموقفين تحت الفقرة 4/إرهاب لأنهم يمثّلون الفئة الأكبر داخل السجون، والأكثر مظلومية، ذلك أن محاكماتهم تمّت بوشايات كاذبة ذات أبعاد طائفية أو عداوات عشائرية أو منافع شخصية، وأن اعترافات باطلة انتُزِعت من غالبيتهم تحت الإكراه والتعذيب.

إلى ذلك، ورغم وجود من يطالب بتمرير قانون العفو العام لإخراج آلاف الأبرياء الذين يئنّون بصمت خلف القضبان، بعد أن سُلِبت حرّياتهم ظلما، وأُبعِدوا عن عوائلهم، وعَمَلِ مصالحة مجتمعية هدفها تخفيف العداوات والخصومات الاجتماعية التي أنشأها وضع ما بعد 2003 وإعادة نسج العلاقات المجتمعية من خلال رمي الأحقاد والثارات جانبا، وتغليب منطق العفو والصفح، فضلا عن الأبعاد الإنسانية الكبيرة المُتَجسِّدة في ذلك القانون فيما لو تم تشريعه، إلّا هناك من يعارض مثل هكذا قوانين زاعما أن لها آثارا أمنية واجتماعية خطيرة يصعب احتواؤها وتدارك مضاعفاتها، وستؤدي حتما إلى إرباك أمن المجتمع العراقي وضياع التضحيات التي قدمتها القوات العراقية حسب قولهم، رافضين إرسال أي رسالة خاطئة للإرهابيين وسارقي أموال الدولة بأنهم قد يفلتون من العقاب، لأن ذلك يعني صورة مهزوزة للدولة، ومظنّة قوانين غير صارمة ولا رادعة لأولئك العابثين بأمنها ومالها.

مطالبات بتعديل قانون العفو رقم 27

بين الحين والآخر ينظم أهالي المعتقلين وقفات في مختلف محافظات الوسط للتذكير بمصير أبنائهم في السجون، وللضغط على الكتل السنّية للدفع باتجاه إيجاد حل لقضية المعتقلين وتخليصهم من عذابات السجون. “القدس العربي” حضرت تجمعا لعشيرة اللهيب في قضاء الشرقاط التابع لمحافظة صلاح الدين نظّمته لإدانة الحكم على أحد أبنائها بـ (95) سنة رغم براءته، وقالت والدة المعتقل لـ”القدس العربي” إن “ولدها بريء، وأنه ظُلم بهذا الحكم الجائر” وأضافت، “لم ينتمِ ابني لأي جماعة، ولم يقتل أحدا، لكنه اضطرّ تحت التعذيب للاعتراف زورا على نفسه” وناشدت أهل النخوة والغيرة للمساعدة في إطلاق سراح ولدها.

لأجل هذا، طالب عدد من النواب السُّنَّة بإضافة تعديلات جوهرية لقانون العفو الخاص الصادر عام 2016 الذي وصفوه بالانتقائي في تطبيقه على مكوّن دون مكوّن، إذ لم يستفد من ذلك القانون -حسب قولهم- سوى معتقلي التيار الصدري الذين خرجوا بالجملة، وكذلك أولئك المحكومين بقضايا فساد وسرقة أموال الدولة، فقد اشترط القانون إعادة الأموال المسروقة كشرط لإخلاء سبيل المذنب. النائبة وحدة الجميلي قالت في تصريحات سابقة لـ “القدس العربي” إن “قانون العفو العام سيظل يراوح مكانه ولن يرى النور، وذلك لعدم حصول الاتفاق بين الكتل حول أغلب فقراته”. وأشارت إلى وجود “خلاف حول صياغة المادة التاسعة من قانون العفو” وتابعت، “هناك جهات سياسية تضغط باتجاه عدم تمريره حتى لا يخدم سجناء العرب السُنّة، ونحن كنواب ممثلين عن السُنّة نجد صعوبات داخل البرلمان بإقرار أي قوانين تخدم المكون السُنّي”.

ونشر السياسي مشعان الجبوري في صفحته على فيسبوك مقترح تعديل على قانون العفو لعام 2016 قدّمه مع عدد من النواب إلى رئاسة مجلس النواب بغية المضي في تشريع هذا التعديل، وقال الجبوري “تابعت جبهة الإنقاذ والتنمية جهودها لتشريع تعديل قانون العفو كما وعدناكم، وقامت اللجنة القانونية بإقرار مسودة تعديل القانون التي تقدم بها الرئيس أسامة النجيفي ورفعتها إلى رئاسة مجلس النواب مقترحة المضي بتشريع تعديل قانون العفو” وأضاف “علينا جميعاً نحن وأنتم الضغط على رئاسة مجلس النواب لوضع القانون على جدول الأعمال لقراءته وثم مطالبة نوابكم بالمضي في التصويت عليه”.

ولعل أهم ما جاء في هذا التعديل المُذيّل بتوقيع رئيس مجلس النواب السابق أسامة النجيفي هو تعريف الجريمة الإرهابية، إذ هي بحسب التعديل المقترح “تلك الجريمة التي ينشأ عنها قتل أو عاهة مستديمة، وجريمة محاربة القوات المسلحة العراقية، وجريمة تخريب مؤسسات الدولة”. وحسب هذا التعريف الواضح فإن عددا كبيرا من المعتقلين سيشملهم القانون ويعيد الأمل لعوائلهم، وينهي معاناتهم الأليمة. ويخفف كذلك من الأعداد المهولة التي تكتظ بها السجون فوق طاقتها الاستيعابية، والتي صارت مرتعا لانتشار الأمراض ومكانا لتعلّم الجريمة. واختتم التعديل المقترح بذكر الأسباب الموجبة لاقتراحه، فبيّن أنّه وُضِع “بغية إتاحة الفرص للمتهمين والمحكومين العراقيين لإعادة الاندماج بالمجتمع، ولإشاعة روح التسامح، وإصلاحهم في المجتمع، وتخفيض العقوبة لغير المشمولين بهذه الأحكام، واحتساب مدة التوقيف عن الدعاوى التي تم إيداعه التوقيف عنها، ولغرض شمول عدد أوسع من المحكومين باستبدال العقوبة بالغرامة”.

اعتراضات على القانون

اصطدمت مقترحات العفو المقدّمة للبرلمان بحائط اعتراضات، ولاقت العديد من الانتقادات، بسبب ما وُصِف بالأخطار على الملف الأمني التي يُمكن أن تنتج في حال إقرار هذا القانون، وقيل إنه سيُضعِف هيبة الدولة أمام الجماعات الخارجة عن القانون والفاسدين. الصحافي أحمد الأسدي في حوار مع “القدس العربي” لَخَّص مخاوف المعترضين على القانون في “احتمالية استفادة كثير من الإرهابيين من العفو وخروجهم من السجون وبالتالي إرباك الوضع الأمني الهش أصلا” وتابع، “سيفهم الإرهابيون والفاسدون أنهم ربما ينجون بكل ما اقترفته أيديهم ضد أرواح وأموال الشعب العراقي، وأن الإفلات من العقاب ممكنٌ مهما بلغ حجم جرائمهم، وفي هذا إضعاف لهيبة الدولة المهزوزة أصلا” وزعم أن “المطالبين بالقانون لا يدركون العواقب الخطيرة التي سيجترّها المجتمع العراقي، ولا يعون معنى ضياع التضحيات الكبيرة التي قدمها الشعب العراقي وقواتُه الأمنية على مدار سنواتِ الحربِ الشعواء ضد الإرهاب والفساد”.

الناشط خالد العيساوي ردّ على هذه المخاوف ووصفها بالادّعاءات والحجج والتبريرات التي تُغَطّى بها الدوافع الطائفية الحقيقية وراء رفض أي قانون يُمكن من خلاله خروج آلاف المعتقلين السُّنَّة الذين قضوا زهرة أعمارهم في سجون تفتقر إلى أدنى المقوّمات والمتطلّبات الإنسانية، وقال: “إنّهم يخلطون دائما في حديثهم عن السجون بين الإرهاب والفساد، ليُصَوِّرون للناس أن السجون ملأى بالفاسدين، بينما الفاسدون يسرحون في دوائر ومفاصل الدولة وينخرون أموال الشعب كدودة الخشب، ومن يُسجن من الفاسدين تُشرّع له قوانين كفيلة بإخراجه كما حصل في العفو الخاص عام 2016 الذي لم يُبقِ فاسدا في سجن”. وسَخِر العيساوي من العزف على مصطلح (إضعاف هيبة الدولة) قائلا “وأيَّ هيبة أبقتِ الميليشيات للدولة وهي التي تغتال الناشطين، وتختطف المعارضين، وتطلق النيران على المتظاهرين، وتستحوذ على أغلب المشاريع والمقاولات التي تستنزف ميزانية الدولة ذلك أن الفساد مُعشعشٌ فيها، إنهم دويلات أخرى لا علاقة لها بالدولة التلفزيونية الحالية، لا يخضعون لقانون ولا يعترفون بدستور” وختم بالتذكير بأن “السجناء الذين نتحدث عنهم هم في غالبيتهم أبرياء لم ينتموا يوما لجماعة، ولم يرتكبوا جريمة، ولم يخرقوا قانونا، بشهادة عشائرهم ومناطقهم التي ما تفتأ وقفاتُها للتذكير ببراءة أبنائها وعِظَمِ مظلوميّتهم”.

مقاتلو “داعش”

نقاشات حادة تدور داخل أروقة الكتل السنّية عن إمكانية شمول بعض مقاتلي “داعش” الذين لم يحملوا السلاح ولم يقاتلوا القوات الأمنية بقانون العفو المقترح، خصوصا أولئك الذين عملوا في القطاعات المدنية كالكهرباء والبلدية والماء والتعليم وأشباهها. وكانت أغلب الآراء على ضرورة شمول الجميع بغض النظر عن الجهة أو الجماعة التي انتمى لها، شريطة عدم تسبّبه بقتل أو عاهة مستديمة، ولا كان ممن قاتل القوات العراقية أو شارك في تخريب مؤسسات الدولة. وهذا ما أكّد عليه مقترح التعديل على قانون العفو رقم 27 الذي قدّمته جبهة الإنقاذ والتنمية، إذ عرّفت الجريمة الإرهابية بأنها “تلك الجريمة التي ينشأ عنها قتل أو عاهة مستديمة، وجريمة محاربة القوات المسلحة العراقية، وجريمة تخريب مؤسسات الدولة”. وغضّت النظر عن قضية مجرّد الانتماء لجماعة مسلّحة التي يُحاكم عليها القانون حاليا بالسجن المؤبد، ولو ثبت أن ذلك المنتمي لم يرتكب أي جريمة عينيّة.

وفي هذا الصدد، قال الخبير القانوني طارق حرب خلال حوار له على إحدى القنوات الفضائية أن “أي قانون عفو يتجاهل معتقلي داعش من المغرّر بهم والأطفال والذين عملوا في الوظائف المدنية داخل التنظيم فسيكون قانونا ضعيفا لا يلبّي الأعداد المرجو إخراجها من السجون”. وحول نفس الموضوع قال الشيخ محمود الدليمي لـ”القدس العربي” “يحتاج قانون العفو العام إلى شجاعة وجدية في إقراره، ويرجى منه الأخذ بالاعتبار إلى أن إبقاء هذه الأعداد الكبيرة من الشباب داخل السجون يعني القضاء على تطلعاتهم ومستقبلهم وتدمير عوائل تنتظرهم، خاصة وإن غالبيتهم لم يكونوا من أصحاب السوابق” وأضاف، “نحن كشيوخ عشائر نعرف أن كثيرين انخرطوا في صفوف بعض الجماعات المسلّحة بسبب ظلم وحيف تعرضوا له على يد القوات الأمنية في عهد المالكي، أو لأسباب مادية، أو تم التغرير بهم” واقترح “إخراجهم من السجون تحت بند الإبقاء على العقوبة مع إيقاف التنفيذ لإعطاء فترة اختبار وإصلاح للمذنب لمراجعة نفسه”.

حملات ضغط إعلامية

بدأ ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي منذ فترة بتنظيم حملات بين الحين والآخر للتذكير بقضية المعتقلين ولزوم حلّها، وأطلقوا عدّة وسوم على موقع تويتر شاركها الآلاف تطالب بإطلاق سراح الأبرياء والمظلومين. الكاتب والباحث مجاهد الطائي شارك في الحملة تحت وسم “#السجون_العراقية” ونقل عن ‏الباحثة في جامعة هارفارد فيرا مايرونوفا قولها: “السجون العراقية ملأى بمتّهمين بالانتماء إلى داعش، وهناك أكثر من 400 سجن سري في ‎العراق، تجهل الحكومة مواقع أغلبها، لأنها تابعة (للفصائل المسلحة) يأتي ذلك بينما يشكل النظام القضائي العراقي وأحوال السجناء مصدر قلق لمنظمات حقوق الإنسان في العالم”. وتحت نفس الوسم نقل الصحافي عمر الجمال قصة معتقل عراقي دخل السجن وعمره 19 ثم خرج في عمر الثلاثين بعد عدم ثبوت أدلّة ضدّه، وأتبع تغريدته بعلامات تعجب وتعابير استغراب وحزن.

وفي الموضوع نفسه، شاركت قنوات فضائية في هذه الحملات من خلال إعداد عشرات التقارير والبرامج التي تهدف للضغط على الحكومة والبرلمان للخروج بصيغة قانونية يُمكن من خلالها إعادة الحرية لآلاف المسجونين.

السياسي مشعان الجبوري كان على رأس تلك الحملات المطالبة بإقرار قانون عفو عام يقضي بإعادة الأمل لآلاف العوائل، وهو الذي بشّر بتقديم مقترح التعديل على قانون العفو المُقدّم للبرلمان. وبجانب هذا، لم تتوقف الوقفات التي ينظمها أهالي المعتقلين في كل مكان ومناسبة للمطالبة بإطلاق سراح أبنائهم

فرص إقرار العفو

يرى كثيرون استحالة إقرار أو تمرير قانون عفو عام في ظل البرلمان الحالي الذي تسيطر عليه الأحزاب الإسلامية الموالية لإيران، إذ هي ترفض مثل هكذا قوانين بدوافع طائفية ومنفعية، فالسجون اليوم تُعتبر مصدر دخل مهم لتلك الأحزاب المسؤولة عن إدارة السجون، والتي تأخذ مبالغ كبيرة لقاء كل يوم يقضيه السجين داخل المعتقل، بينما لا تنفق عليه إلا عُشر المبلغ المأخوذ. فضلا عن هذا فإن الميليشيات باتت اليوم تستخدم الاعتقال كوسائل ضغط على سكان بعض المناطق لإجبارهم على تركها وعمل تغيير ديموغرافي فيها كما يحصل في مناطق حزام بغداد وديالى وسهل نينوى ومناطق أخرى.

إذن؛ لا أمل من قانون عفو عام -بحسب متابعين- في ظل برلمان تسيطر عليه جهة واحدة وحكومة ضعيفة أمام ميليشيات منفلتة، وعلى الراغبين بإقرار قانون العفو العام انتظار ما ستفرزه الانتخابات المقبلة وإمكانية تراجع نفوذ الجناح الموالي لإيران داخل البرلمان الرافض بشكل مطلق مثل هكذا قوانين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية