ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بخبر اعتقال المدعو “شفاء النعمة” في حي المنصور أيمن الموصل ليلة الرابع عشر من شهر كانون الثاني/يناير الماضي، وبات الكل يردد أن المقبوض عليه كان “مفتياً” لتنظيم “الدولة” أيام سيطرته على المدينة، واتهموه بالمسؤولية عن فتاوى قتل الناس، وإعدام مخالفي التنظيم، وهدم المساجد، وتهجير الأقليات، وغيرها من الأعمال الدموية التي حصلت في تلك الحقبة. فما حقيقة هذه الاتهامات؟ وهل كان النعمة مفتي تنظيم الدولة؟ وهل أفتى بقتل الناس؟ وهل أمر بهدم المرقد المفترض للنبي يونس؟
توجهنا بداية إلى المنطقة التي اعتُقل فيها “شفاء النعمة” وحاولنا الحديث مع أصحاب الدار التي تم إلقاء القبض على النعمة فيها، لكنهم رفضوا، ثم وافق أحد الجيران على الحديث معنا بهذا الخصوص، فقال أبو أحمد 46 عاما: “في الساعة التاسعة ليلا من مساء يوم الخميس الموافق 14/1/2020 جاءت سيارة عسكرية عرفنا لاحقا أنها تابعة للأمن الوطني، وداهمت بيت جارنا أبو رحمة الذي يسكن في دار مستأجر وهو أحد أشقاء “شفاء النعمة” الثمانية (نزار علي بشير النعمة) ثم غادروا من دون أن يأخذوا أحدا، وبعد ساعة تقريبا جاءت سيارات سوداء من فوج سوات وداهمت البيت بصورة عنيفة، وحصل صراخ وضجة عالية، وسمعنا أصوات ضرب وتكسير، ثم رأينا رجلا بدينا يخرج من البيت وهو يتعرض للضرب الشديد على أيدي أفراد القوة المداهمة، ووضعوه في صندوق البيك آب المفتوح وغادروا من دون أن يأخذوا أي أحد معه”. ويتابع: “ذهبنا لبيت أبو رحمة بعد الحادثة فأخبرتنا زوجته أن المعتقل هو أخو زوجها ويدعى شفاء النعمة، وأن قوة الأمن الوطني التي جاءت قبل قوة سوات رفضت اعتقاله بعد أن قاموا بإجراء اتصالات ببغداد، فتبيّن لهم عدم وجود اسم للمقصود في لائحة المطلوبين، كما لا توجد مذكرة اعتقال بحقه”. وعن اعتقال مستأجر الدار نزار النعمة، قال أبو أحمد: “في اليوم التالي جاء نزار أبو رحمة إلى بيته على دراجة نارية ليطمئن على عائلته كونه يعمل خارج البيت، فداهمت بيته قوة بعد دخوله مباشرة واعتقلته، وهو نفس الشخص الذي نشرت وسائل الإعلام صورته مع شقيقه شفاء”.
وللوقوف على حقيقة الادّعاءات التي جعلت من “شفاء النعمة” مفتياً لتنظيم “الدولة” وأحد رجاله المهمّين، وصنّفته على أنه من قادة الصف الأول، سألنا يونس خالد الموصلّي المختص بشؤون الجماعات الإسلامي، فأجابنا بالقول: “شفاء علي بشير النعمة هو من مواليد 1961 وعائلته من أشهر عوائل الموصل، أنهى دراسته الابتدائية والإعدادية في الموصل، وتوجه بداية الثمانينيات إلى السعودية، ودخل جامعتها الإسلامية في المدينة المنورة، ودرس تحت عدد من المشايخ هناك، ثم عاد إلى العراق نهاية عام 1984 وبدأ بنشر الفكر السلفي في محافظة نينوى، ولاقى حينها قبولا كبيرا، فتعرض بسبب ذلك لملاحقات شديدة من نظام البعث في العراق، وأدت في الأخير لاعتقال عدد من المقربين إليه، ثم انتهت باختفائه عن الأنظار حتى سقوط النظام عام 2003”. وأردف: “أنشأ النعمة بعد العام 2003 مدرسة إمام المتقين بالقرب من جامع الشهيد مازن في حي المصارف أيسر الموصل، ووضع فيها أشهر دعاة التيار السلفي، وكان لهذه المدرسة صدى واسعا داخل الموصل”. وحسب يونس فإنه “لم تكن توجد أي صلات تربط شفاء النعمة مع تنظيم الدولة قبل العام 2014 لكن مع اجتياح التنظيم المدينة بداية صيف 2014 وجد النعمة نفسه أمام واقع مربك، إذ هو لم يكن يتبنى تغيير المجتمعات بالطرق العنيفة، وكان ملتزما جانب الدعوة والوعظ وطريقة التغيير البطيء الناجعة حسب توصيفه” وأشار يونس إلى أن “النعمة حاول أن يلتزم الصمت والاعتزال لحين ثبات الأمور، لكن انضمام بعض رموز مدرسة إمام المتقين إلى تنظيم الدولة خلط الأوراق وأربك كل المحسوبين على المدرسة”.
وقال أيضا إن “النعمة صار حينها تحت ضغط شديد بعد توالي الوفود التي يرسلها تنظيم الدولة لإجباره على إبداء موقف تجاه الواقع الجديد، وكانت الوفود على أعلى المستويات، ترأّس أحدها المصري الألماني رضا صيام المعروف بـ(ذو القرنين) والذي تولى إمارة ديوان التعليم الذي أنشأه التنظيم حينها”. وحسب يونس فإن “النعمة وافق عام 2014 على إعلان بيعة للتنظيم بشروط، كان أبرزها: الرفق بالناس، والتعامل الحسن معهم، وتوجيه البوصلة نحو خلاص أهل السنة من الطوق الإيراني”. وختم يونس كلامه: “استغل التنظيم اسم الشيخ شفاء النعمة لاستقطاب أعداد كبيرة من مئات الطلبة الذي درسوا أو كانوا يدرسون في مدرسة إمام المتقين الشهيرة التي أنشأها النعمة، ثم جرّدوه من أي منصب أو صلاحية، فانتهى به الأمر معارضا لممارسات التنظيم غير المبررة بحق الناس، وخصوصا تلك الصادرة من ديواني الأمن والحسبة، وكذلك قَطْع مادة الطحين عن الناس، وهي المادة الوحيدة المتبقية من مفردات الحصة التموينية، فضلا عن اعتقال عدد من مشايخ الموصل الدينيين وإخفائهم قسريا، فتم طرده من التنظيم وحظره من أي نشاطات دينية أو دعوية، وظل على قطيعة مطلقة وعزلة تامة حتى انهيار التنظيم وسط مدينة الموصل في صيف عام 2017”.
وتحدث أحد طلبة شفاء النعمة لـ”القدس العربي” طالبا عدم الكشف عن اسمه لدواع أمنية وفضل أن نناديه باسم (أبو عثمان) فقال: “لم يتقلد الشيخ شفاء النعمة أي منصب أو مكان داخل الهيكل الشرعي لتنظيم الدولة، ولم يقم بأي نشاطات سوى تدريس مواد تتعلق بالفقه الإسلامي في معهده في حي المثنى أيسر الموصل ولأشهر معدودة، قبل أن يعلو صوت الشيخ معترضا على بعض ممارسات تنظيم الدولة داخل الموصل وخارجها، وخصوصا قتل التائبين من عناصر الشرطة والجيش، وتهجير وقتل الأقليات، فقام القيادي المعروف داخل التنظيم أبو معتز القرشي بتجميده من كل النشاطات، وسجنه لعدة أيام، ثم خرج بشفاعة بشار الصميدعي وأبو أيوب العطار، ليُطرد لاحقا من صفوف التنظيم بحجة وجود شوائب في منهجه”. ونفى أبو عثمان أن يكون النعمة شغل منصب مفتي التنظيم، أو إعطائه أي أوامر بقتل أي شخص. وعن مسؤوليته عن تفجير مرقد النبي يونس الذي يقع على تلة التوبة أيسر الموصل، قال: “هذه مغالطة كبيرة، إذ تم تفجير جامع النبي يونس في صيف 2014 ولم يكن شفاء النعمة حينها مبايعا للتنظيم، ولا يملك أي تواصل معهم” وادّعى أن “النعمة أخبره حينها بعدم رضاه عن تفجير المرقد لأنه سيقلب الناس ضد من يقوم بهذا الفعل”. وعلّق أبو عثمان على الاعترافات التي نشرتها السلطات العراقية لشفاء النعمة والتي يذكر فيها مسؤوليته عن قتل الشيعة وسبي الإيزيديات بالقول: “هذه الاعترافات تحتوي على مغالطات كبيرة، واتهامات غير مسؤولة ولا مهنية، وتضليل للرأي العام، لكن يبدو أن السلطات العراقية تريد كبش فداء تحمله مسؤولية كل ما جرى لإخفاء الحقيقة وتبرير المسؤولين عما حصل بطريقة أو بأخرى”.
وأفادت خلية الإعلام الأمني العراقية على صفحتها في فيسبوك أن “فوج سوات التابع لقيادة شرطة نينوى وبناءً على معلومات دقيقة وبعد البحث والتحري والمتابعة المستمرة تمكن من إلقاء القبض على مفتي داعش شفاء النعمة، المكنى أبو عبد الباري”. كما أضافت أن “الإرهابي كان يعمل إماماً وخطيباً في عدد من جوامع المدينة، وقد عرف بخطبه المحرضة ضد القوات الأمنية، وكان يروج للفكر التكفيري المتطرف خلال فترة سيطرة داعش على مدينة الموصل”. وتابعت أن “أبو عبد الباري يعتبر من القياديين في الصف الأول لداعش وهو المسؤول عن إصدار الفتاوى الخاصة بإعدام عدد من العلماء ورجال الدين الذين امتنعوا عن مبايعة داعش”. وادّعت أنه كان “مسؤولاً عن إصدار فتوى لتفجير جامع النبي يونس، وقد تم القبض عليه في منطقة حي المنصور في الجانب الأيمن لمدينة الموصل”. وبجانب هذا، نشرت السلطات العراقية لاحقا ما قالت إنه اعترافات النعمة، والتي ادعى فيها المسؤولية عن فتاوى سبي الإيزيديات وقتل الشيعة واستباحة دماء القوات الأمنية العراقية.
وكانت عشرات القنوات والصفحات والمواقع قد تناقلت ذات المعلومات المذكورة في بيان خلية الإعلام الأمني من دون الاعتماد على أي مصادر أخرى، وهو ما أعطى شفاء النعمة مناصب لم يكن يشغلها أو حتى لم تكن موجودة ضمن الهيكل التنظيمي لتنظيم “الدولة” الإرهابي باتفاق جميع المختصين والمتابعين لشؤون التنظيم. حيث أكد الباحث الأردني حسن أبو هنية في لقاء على قناة “الجزيرة” عدم وجود أي منصب باسم مفتي أو مفتي عام داخل هيكلية تنظيم “الدولة” وقال إن “القرارات المفصلية تأتي عن طريق اللجنة المفوضة التي ترفعها لزعيم التنظيم ليعطي الموافقة أو الرفض عليها، ولا توجد قرارات مؤثرة مجتمعيا تصدر عن شخص واحد”. وهو ما حصل مع أحداث مهمة داخل الموصل كتفجير مرقد النبي يونس، وتصفية زعماء الجماعات المسلحة التي رفضت بيعة التنظيم. وسخر الناشط والمتابع لشؤون الجماعات الإسلامية حسن ياسين من اتهام النعمة بالمسؤولية عن إعدام الناس وإصدار فتاوى القتل، وقال إن “النعمة لم يشغل أي منصب قضائي داخل التنظيم، بل كانت فترة بقائه داخل صفوف التنظيم لا تتجاوز بضعة أشهر، فكيف له أن يقوم بإصدار فتاوى وتوجيه أحكام لا يملك صلاحية فعل ما هو أدنى منها بكثير؟”.
حاولنا التواصل مع معارف وجيران شفاء النعمة في حي المصارف أيسر الموصل لأخذ معلومات أكثر عن نشاطاته بعد عام 2014 فاستطعنا أن نتحدث لأبو مضر 63 عاما، يسكن قرب بيت النعمة، وكان يصلي في جامع الشهيد مازن حيث يخطب المذكور، فقال إن “هناك ثمانية إخوة لشفاء النعمة، ولم ينضم أي منهم لصفوف داعش، وتفاجأنا بالأخبار التي تتحدث عن أن نزار النعمة الذي تم القبض على الشيخ شفاء في بيته هو مسؤول في التنظيم، إذ أن الأهالي جميعا في منطقتنا يعرفون أن لا علاقة لنزار بداعش”. بينما كشف الحجي أبو حسين من حي المصارف، عن عداوة بين شفاء النعمة وعقيد ريان مسؤول فوج سوات نينوى الذي قام باعتقاله بعد أن تركته قوة الأمن الوطني، وأشار إلى أن “العقيد ريان يتهم النعمة وابنه بالتحريض على مصادرة منزله ومحتوياته أيام دخول التنظيم وسيطرته على الموصل”.
وعلى عكس الأخبار التي كانت تتحدث عن مقتل النعمة في معارك الموصل القديمة، تبيّن تواجده في منطقة تم طرد تنظيم “الدولة” منها قبل انتهاء المعارك داخل المدينة بخمسة أشهر، وهو ما يؤكد فرضية ترك النعمة للتنظيم ومقاطعته نهائيا حتى قبل بدء معارك استعادة الموصل، فلو كان قياديا، فلن يكون بإمكانه الهرب تحت أنظار التنظيم. كما يستحيل تواجده في أي منطقة أخرى انتقل منها إلى حيث تم اعتقاله، إذ أنه رجل مريض بالبدانة المفرطة ويعجز عن المشي لمئة متر متواصلة، وكونه وجها معروفا لأغلب أهالي مدينة الموصل، ومن السهولة كشفه في حال تنقله.