تشهد المدن البريطانية الكبرى تظاهرات أسبوعية يقوم بها أولياء تلاميذ المدارس الابتدائية من مختلف الأديان والشرائح الاجتماعية على خلفية تدريس مادة المثلية في درس التربية الجنسية، وما زال الملف مفتوحا مع الجهات التربوية المسؤولة بين الإصرار على المواد وبين الأهالي الرافضين من مبدأ المحافظة على براءة الطفل وعدم تشويشه بموضوع يصعب استيعابه في هذه المرحلة العمرية من حياة الطالب. وتبدو تربية الأبناء في بلاد الاغتراب الأوروبي، مسألة شائكة وكثيرا ما تؤرق الآباء والأمهات بين ايجابياتها وسلبياتها وتأثيراتها على مستقبلهم. ومؤخرا اكتشف أولياء تلاميذ الابتدائية أن مادة التربية الجنسية في المدارس البريطانية تحتوي على مواد عن المثلية ما أثار غضبهم سواء المسلمين وغير مسلمين، إذ اعتبروا الأمر يشجع على الشذوذ ويفتت العائلة ما جعلهم يطالبون وزارة التربية والتعليم البريطانية بوضع حد لتلك المواد أو إعفاء الأطفال من حضور الدروس كونها لا تتماشى والقيم الدينية. وردا على غضب أولياء الأمور اعتبر بعض التربويين البريطانيين ان أمر الدروس يتعلق باحترام الآخر مهما اختلف نوعه ويساعد على تعليم الأطفال مبدأ المساواة.
رفضا لمنهج لا غرباء
وقبل أسابيع تظاهرت أمهات مسلمات أمام مدرسة في برمنغهام اعتراضا على تدريس أطفالهن محتوى دراسيا يتضمن فصولا عن المثلية.
وتعتبر برمنغهام من أكثر المدن البريطانية التي تحتضن جالية مسلمة ويشكلون فيها حوالي ربع عدد السكان.
إدارة إحدى المدارس في المدينة ذكرت ان هدف المحتوى هو غرس روح التسامح لدى الأطفال.
ويقول أندرو موفات وهو مدرس مساعد في مدرسة “بارك فيلد” في برمنغهام إن منهج “لا غرباء” أصبح يدرس في مدارس المدينة وهي طريقة لتعليم الأطفال التنوع والاختلاف وقانون المساواة.
تعليم المثلية من خلال منهج الثقافة الجنسية أدى إلى سحب عدد من العوائل المسلمة أطفالها من المدارس بعد أن وضعت شرط إعادتهم بتغيير المحتوى الدراسي.
وتبقى التساؤلات مطروحة حتى إيجاد حلول تضمن الاحتفاظ بالهوية واحترام رغبة أولياء الأمور، فهل تربية أبنائنا في الغرب تعتبر طامة كبرى؟ وهل نعزل أنفسنا وأطفالنا بسبب اختلاف الثقافات؟ وهل فعلا هناك مشاريع تعليمية من شأنها أن تفتت الأسرة المسلمة في الغرب خاصة فيما يتعلق بالتربية الجنسية واعتبار المثلية أمرا عاديا كشكل من أشكال قبول الآخر والتسامح كما اعتبرته بعض المراجع التعليمية؟ وهل يحق لنا ان نعترض على هذه المناهج؟
لانة الصميدعي الناشطة المجتمعية في بريطانيا والمتحصلة حديثا على ماجستير بعنوان “تحديات الأسرة العربية المهاجرة في الغرب: بريطانيا نموذجا” قالت لـ”القدس العربي”: “القضية الساخنة هي التعليم، حيث أتت الأسرة إلى الغرب لسبب ما قد يكون اقتصاديا أو للهجرة وربما للتجارة والعمل، لكنها واجهت تحديات، وهذا من صلب عملي مع المراكز المسلمة والمحاضرات والدروس التي أقدمها لإعداد المرأة المهاجرة المغتربة. للأسف وزارة التربية والتعليم البريطانية فرضت الثقافة الجنسية ليتم تدريسها من الصف التمهيدي أي قبل الأول الابتدائي حيث كان تدريسها يبدأ من الصف الرابع. أجتمع سنويا بالأمهات المسلمات ونقوم بطلب اجتماع مع مديرة المدرسة ونطلب منها معرفة مناهج الدراسة خاصة الثقافة الجنسية ونرى ما هي الأشياء التي يجب ان تدرس من ناحية علمية بحتة والأشياء التي تتنافى تماما مع عاداتنا وتقاليدنا”.
وتشير إلى أن تجاهل أولياء الأمور مسألة في غاية الخطورة. فعندما يأتي الطفل ويسأل أمه ولا تستطيع الإجابة سيذهب ويبحث عن المعلومة من خلال الإعلام المجتمعي والشبكة الإلكترونية.
وترى الصميدعي أن على وزارة التربية والتعليم البريطانية ان تعي حجم مخاطر الآثار النفسية على الطالب وعلى استقراره الأسري وتحصيله الدراسي.
وتنصح الأهالي بمراجعة المناهج الدراسية بشكل دوري مع المدرسة، مؤكدة على أهمية التواصل مع الهيئات التعليمية التي تسمح بالاعتراض على بعض ما جاء من بنود محتوى التربية الجنسية وليس كلها، وأن من الممكن ان تحقق ما يطمح إليه الأهل من أجل حماية أطفالهم كأن يعفى الطالب ويؤخذ إلى المكتبة للقراءة أثناء بعض الدروس المتعلقة بالثقافة الجنسية وليس كلها.
ولا يحدث ذلك في بريطانيا فحسب فهناك دول غربية طبعت مئات الكتب الخاصة بالأطفال التي تروي قصص حب بين النوع الواحد والتي اعتبرها المعارضون تروج لزحزحة الصورة النمطية بين الذكور والإناث من أجل مجتمع يقبل بزواج المثليين وشرعنة علاقاتهم وتبني الأطفال من طرفهم واعتبارها علاقات سوية، بينما يشجعها المدافعون عن حقوق المثليين خوفا من اعتبارهم حالة شاذة ومرضية.
وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بهذه القضية، فالبعض اعتبر المجتمع المسلم جزءا من المجتمع البريطاني أيضا وينطبق عليهم قانون المساواة، وبعضهم قال: “أعتقد أن الطلاب يذهبون إلى المدرسة حتى يتعلموا وليس إلى غسل أدمغتهم”.
وأشار آخر إلى: “إنها تدعى التربية الجنسية، إذا كنت لا ترغب بها اقترح عليك ترك بريطانيا والذهاب لتعليم أولادك في بلدك”.