في خطوة غير منتظرة، قدّم عبد الرحيم العلام استقالته من رئاسة اتحاد كتّاب المغرب الأسبوع الماضي، ببلاغٍ عمّمه المكتب التنفيذي على الصحافة، بعد انتهاء ولاية الرئيس الثانية منذ سبتمبر/أيلول 2015، ودخوله «بالحريك» في ولايةٍ ثالثة لتدخل معه جميع أجهزة الاتحاد هي الأخرى في عطالة حقيقيّة طوال هذه المدّة.
استقالة العلام تأتي في ظروف حرجة يمّر فيها الاتحاد بعدما فشل أعضاؤه في عقد مؤتمرهم التّاسع عشر لمرّات عدّة، كانت آخرها ما وقع في طنجة في يونيو/حزيران الماضي، حين تمّ إيقاف أشغال المؤتمر بعد الجلسة الافتتاحية التي ساد فيها خطابٌ غير ودّي مفروض تجاوزه من طرف صنّاع الثقافة والكتابة الإبداعيّة، بالإضافة إلى تبادل الاتهامات بخصوص الإجهاز على هذه المؤسسة العريقة التي ظلت طوال عقودٍ ملتقىً لأفكار وطروحات مثقفي اليسار المغربي، ومُناصِرة لقضايا الشّعوب وتطلعاتها، فضلا عن وقوفها الدائم على خط التضاد مع المؤسسات التي لا تتوافق مع تصوّرتها الحداثية. والحقيقة أنّ الاتحاد كان الرّاعي الفعلي للثقافة المضادة وللأقلام الجادّة بفضل حيويّة الفروع وديناميكيّة أعضاء الاتحاد، الذين اشتغلوا على المشاريع الثقافيّة بتواضعٍ ونكران الذات، وترفّعوا عن فتات الموائد، بل منهم من لم يسبق له أن حصل في حياته على جواز السفر، من دون أن ننسى مجلة «آفاق» التي كانت صوتَ الثقافة المغربية في مختلف مكوّناتها، وجسرًا للتواصل والانفتاح على ثقافات أخرى.
الاتحاد كان الرّاعي الفعلي للثقافة المضادة وللأقلام الجادّة بفضل حيويّة الفروع وديناميكيّة أعضاء الاتحاد، الذين اشتغلوا على المشاريع الثقافيّة بتواضعٍ ونكران الذات.
أمّا جائزة الأدباء الشباب السنوية فقد كانت نتائجها بمثابة إعلان عن ميلاد كتّاب وشعراء جُددٍ، بحيث تُخوّل الجائزة للفائزين الانتشارَ والمرور إلى القارئ على نطاق واسع، وأيضًا الحصول بموجبها على العضوية التي كانت على الدوام شرفًا وفخرًا للأعضاء الذين لم يتوانوا عن تعزيز سيّرهم الذاتية بهذا الانتساب، وهم يبحثون لكتبهم ومقالاتهم عن دور نشر كبيرة ومجلات محكمة خارج المغرب. وللأمانة التاريخيّة، فإنّ بوادرَ الإجهاز على مكتسبات الاتحاد كانت قد بدأت منذ فترة عبد الحميد عقار، الذي يستحق بلا منازع لقب «الرئيس الخامل» حين علّق جميع أنشطة الاتحاد والفروع متكئًا على لغة التسويف، حدّ أن تمّ اتهامه بالكسل والبخل، قبل أن يتأجّج غضب أعضاء المكتب التنفيذي الذين انقلبوا عليه في بلاغ مقتضب يليق بمقام المعني بالأمر، الذي كان حينها لايزال نائمًا في بيته في مدينة شفشاون الجبلية، والأنكى أنه كان آخر من يعلم بالانقلاب، ما يذكّرنا بالانقلابات العسكرية في دوّل جنوب الصحراء، التي تعيش هشاشة حقيقية على مستوى الاستقرار السياسي.
أمّا خلفه الانقلابي عبد الرحيم العلام، فقد جلس على الكرسيّ ودسّ القطن في أذنيه مستفردًا بالقرارات ومعطلا بالبراغي الدقيقة آليات اشتغال المكتب التنفيذي، ومهمّشًا الصوت المضاد داخل المكتب بطرقٍ شتّى، مع حرصه على رفع اليد عن القضايا الكبرى ومدّ اليد الأخرى تحت الطاولة لجهاتٍ ظلَّ الاتحاد متحفظًا على التعامل معها حدّ أن تمّ اتهامه بتحويل الاتحاد إلى ملحقة تابعة لوزارة الداخليّة، في الوقت الذي تراجع فيه منسوب أنشطة الفروع، بسبب غياب المُخاطَب، ما أجهض المشاريع المقترحة وأقبرَ مناسبات ثقافيّة عريقة كانت إلى عهد قريب من المفاخر الكبرى للاتحاد، فيما قاومت فروعٌ أخرى شروط المرحلة بإمكانيات محدودة وأحيانًا بتضحيّات ماديّة من الأعضاء، قبل أن تستسلم في النهاية وتُجمِّد أنشطتها بالكامل، كما هو الحال بالنسبة لفرع المحمديّة. كما ظلّ الملف الصحي للأعضاء الذين قدّموا خدمات كبيرة للاتحاد خارج أجندة الاجتماعات، وليست حالة الكاتب إدريس الخوري الذي يمرّ بظروف صحية صعبة في تجاهل تام من الاتحاد هي الأولى ولا الأخيرة.
لا نروم هنا التشويش على هذه المؤسسة التي نحبّها جميعًا، كجزءٍ من الوفاء لتاريخها المضيء قبل أن يأتي من يطفئ المصابيح ويصفق الباب خلفه في ساديّة غير مبرّرة. ولا نُناصر غير الضمير الشخصي والأشخاص الجاديّن الذين يرون في أنفسهم قدرة إخراح الاتحاد من غرفة الإنعاش، وقدرة تجاوز الحسابات الضيقة، التي يمكن أن تتكفل بها أماكنٌ أخرى بعيدًا عن بيت الكتّاب. وللإشارة فإنّ كاتب هذه السطور ليس عضوًا في الاتحاد ولا في أي مؤسسة ثقافية أخرى ما عدا عضويته الشرفيّة في بيت العائلة. والأهم من كل هذا أنّنا لا نقول جديدًا هنا بحيث سبقتنا الكاتبة ليلى الشافعي، عضو المكتب التنفيذي، ورصدت هذه البقع السوداء في مقالٍ مطّوّل نشرته في أكتوبر/تشرين الأول 2017، الذي اعتبره كثيرون رصاصة الرحمة أو رصاصة الأنوثة التي أصابت رأس الاتحاد. وهو المقال الذي كلّف الشافعي فقدان عضويتها في اجتماع طارئ عقده المكتب التنفيذي، قبل أن تستعيد العضوية باللجوء إلى المحكمة التي حكمت لصالحها.
هل نكذب إذا قلنا إنّ سفينة الاتحاد صارت خفيفة ورشيقة في عهد العلام، بعد أن ترجّل عن ظهرها خمسة عشر عضوًا من أحسن كتّاب وشعراء المغرب، في استقالة جماعيّة كانت هي الأشهر في تاريخ الاتحاد.
نتفق مع ليلى الشافعي في بعض النقاط التي استضأنا بها هنا. كما ندافع عن حقّها في التعبير عن رأيها بخصوص ما يجري داخل الاتحاد تنويرًا للرأي العام، لكنّنا نختلف معها حول نشرها للغسيل الشخصي للرئيس ولأعضاء الاتحاد المحترمين، إلا إذا كان قصدها أن تدقّ ناقوس الخطر وتنبّه الجميع إلى الطرق المشبوهة التي يُصرف بها مال الاتحاد، لكن كان عليها أن تتستر على الأسماء من باب حفظ ماء الوجه للمعنيين بالأمر، أو بقيته على الأقل، أمام عموم النّاس وأمام عائلاتهم، في مجتمعٍ ليس حداثيّا إلا بمقدار ما نتوهّم، وأمام قرّائهم إنْ كان لديهم قرّاء. في الوقت الذي نتأسّف بصراحة لهؤلاء الذين لم تشفع لهم صداقتهم الطويلة بالشافعي التي لم تكن رحيمة بهم بالمرّة وهي تضرب بالكرباج يمينًا وشمالا، في مشهدٍ مؤلم يذكّرنا بالأفلام التاريخيّة، حيث السّيد يقود جيشًا من العبيد في الصحراء، شاهرًا الكرباج وحقده الأعمى في الهواء ومُطلقًا العنان للصفير تعبيرًا عن الانتشاء الداخلي.
نعم، نلوم ليلى الشافعي على اقتحامها لخصوصيّات الأفراد، بل أكثر حين حادت عن الموضوعيّة وسكتت عن أهم إنجازات عبد الرحيم العلام، الذي رفع علم البلاد عاليّا في المحافل الثقافية، بحيث سجلت مكاتب مطارات المملكة في عهده أكبر عدد من سفريات أعضاء الاتحاد إلى أوروبا وآسيا والدوّل العربيّة الشقيقة لتمثيل المغرب وإعلاء صوته الثقافي. الصوت المبحوح في الداخل والصداح في الخارج! مع تجاوزٍ طفيف يتمثّل في بعض الأعضاء الرحّالة الذين لا حضور ثقافي لديهم ولا كُتب في رصيدهم ماعدا حضورهم الدؤوب على جدران الفيسبوك وكتابة ارتساماتٍ عن أسفارهم التي تقرأ فيها المبتدأ ويغيب الخبر، وما عدا كُتب الدليل السيّاحي التي تسلّموها في الطائرات وهم في غفوةٍ بين السّماء والأرض.
وهل نكذب إذا قلنا إنّ سفينة الاتحاد صارت خفيفة ورشيقة في عهد العلام، بعد أن ترجّل عن ظهرها خمسة عشر عضوًا من أحسن كتّاب وشعراء المغرب، في استقالة جماعيّة كانت هي الأشهر في تاريخ الاتحاد. وبدل أن يبحث الرئيس عن أسباب الاستقالة، التجأ إلى الصحافة مُقلّلا من هذا الغضب الجماعي، ومعتبرًا الأعضاء المستقلين مجرّدَ تماثيل جامدة داخل الاتحاد. ليس هذا هو ما قاله بالحرف، ولكن هو الفهم المُضمر تقريبًا من تصريحاته.
وفي النهاية، أحيّي الرئيس المستقيل على تقبله للنقد بأعصابٍ هادئة وروحٍ متفهمة طوال فترة ولايته، وهذه ميزة تُحسب له، لدرجة يصفه كثيرون بالرّجل النزق . كما أحييه بصدقٍ على جرأته حين جلس أمام الحاسوب وكتب الاستقالة واضعًا النهاية لنقاشٍ حادّ كان قد بدأ بينه وبين الأعضاء منذ سنوات، والذي بسببه وصل الاتحاد إلى الباب المسدود. الباب الذي نتمنّى أن يُفتح هذه المرّة على هواءٍ نظيف، وعلى تصوّرات جديدة ومقترحات بديلة، غايتها إشاعة الثقافة ودمقرطتها، والالتفاف على المتطلبات الضروريّة بدل الكراسي والمال الوسخ.
٭ كاتب مغربي