بغداد ـ «القدس العربي»: توالت ردود الأفعال السياسية، أمس الأحد، على مواقف رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي، التي أعلنها أمام البرلمان السبت، متعهداً بمحاربة الفساد، كما قدّم جرداً بـ40 ملفاً تتضمن شبهات فساد مالي وإداري، تتعلق أبرزها في مجالات الطاقة والنفط والحدود والتهريب وغيرها، في وقت استبعدت فيه كتل سياسية أن تكون الحكومة قادرة على محاربة الفساد.
وقال في كلمته خلال جلسة برلمانية: «دعوني أطرح لكم الخريطة التي نعمل الآن على تشكيل كل تركيباتها، نعرف الهيكليات الداخلية، كيف تعمل، أين تعمل، في أي منطقة، من هم الأشخاص الأساسيون، وبالتالي، نستطيع فعلاً أن نلاحقهم».
وذكر أن هناك 40 ملفاً ضمن خريطة الفساد وهي: (تهريب النفط، ملف العقارات، المنافذ الحدودية، الجمارك، تجارة الذهب وتهريبه، السجون ومراكز الاحتجاز، السيطرات الرسمية وغير الرسمية، المكاتب الاقتصادية في المؤسسات والمحافظات والوزارات، تجارة الحبوب والمواشي، الضرائب والتهرب منها، الأتاوات و«القومسيونات»، مزاد العملة والتحويل الخارجي، التقاعد، ملف السجناء، ملف الشهداء، المخدرات، تجارة الآثار، الزراعة والأسمدة والمبيدات، تسجيل السيارات والعقود والأرقام، الإقامة وسمات الدخول، الأيدي العاملة الأجنبية، الكهرباء، توزيع الأدوية، توزيع البطاقة التموينية، الرعاية الاجتماعية، السلف المالية المصرفية، التعيينات، بيع المناصب، العقود الحكومية، تهريب الحديد والسكراب وغيرها، الامتحانات وبيع الأسئلة، المناهج التربوية وطباعة الكتب، المشاريع المتوقفة، المشاريع الوهمية، القروض المالية، شبكة الاتصالات والانترنت والهواتف النقالة، الإعلام والمواقع الالكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي، ملف النازحين، الاتجار بالبشر).
تنسيق عال
رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، أكد كذلك، «وجود تنسيق عال بين السلطات الثلاث لتوفير الإمكانيات للقضاء على الفساد».
وقال في تصريح له، إن «مجلس النواب عقد جلسته الأولى بحضور رؤساء مجلس الوزراء والقضاء وكانت كلمة لرئيس الجمهورية للحديث عن مكافحة آفة الفساد»، مبينا أن «العراق بعد الانتهاء والانتصار على داعش يسعى للانتصار على الفساد».
وأضاف أن «النقاش كان جديا لوضع الحلول للمعوقات التي تواجه السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وتوفير الإمكانيات اللازمة لهم وتقليل التداخل في الصلاحيات»، مشددا على «ضرورة حسم ملف إدارة ملف الوكالات في الدولة وإطلاق يد هيئة النزاهة والرقابة المالية لمكافحة الفساد».
وأوضح أن «هناك تنسيقا عاليا بين السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية لتوفير كافة الإمكانات للقضاء على آفة الفساد ويكون دعما من منظمات المجتمع المدني والشارع العراقي الذي يطالب بكافة الفساد».
وتابع أن «آفة الفساد هي التي مولت الإرهاب، وكان سبب البطالة التي كانت مصدرا للإرهاب»، مؤكدا أن «مجلس النواب سيتخذ إجراءاته حسب نظامه الداخلي بحق النواب المتغيبين».
ولفت إلى أن «مكافحة الفساد يأتي من خلال تشريع القوانين، والقوانين تأتي من مجلس النواب».
ومن المقرر أن يعقد مجلس النواب جلسته، اليوم الاثنين، بعد أن رفعها السبت الماضي.
وشهدت جلسة السبت، تصويت البرلمان على صيغة قرار من حيث المبدأ بإلغاء مكاتب المفتشين العموميين، وأيضا على صيغة قرار لدعم السلطة القضائية، ووجه المجلس باستضافة هيئة المنافذ لمعرفة عدم تطبيق التعرفة الجمركية ببعض الأحيان».
كذلك، قدم رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، أمس الأحد، المقترحات التي طرحها في جلسة البرلمان الأخيرة، فيما أكد المجلس أن أبرزها يتعلق بمكافحة الفساد.
وقال المجلس في بيان، إن «رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان حضر جلسة مجلس النواب مع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء بمناسبة افتتاح الفصل التشريعي الثاني ومناقشة استراتيجية مكافحة الفساد»، مبينا أن «زيدان ترأس وفدا قضائيا ضم رئيسي جهاز الإدعاء العام وهيئة الإشراف القضائي ورئيس محكمة استئناف بغداد الرصافة ورئيس استئناف بغداد الكرخ الاتحادية».
وأضاف أن «رئيس مجلس القضاء الأعلى طرح مقترح المجلس بخصوص موضوع مكافحة الفساد الذي يتلخص بـضرورة إعادة النظر بقانون هيئة النزاهة رقم 30 لسنة 2011 لاسيما المواد المتعلقة بتعريف جريمة الفساد واختيار التحقيق فيها وحفظ الاخبارات وجعل اختصاص قضاء النزاهة بالقضايا الكبرى وأن يتم النص على أن تختص الهيئة بقضايا الفساد الكبرى والهامة أو ما يشكل ظاهرة فساد وأن يترك تقدير كون القضية هامة من عدمه للقضاء».
وتابع: «قدم مقترحا بإعادة النظر في صياغة التعليمات والنصوص الخاصة بتنفيذ العقود الحكومية، إذ أن عددا كبيرا من القضايا الفساد المنظورة تتعلق بهدر المال العام بسبب عقود المناقصات كون التعليمات النافذة مكتوبة بطريقة تفتح باب الاجتهاد والذي يفتح بدوره باب الفساد، وإعادة النظر في الآليات والمعايير التي على أساسها يتم اختيار الدرجات الخاصة في الوظيفة العامة لاختيار عناصر نزيهة وكفوءة، وضرورة تدقيق العقود الحكومية من قبل ديوان الرقابة المالية قبل تنفيذها كإجراء وقائي لمنع وقوع الفساد». في السياق، وجهت النائبة عن ائتلاف «دولة القانون» عالية نصيف، رسالة إلى رئيس عبد المهدي، دعته فيها إلى «عدم الأخذ بنصيحة بعض المنتفعين في منظومة المفتش العام،» مؤكدة أن «أغلب المفتشين العامين شركاء بالفساد».
شركاء في الفساد
وقالت في رسالتها إن «الخمس عشرة سنة الماضية يفترض أنها كانت كافية لتقييم منظومة المفتش العام، فهل يتناسب ما قدمته من منجز مع الأموال المخصصة لها؟»، مبينة أن «أغلب المفتشين العامين شركاء في الفساد والاستحواذ على عقارات الدولة».
وتساءلت: «أي قانون يسمح بتدوير مفتش لكي يعاد احتساب مدته الخمس سنوات مرة أخرى؟ وأي قانون يسمح بتعيين اربعة عشر مفتشاً بالاستناد الى قانون المحتل بول بريمر؟ وهل تم تشريع قانون المفتشين؟»
وخاطبت نصيف رئيس الوزراء: «أين وعودك بالتكامل مع الجهة الرقابية في اخطر الملفات؟ وكيف تثق بمفتش فاسد ومنتفع وتأخذ بنصيحته وهو الذي تغاضى خلال فترة وجيزة عن أكبر عملية فساد حصلت في وزارته مقابل حصوله على امتيازات بتأثيث بيته الذي خصص له في المنطقة الخضراء؟».
نائب عن ائتلاف المالكي: الأحزاب والكتل تحميان المرتكبين وثروات البلد نهبت
وتابعت: أن «ما يحصل في العراق من فساد هائل يتطلب جهازاً رقابياً حقيقياً وليس (مفتش الشو الإعلامي)، وقد اتفقنا على بناء جهاز إداري رصين، في حين بهذه البداية المعتمدة على منظومة فاشلة فاسدة لن تستطيع بناء جهازك الإداري»، مناشدة رئيس الوزراء والسلطة التشريعية، «اتخاذ موقف جاد وتقييم هذا الملف الخطير».
كذلك، أكد النائب عن ائتلاف «دولة القانون» أيضاً، منصور البعيجي، أن «الحديث عن مكافحة الفساد يحتاج إلى إجراءات حقيقية لردع المفسدين الذين تجذروا في مؤسسات الدولة منذ أعوام ولم يكن هنالك أي إجراء حقيقي لمحاسبتهم غير الشعارات التي لا تتخطى الإعلام والجميع يسمع بها».
وقال في بيان: «لسنا في حاجة إلى جلسات إنشائية نردد الشعارات لمكافحة الفساد، ولا يوجد تطبيق حقيقي على أرض الواقع لمحاسبة المفسدين الذين تحميهم أحزابهم وكتلهم السياسية، وثروات البلد نهبت أمام مرأى ومسمع الجميع دون أي رادع لهم».
وأضاف: «هنالك فساد حقيقي لا يقل خطورة عن عصابات داعش الإرهابية ونحتاج إلى خطوات جادة وإجراءات حقيقية رادعة لايقافه من خلال محاسبتهم، لدينا العديد من المؤسسات المختصة بمحاربة الفساد وهي متداخلة فيما بينها وكل مؤسسة ترمي التقصير على الأخرى، كمكاتب المفتشين العموميين وهيئة النزاهة، وآخرها تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد ولكن دون أي فائدة ولم يحاسب أي أحد من خلالها».
وتابع النائب عن ائتلاف المالكي، المنضوي في تحالف «البناء» بزعامة هادي العامري: «لا يوجد أي من الآليات الفعلية الحقيقية للحد من الفساد المستشري في البلد غير الشعارات الرنانة التي نسمع بها، ولكن دون أي فائدة تذكر، لذلك يجب إتخاذ خطوات جريئة من قبل رئيس الوزراء ومجلس القضاء الأعلى بتفعيل الملفات المكتملة، وهي مركونة بأدراج القضاء لمحاسبة المتورطين فيها حتى يكونوا عبرة لغيرهم وتفعيل قانون من أين لك هذا بصورة حقيقية لأي مسؤول بالدولة وإلا الكلام والاجتماعات عن محاربة الفساد مجرد شعارات إعلامية لا طائل منها غير المضيعة للوقت».
في الشأن ذاته، طالب القيادي في تحالف «سائرون» علاء الربيعي، بحسم ملفات الفساد وفق «سقف زمني محدد»، كما طالب برفع «الغطاء السياسي» عن الفاسدين.
وقال في بيان، إن «مكافحة الفساد تحتاج الى تكاتف جميع القوى السياسية ورفع يد الأحزاب عن الشخصيات المتهمة بالفساد»، مبينا أن «رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وحده من يتحمل مسؤولية مكافحة الفساد باعتباره يمثل السلطة التنفيذية في البلاد».
ودعا، الكتل السياسية إلى «رفع الغطاء السياسي عن الفساد والفاسدين كي تأخذَ الجهات المعنية دورها الحقيقي في المعالجة».
«العقلية البدوية»
في غضون ذلك، أكد وزير الموارد الأسبق محسن الشمري، أن تشخيص عبدالمهدي بشأن ملفات الفساد معروف لدى الجميع، مشيرًا إلى أن «ليست هناك رقابة جدّية من قبل الحكومة على تلك الملفات».
وقال في بيان، إن «أكثر من 40 ملف فساد أهدرت مئات المليارات من الدولارات في البلد، وأن تشخيص رئيس الوزراء حالات الفساد والملفات معروف بشكل جيد، لكن ليست هناك رقابة جدية من قبل الحكومة»، مشددًا على أن «العقلية البدوية تهدم الدولة».
وبين أن «أهم المؤشرات هي سوء الإدارة وإنعدام قاعدة البيانات التفصيلية، بالإضافة الى تفكيك المنظومة الإدارية، عن قصد أو جهل، وكذلك الصراع السلبي بين مصادر القرار في المؤسسة الواحدة و غياب التقنيات الحديثة».
وزاد أن الفساد شمل «إيرادات النفط والاستثمار والعقارات والتهرب الضريبي والمنافذ الحدودية والأمن وغيرها».
حكم العائلة
كردياً، علقت النائبة السابقة والقيادية في حراك «الجيل الجديد»، سروة عبدالواحد، على دعوات رئيس الجمهورية برهم صالح، لمحاربة الفساد، مطالبة إياه بـ«البدء بمحاربة الفساد من حزبه»، كما دعت إلى إنهاء حكم العائلة في السليمانية.
وقالت، في «تغريدة» لها حسابها الشخصي، في موقع «تويتر»، إن «الذي يريد محاربة الفساد يبدأ من حزبه»، وتابعت: «إنني أتفق مع الرئيس برهم صالح في توجهه بمحاربة الفساد».
وأضافت: «أتمنى أن يبدأ من حزبه وينهي حكم العائلة في السليمانية أولا (في إشارة إلى سيطرة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني على المدينة)»، مشددة على «ضرورة الكشف عن اصحاب الشركات لحزبه وتمويل الاتحاد وخصوصاً هو اعترف سابقا بأن الاتحاد حزب فاسد». على حدّ قولها.