تونس-“القدس العربي”: لا تزال تونس تحت وقع صدمة وفاة 15 رضيعا جراء ما يعتقد انه تسمم في الدم في أحد مستشفيات العاصمة. ودفعت هذه الكارثة الوطنية وزير الصحة عبد الرؤوف الشريف إلى الاستقالة. وكانت الوزارة قد أكدت وفاة 11 رضيعا خلال 24 ساعة في مركز التوليد وطب الرضيع في مستشفى الرابطة الحكومي في العاصمة، قبل ان يرتفع العدد إلى 15 حسب المعلن.
وفي الحقيقة فإن هذه الفاجعة ليست الوحيدة في مسلسل الأزمات الطبية في هذا البلد الذي لطالما عرف بتقدم قطاعه الصحي وبـ”السياحة الاستشفائية” في مصحاته الخاصة، لكن بعد الثورة عرف هذا المجال خاصة في القطاع العمومي اختلالات كبيرة ومصاعب بالجملة جراء تراجع مستوى الخدمات الصحية ونقص الأدوية وهجرة الأطباء إلى خارج البلاد.
ويؤكد النائب الصحبي بن فرج الطبيب المختص في أمراض القلب والشرايين أن هذه الواقعة الأليمة تلخص كل مشاكل منظومة الصحة في تونس موضحا بالقول: “في قسم المواليد في مستشفى الرابطة الحكومي، يتم تحضير قوارير السيروم المخصصة للرضع في غرفة معقّمة، حيث تتم إضافة بعض المواد إلى قارورة السيروم وحفظها في الغرفة واستعمال القوارير لاحقا عند الحاجة إليها”. ويضيف أن قارورة السيروم التي تأتي من الصيدلية، يتم حقنها بمحلول طبي خاص وحفظها في الغرفة المعقمة إلى حين استعماله عند اللزوم. وقد “لوحظ خلال الأربع وعشرين ساعة السابقة للحادثة أن حالات توقف القلب تواترت بصفة غريبة ساعة أو بضع ساعات بعد استعمال علب السيروم المجهّزة والمتأتية من الغرفة المعقمة، تم إيقاف استعمال السيروم، وتحليل عينات من القوارير المحفوظة. أغلقت الغرفة وتم حجز كل المخزون وإيقاف تداول واستعمال هذا النوع من السيروم إلى نهاية التحقيق” وقال إن هذه الكارثة لا يمكن أن تقع إلا خلال عملية تحضير السيروم الممزوج بمواد مضافة:
“إما أنه خطأ بشري جسيم عند استعمال نوعية المواد المضافة، أو عدم احترام قواعد التعقيم خلال عملية المزج (تلوث بكتيري بجرثومة مقاومة للمضادات الحيوية) أو خلل في بروتوكول ونظام التعقيم داخل الغرفة”.
وأضاف بن فرج أن فرضية استعمال سيروم فاسد أو متعفن أو مادة مضافة فاسدة أو بتركيبة خاطئة عند الصنع، مستبعدة مبدئيا لأنها تعني حكما وجود حالات وفيات مشابهة ومفاجئة بالمئات في مراكز صحية مختلفة وفي المدة الزمنية نفسها، ومع ذلك فرق التحقيق لا تُهمل أي فرضية مهما كانت. وقال إن هذه الحادثة تتطلب مراجعة وإصلاحا كاملا للمنظومة الصحية وهيكلتها وتمويلها بشكل مستعجل وملح.
بارونات الفساد
ودفعت هذه الحادثة الجمعية التونسية لضحايا الأخطاء الطبية إلى مراسلة المنظمة العالمية للصحة مطالبة بتحقيق دولي وتدخل عاجل قبل أن تسرع الأطراف المعنية بطمس الحقائق بما فيها إعدام اللقاح والتقارير أو اتهام أبرياء وافلات الجناة من العقاب.
وأكد رئيس الجمعية التونسية لضحايا الأخطاء الطبية صابر بن عمار، أن “كارثة وفاة الرضع في مستشفى الرابطة لا يمكن أن تغطي على الفساد الموجود في قطاع الصحة وما آلت إليه الأوضاع من رداءة”. وقال في تصريحات صحافية أن هناك عصابات منظمة غايتها الربح السريع وتستهدف ضرب المنظومة الصحية في تونس. موضحا ان البلاد تشهد سطوة ما اسماه بـ” بارونات الصحة” للاستئثار على التراخيص من الوزارة بالرشوة لفتح المصحات الخاصة على حساب القطاع العمومي.
لقد جعلت تونس القطاع الصحي إضافة إلى عمومية ومجانية التعليم من أبرز أولويات دولة الاستقلال، كما ينص الفصل 38 من دستور الجمهورية الثانية على أن “الدولة توفر الوسائل اللازمة لضمان سلامة وجودة الخدمات الصحية” ولكن ما ينص عليه الدستور تفتقر إليه عديد المستشفيات العمومية التي باتت تشهد يوميا مآس لا تحصى بسبب نقص الإطارات الطبية وشبه الطبية ونقص أطباء الاختصاص ونقص التجهيزات وتدني مستوى الخدمات المقدمة. وتتصاعد هذه المشاكل مع حالة الاكتظاظ الذي تشهده المستشفيات العمومية ما يضطر المواطنين إلى الانتظار طويلا وأحيانا لسنوات من أجل الحصول على موعد لإجراء عملية جراحية. وهذا حال المواطنة نجيبة العرفاوي، التي قالت لـ “القدس العربي”: “منذ سنوات وأنا أحاول الحصول على موعد لإجراء عملية جراحية ولكن للأسف في هذا البلد فقد تضطر للانتظار لسنوات”.
حالات عديدة شهدتها المستشفيات التونسية بسبب الأخطاء الطبيبة القاتلة أو نقص التجهيزات أو الأطباء وفي المناطق الداخلية حيث تفتقر المستشفيات العمومية إلى المعدات الطبية الحديثة، ورغم ذلك فان مديونية المستشفيات بلغت حول (نحو 207 ملايين دولار) العام الماضي وتذهب 80 في المئة من ميزانية وزارة الصحة فقط لأجور العملاء والموظفين والأطباء.
خصخصة القطاع الصحي
وتحدثت بعض التقارير عما سمته بـ “مخطط” يستهدف ضرب القطاع الصحي العمومي في تونس والذي كان حتى وقت قريب مفخرة دولة الاستقلال الحديثة، وذلك استجابة لضغوطات صندوق النقد الدولي الذي يدفع في اتجاه خصخصة عديد القطاعات في تونس بما فيها الصحة. ويرى الدكتور محمد برهومي مختص في جراحة اللثة والأسنان في حديثه لـ “القدس العربي” ان الخلل موجود في القطاع الصحي العمومي ولكن هناك نوعا من المبالغة بالنظر إلى ان هناك مستشفيات تعمل في ظروف ومناخ جيد وفيها أطقم طبية على أعلى مستوى والبعض منها رفض عروضا للعمل في الخارج واختار البقاء على أرض الوطن من أجل انقاذ قطاع الصحة ” وقال إن هناك حملات لشيطنة الأطباء والمستشفيات العمومية والمستفيد الأكبر منها هو المصحات الخاصة التي ترتفع فيها أسعار العمليات الجراحية إلى مبالغ خيالية مقارنة بالاستشفاء في القطاع العمومي شبه المجاني. وحسب برهومي فإن “قطاع الصحة العمومية في البلاد هو مجال حيوي واستراتيجي يجب الدفاع عنه وإنقاذه عبر استراتيجية إصلاح شاملة وتطهير كامل لهذا القطاع من الفاسدين والمهملين ووضعهم أمام حكم القانون”.
مصاعب بالجملة
لقد شهدت تونس خلال الأشهر الماضية أزمات عديدة في منظومتها الصحية لعل أخطرها أزمة نقص الدواء غير المسبوقة في تاريخها الحديث. وقد أطلقت الصيدلية المركزية – وهي الجهة الوحيدة المسؤولة عن توزيع الأدوية على القطاعين العام والخاص- صيحة فزع للتحذير من تراجع مخزون الأدوية. وحسب التقارير الخاصة فان أزمة الأدوية سببها تهريب الدواء إلى ليبيا إضافة إلى عدم حصول المصانع والمخابر الأجنبية على مستحقاتها من الهيئات التونسية بسبب غياب السيولة نتيجة لتأخر تحويل الصناديق الاجتماعية لاشتراكات مشتركيها. وقد بلغت ديون صندوق التأمين على المرض حوالي 400 مليون دولار سنة 2018 وشملت الأدوية المفقودة بعض الأمراض المزمنة مثل السكري والضغط والسرطان وغيرها.
وزاد من الصعوبات التي تعرفها المنظومة الصحية العمومية، المعارك التي انطلقت بين وزارة الصحة والنقابات العمالية الممثلة للعاملين في القطاع الصحي العمومي، كما زاد من تأزم الوضع هجرة عدد من أطباء الاختصاص سواء من القطاع العمومي إلى المستشفيات الخاصة أو إلى الخارج بسبب ظروف العمل السيئة في القطاع العمومي ونقص التجهيزات.
واليوم يخشى التونسيون الذين حلموا يوم 14 كانون الثاني/يناير بالحرية والديمقراطية بعد مرور كل هذه السنوات ان تسلبهم النخبة السياسية التي حكمت بعد الثورة، أهم إنجازات دولتهم وهي الصحة والتعليم. فالذين خرجوا رافعين شعارات الحرية والكرامة، وجدوا أنفسهم فاقدين للأمن على مختلف المستويات سواء السياسية أو الصحية أو الاقتصادية مع تصاعد الجدل الايديولوجي والفكري بين النخب السياسية وهو جدل- يعتبره البعض- ليس من أولويات المواطن التونسي الذين شارك في عديد الاستحقاقات الانتخابية التونسية واختار من يمثله في صندوق الانتخاب، وإذا به يستلم فلذة كبده ميتا في صندوق كرتوني دون أي احترام لحرمة الأطفال الموتى.
ان لعنة الصناديق التي اشعلت الشارع التونسي ومواقع التواصل الاجتماعي، عرت مرة أخرى حجم الأزمات الكبيرة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يدفع ثمنها التونسي من لحمه ودمائه وتزيد من صعوبة الانتقال الديمقراطي في هذا البلد.