الكويت ـ «القدس العربي»: في أحد المصحات الكندية، ترحل عن الدنيا صباحَ أمس الروائي الكويتي ناصر الظفيري، بعد أن عانى كثيرًا من مرضه. ولد الظفيري سنة 1960 في منطقة الجهراء الكويتية، درس الهندسة المدنية في جامعة الكويت، ثم تحصل على الماجستير في اللغويات في إحدى جامعات كندا، نشر كتبا عديدة في القصة والرواية نذكر منها «الصهد»، و«المسطر»، و«سماء مقلوبة»، و«أبيض يتوحش»، و«كاليسكا»، و«وليمة القمر»، و«أغرار».
عاش ناصر الظفيري محنةَ الهُوية في الحياة وكَتَبَها في الرواية. فهذا الذي قال: «أحب الكويت أكثر من كندا، وتُحبني كندا أكثر من الكويت، هذا هو تعريفي للجحيم»، سعى بكل جهده إلى أن يحصل على جنسيته الكويتية، إلا أن أمرَها استعصى عليه بحكم أنه من فئة «البدون» التي قال عنها في أحد حواراته إن الوعي بها «ارتبط معي بالفقر الذي صاحبها، كان ذلك فقرا يرتبط بالمكان المهمش الذي صنع الإنسان الهامشي الملقى بعيدا عن تطور البلاد التي تشهد ثورة نفطية بشكل متسارع، لا يلقي بظلاله عليه. كانت الجهراء إحدى هذه الضواحي المنبوذة التي ضمت أطيافا من البدو، الذين استوطنوا المدينة، بعيدا عن صحراء الجدب والقحط، كانت الوظائف الممكنة لهم هي الجيش والشرطة وبقية الأعمال الخفيفة التي يجيدها هؤلاء الأميون المتعبون. كنت ابن أحد هذه الأسر التي اقتسمت الشقاء الذي لم يميز بيننا، بسبب جنسية في بادئ الأمر. ولأن التجنيس لاحقا كان انتقائيا وغير عادل، فقد أصبحت المدينة تضم فئة البدون وفئة الكويتيين، وكنت في الفئة الأولى. عشت معاناة الناس وبؤس حياتهم، وحين اكتشفت أنني مولع بالكتابة كانوا هم هدفي، أشكل من حيواتهم ما يصلح للكتابة. كنت مغرما ككاتب بشخوصهم وجنونهم وولعهم في الحياة، وكانت القصص الأولى لهم وعنهم». وبسبب قسوة هذه المحنة هاجر الظفيري إلى كندا وتحصل على جنسيتها، ولكن حلمه بوطنه الكويت ظل يطوف به حتى في أيامه الأخيرة حيث كتب يوم 9 مارس/آذار الجاري تغريدة على صفحته جاء فيها قوله: «حزينٌ على حُلْمٍ مَرّ أمامي بدون أنْ أتمسكَ به؛ وبدأتُ أستعيد أحلامًا لا حصر لها تتحرك باتجاهي وتبتسمُ؛ هي أحلامٌ كانت أكبرِ من قُدْرتي على الاحتفاظ بها».
ولا يُخفي الظفيري نقده للشائن من سلوك المثقفين في الوسط الثقافي العربي، من ذلك قوله «حين يسقط ديكتاتور لا بد من إعادة تأهيل شعرائه وكتابه وإعلامييه.
وعلى الرغم من بُعْدِه عن وطنه الكويت، ظل الظفيري حريصا على إعلان انتمائه إلى بلده، ومساهمًا في نقاش ما يجدّ بالكويت من قضايا سياسية واجتماعية وثقافية، ويقترح سبلاً لتجاوزها، فقد كتب منذ فترة قائلا: «لكي تعود الكويت الكويت، يحدث هذا فقط حين تعود حركتها الثقافية التنويرية؛ حين تعود حركتها الفنية والمسرحية؛ حين تعود رياضتها الرائدة؛ حين تكون حكومتها ومعارضتها في الرصانة ذاتها والإخلاص ذاته للوطن». وعُرف الراحل بمواقفه الناقدة والجريئة لوقائع عصره الوطنية والعربية، فقد تأثر بحادثة القطار في مصر نهاية الشهر المنقضي، وكتب معزيًا: «قلوبنا مع شعبنا في مصر يبدو أن موضوع النقل أصبح حالة عصية على الحل وبحاجة لجهد وطني كبير؛ الرحمة للضحايا والصبر لذويهم».
ولا يُخفي الظفيري نقده للشائن من سلوك المثقفين في الوسط الثقافي العربي، من ذلك قوله «حين يسقط ديكتاتور لا بد من إعادة تأهيل شعرائه وكتابه وإعلامييه».
وقد هب الكتاب والمثقفون الكويتيون والعرب إلى كتابة كلمات تأبينية عن الراحل ناصر الظفيري، حيث كتب الروائي طالب الرفاعي قائلا: «ورقة أخرى سقطت من شجرة الأدب الكويتي المعاصر. وداعاً مستحيلاً يا ناصر الظفيري». وجاء في تدوينة لعالية شعيب قولها: «لست حزينة لرحيل ناصر فقط، وخسارة الأدب الكويتي أحدَ أعمدته الروائية، لكن لأنه مات بعيدا عن الوطن: وطن قاسٍ جاحد ظالم، كيف استطاع ترك ناصر يرحل ليحظى بعيش كريم له ولأسرته»، وكتب الروائي محمد حسن علوان قائلا: «صديق الغربة ورفيق أتاوا الجميل ناصر الظفيري، كنتَ نبيلاً في صحتك ومرضك. مبتسماً في قدرتك وعجزك. خلوقاً في فرحك وحزنك. رحمك الله يا أبا بدر. عشت غريباً وتموت غريباً.. إلا في قلوب أصدقائك ومحبيك».
وحكت الكاتبة هديل الحساوي عن لحظات قضتها مع الراحل في معرض الكويت للكتاب قائلةً: «ليتك كنت مازلت تقرأ، فنحن مازلنا في دعاء أن تكون طيبا معافى، أمطرنا السماء بالدعوات ليلتها، لكنك على ما يبدو اتخذت قرارك أن تلحق بحبيبك إسماعيل. ليتك سمعت مُحبيك في آخر اللحظات. هل شعرتَ بهم؟ كلما تحدثنا على الفيسبوك وتناقشنا حول الكتب والكُتاب إلا وبادرت تعتبُ بحُزن على أصدقاء لك نسوا السؤال عنك، كنتُ أصبرُك بقولي إن الدنيا قطار اللحظة والمحطة الأخيرة مصيرنا جميعا. كنتَ بصفاء قلبك تُحول عتب السؤال إلى عذر المحبة. سألتُك في آخر لقاء في معرض الكتاب في الكويت، هل تستطيع المشي؟ هناك قُراء يودون أن يلتقوا بك. فمددتَ يدك بعفوية، فأسندتُ ذراعَك في رحلة مشينا فيها نحوهم، منحتَهم وقتَك وصافحتَ أسئلتَهم بابتساماتك. كل لحظة أخاف وأشعر بالذنب لتلك المسافة وتعبك وسخونة اليد التي أُسْنِدُها وأسألك: تعبتَ؟ فتُجيب: لعلها المشيةُ الأخيرةُ. رحلتَ ومازال الكثير من الأحاديث معلقة بلا نهايات». ورأى الكاتب حسين بن صبح أن ناصر الظفيري «مات بعيدا حزينا عاتبا.. مات وهو يحلم بوطنه يعترف به، يعترف أنه ابنُ الأرض، وابنُ الكويت.. مات وفي نفسه شيء على الأنظمة والجحود والتهميش».