المسخ الحقيقي للهوية المصرية

الهوية المصرية سؤال ملح في حياتنا بكل أوجهها. ربما لا نهتم أن نعرف قديما كيف تعرضت الهوية المصرية للتمازج مع غيرها، باعتبار أن ذلك تاريخ مضى وانتهى. لكن يمكن إجمال ما جرى في عصر كامل هو العصر الهلليني بامتزاج الحضارة الفرعونية مع الحضارة اليونانية بدءا من الأديان إلى الحياة الاجتماعية. واستمر الأمر بعد الاحتلال الروماني حتى وصلت المسيحية إلى مصر.
لم ير المصريون في المسيحية أمرا صادما لهم، ولا في أي دين، بعيدا عن تفسيرات الكهنة وشيوخ السلطان، لسبب بسيط جدا، أن مصر كانت منبع الديانات ومنبع التوحيد، بل اندفع المصريون إلى المسيحية اندفاعا كبيرا، تحت التهديد الروماني والمذابح التي كانت تقام للمسيحيين المصريين، التي بلغت أشدها في عصر دقليانوس الذي افتتحه بقتل سبعين ألف مصري في الإسكندرية وسائر القطر. وفي يوم توليه الحكم بدأ المسيحيون تاريخهم القبطي حتى لا ينسوا.
كل عصر يحتاج إلى شرح كبير، في ذلك العصر كان هناك إنتاج ثقافي، كما هو في كل عصر، لكن لا نعرفه في مدارسنا. في مدارسنا لا نعرف إلا تاريخ الحكام. لم يكن بقاء الحكام في مصر سهلا، على عكس ما نعرف من الكتب المدرسية، فكم من ثورات قامت ضد بطش الحكام ـ إقرأ رواية لسلوى بكر مثل «البشموري» ـ في النهاية حدث استسلام المصريين للحكام، وانهار الإبداع الأدبي شيئا فشيئا، وإن ظهر الإبداع المعماري تحت رغبة الحكام في ترك آثار لهم مثل، المساجد والقصور القديمة والأسبلة وغير ذلك. وعلى رأس المساجد يمكن أن تجد أثرا لمفتاح الحياة الفرعوني، على سبيل المثال، ولم ير المصريون في الخط العربي ولا الميل الإسلامي في العمارة شيئا ضد أرواحهم، ولا عقائدهم القديمة التي طال بها العهد في التاريخ.
يمكن إجمال ذلك العصر كله في الاستبداد وانصراف الشعب يائسا إلى حياته في الحقول. بدأ سؤال الهوية يقفز بقوة مع عصر محمد علي، وبدء البعثات إلى أوروبا. ورغم القمع والسخرة في الأعمال، إلا أن المفكرين والكتاب بدأوا نهضتهم الجديدة في الفكر والآداب والفنون. صارت أوروبا ممثلة في فرنسا بالذات، وجهة للهوية الفكرية ولم يكن ذلك شاذا، فمصر تطل على البحر الأبيض المتوسط بأكثر من ألف كيلومتر، بل أن الإسكندر الأكبر حين اختار أن يبني عاصمة له اختار مكان الإسكندرية. كان واضحا جدا في هذه النهضة، أو البحث عن هوية أنها ليست خضوعا لأوروبا، بقدر ما هي عودة إلى الحقيقة، البحر المتوسط، فرفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وطه حسين وأحمد لطفي السيد ومحمود مختار وطلعت حرب، ومن تشاء من العظماء لم يكونوا على وفاق أبدا مع الاحتلال بمعناه الاقتصادي والعسكري. أما الثقافي فهو ميراث عالمي كان لنا فيه نصيب يوما.

ظهرت حركة طائفية لكنها لم تنجح مثل الإخوان المسلمين أو شمولية مثل الشيوعيين ولم تنجح، وانتصر التيار المعزز للإطلالة على البحر المتوسط.

وهكذا انشغل المفكرون بأسئلة من نوع قيام الأحزاب، وتكوين مجلس أمة، وتطوير التعليم في الأزهر، وانطلاق المجتمع الأهلي في الصناعة، وإدخال فنون جديدة مثل المسرح والرواية والسينما، وبالطبع بين ذلك قضايا مثل تحرير المرأة وتعليم البنات وإقامة الجامعة، وفي وقت قياسي وقصير جدا صارت مصر أم الدنيا وملاذا لكل المضطهدين أو الطموحين. اشتعلت المعارك الثقافية حول الهوية فطه حسين ينادي بالبحر المتوسط، وسلامة موسى الاشتراكي ينادي بالفرعونية، والعقاد بالأنكلو ساكسونية، ومصطفى صادق الرافعي ينادي بالإسلامية، لكن الجميع اتفقوا على الليبرالية طريقا للحكم. لم يكن حجر عثرة لهم غير المندوب السامي البريطاني والملك الذي لا يريد تقليص سلطاته، لكن كان للمندوب السامي سقف، لأن الحزب المعارض في إنكلترا سيزايد عليه، وكان للملك سقف لأن الاحتجاجات الشعبية لم تنقطع مع كل محاولة لتغيير الدستور وتكبير سلطاته. صارت الهوية تتكون بالمزج ومع التفاعلات الداخلية والخارجية، وهكذا تكون الهوية. لا يمكن فرضها على شعب. ظهرت حركة طائفية لكنها لم تنجح مثل الإخوان المسلمين أو شمولية مثل الشيوعيين ولم تنجح، وانتصر التيار المعزز للإطلالة على البحر المتوسط. فظهر في كل شيء في الحياة بدءا من المقاهي والطرق والمباني والحدائق والتفاصيل كبيرة ومعه ظل الجهاد ضد الاستعمار، لكن الهوية تعرضت لضربتين الأولى تمهيدية والثانية قاسمة. التمهيدية كانت مع ثورة يوليو/تموز 1952. القول الحاسم بالعروبة رغم أنه لم يتم تماما، لكن كان فيه إخفاء للتاريخ وهو البحر المتوسط.
وبالمناسبة كان الحديث عاليا عن العروبة بينما يتم تأميم كل ممتلكات وأعمال الشوام وغيرهم من العرب في مصر، وكأن العرب لم يكونوا في مصر وكانوا أحد أكبر أسباب نهضتها في الصحافة والثقافة والفن. والضربة الثانية كانت حاسمة مع أنور السادات، القول بالإسلامية كأننا لم نكن مسلمين. وحين قال ذلك كانت القاهرة تحتفل بكونها بلد الألف مئذنة، لكنه اكتشف أسهل طريق للقضاء على المعارضة اليسارية، ففتح الطريق لطائفية الإخوان واسعا. وأيضا انفتحت مصر بقوة الدولة وقوة المال المقبل من شبه الجزيرة العربية إلى الأفكار الوهابية أو السلفية المتطرفة.

إن مسخ الشخصة المصرية هو الآفة الكبرى التي جرت عبر الخمسين سنة السابقة بشكل خاص وعبر السبعين سنة، أي منذ يوليو 1952 بشكل عام.

سأعطيك مثالا غريبا على السلفيين في مصر في العصر الناهض ليبراليا، وليس مكتمل الليبرالية، لكنه كان في طريق الاكتمال حتى حدثت ثورة يوليو 1952 فأوقفته. في هذا العصر ومع بداية القرن العشرين بدأت الجمعية الشرعية وجماعة العروة الوثقى، لكنها كانت تدرك عصرها فكم أنشأت من مدارس ومستشفيات تقدمها للدولة الليبرالية تديرها. وأبناء جيلي يذكرون كم المدارس التي كانت تسمى بالعروة الوثقى تابعة لوزارة التعليم أو المعارف من قبل. اختلف الأمر منذ السبعينيات. صارت الحياة تعني نقابا وحجابا، وجلبابا قصيرا تحته بنطلون ولحية إلخ، وسبا في المسيحيين واليهود والأجانب من كل نوع في كل خطاب في المسجد. تجليات ذلك مرعبة حولنا بدءا من أسماء المحلات وأسماء العمارات المخالفة للقانون. عمارة الرحمن والصفا والمروة والتوحيد وغيرها كثير. مع ثورة يوليو/تموز بدأ تغيير أسماء كثير من الشوارع إلى أسماء عربية أو مصرية، لكن هذا صار منذ السبعينيات ديدنا وأساسيا والشباب منكم لم يعش مرحلة حرائق المسارح وعلى رأسها الأوبرا الخديوية. المهم تم مسخ الهوية المصرية بعادات غريبة في المأكل والمشرب والزي. ليس من حقي أن أتحدث عن نفسي، لكنني رصدت ذلك في رواياتي «ثلاثية الإسكندرية». من نحن الآن؟ هذا أمر يجب ان يهم القائمين على التعليم. مصريتنا لا تنفي عروبتنا، وإسلامنا لا ينفي الديانات الأخرى. هكذا كنا قبل أن يشوه حكم الفرد معنى العروبة ومعنى الإسلام. إن مسخ الشخصة المصرية هو الآفة الكبرى التي جرت عبر الخمسين سنة السابقة بشكل خاص وعبر السبعين سنة، أي منذ يوليو 1952 بشكل عام. لقد كان ذلك كله لترسيخ حكم الفرد، كما قلت، لا للعروبة ولا الإسلام لكن الثمن الذي دفعناه وندفعه غاليا. لقد انقطع النمو الليبرالي الممتزج مع البحر المتوسط لا مع الاستعمار. لا تحدثني عن عيوب الليبرالية فلكل نظام عيوب لكن عيوب النظم الشمولية قاتلة وفانية للمكان والزمان وانظر حولك أو في التاريخ.

٭ روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية