“صندوق الأحجار الملونة” مجموعة الشاعرة المصرية أسماء يس: قصائد نثر غير عادية لقارئ غير عادي

المثنى الشيخ عطية
حجم الخط
0

كما لو أنها “غيمة في بنطال”، تمرّ قصيدة الشاعرة المصرية أسماء يس في مجموعتها الشعرية الجديدة “صندوق الأحجار الملوّنة”، داخل إحساس القارئ، وخارج عقله الذي سيُطفئ نار الشغف في خلاياه إن توقف لتشغيله. ولكنْ لا بأس، هناك مساحات ممتعة للتساؤل ومحاولات الفهم التي تُفصح عن الدهشة أيضاً.

صندوق الأحجار الملونة، الذي يوحي بسعادة لملمة الطفل لعوالم الدهشة في صندوق أسراره، ينفتح من حيث البنية الظاهرة عن ثلاث قصائد نثر طويلة هي: “مذكرات مبدئية”، بأربعين صفحة، “الماء أو ما يشبهه”، بخمس عشرة صفحة، و”حصاد الحديقة”، بثلاثين صفحة، دون عناوين تفصل بين أجزاء القصائد الثلاث. وينغلق الغلاف ليشكل كتاباً أنيقاً بقطع صغير، يمكن استخدامه لتدفئة الجيب وإغنائه بالشعر كلما فسحت زحمة المترو المجالَ لمقعد فارغ يتيح التفرغ لحرق الضجيج بسيجارة متخيَّلة.

في تلاشي صوت ألم احتكاك عجلات القطار بالسكة، وصوت المرأة التي تصرخ متوعّدةً رجلاً محرجاً في الطرف الآخر، وصوتِ كمان الرجل الذي يحاول مسح انخذاله بابتسامة موسيقية، مع قرار نسيان المحطة المنتظرة، وترك القارب يسير ثملاً من دون مجدافيه؛ يتجلّى ما بداخل صندوق أسماء يس من مرايا وجوه أحجارها، التي تبدو:

“وكأنها لعبة، أُكمل الناقص بين فراغات الأصوات والملامح، بين درجتين من النظرات لا يكتشف الفرقَ بينهما إلا عاشقٌ، أحاول أن أعيد النظرات القديمة إلى الوجوه الشائهة علّها تصير أقلّ قسوة. الأقدار سرقت صندوق أحجاري الملونة، أيتها الأقدار أنت مدينة لي، اسدي لي خدمة، عليك بأصدقائي، وبعشاق الثرثرة، ومسترقي النظر، والهاربين، بهؤلاء الذين يسيرون وحفنة من الجبس في شنطهم تحسباً”.

من الشقّ الذي تنبثق منه بعض أنوار أحجار صندوقها المفتوح قليلاً، يمكننا اكتشاف طبيعة قصيدة نثر أسماء الخاصة بها، والمميزة بـكونها:

ـــ قصيدة نثر ممشوقة بطول لا يقتصر على القصيدة، بل يتجاوز ذلك متناغماً إلى طول الجملة الشعرية، وطول المقطع الشعري كذلك، ولكنْ دون ضياع؛ حيث سرعان ما تعود بك الشاعرة إلى أوكسجين البداية في لحظة انقطاع أنفاسك، فتشعرك بمتعة أكبر قد تدفعك للعودة إلى قراءة المقطع مرة أخرى بمتعة مختلفة.

ـــ قصيدة نثر متخايلة بزيّ يوحي بالقصة القصيرة، لكنك سرعان ما تكتشف أنه غير ذلك، من ملمس وإحساس النسيج الشعري النابض بكل جملة فيه، لتقرر أنه قصيدة نثر تستخدم تقنيات القصة القصيرة لكي تمتّن نسيجها ليس أكثر. ثمّ لكي تُدخلك في سرير مغاير لما تعودت عليه، ولكي تجعل نومك ينبض بأحلام الكتابة الآلية السوريالية التي تستفيق مذهولاً من صورها التي تطاردك: “بين النوم والصحوة، مرّ بعينيه على عرينا وقال: دعينا نتحدث عن الحرية. كان خيطا دخان يتقاطعان في منتصف المسافة، وهما صاعدان إلى السقف في طمأنينة، وكان صعباً عليّ أن أتحدث عن الحرية في سرير ضيق، قلت: لا، لنتحدث عن الحياة، ورأى هو أن ذلك يبدو أكثر منطقية، فقال انظري. نظرت، فرأيت قبوراً كثيرة من حولنا، كتل اسمنتية قبيحة، مبنية على عجل، ولا تحمل شواهد تخبر أي شيء عن الموتى الراقدين في داخلها، شممت، على رغم ذلك، رائحة هي مزيج بين الصندل والفل، ورأيت أنثى عقرب، تمشي في عز النهار، في رويّة لافتة للنظر بين القبور، تلدغ المتسللين، الذين يحبون الحياة، ويقصدون القبور لكل غرض عدا زيارة الموتى”… وهكذا، لا يمكن السؤال طبعاً، لماذا هي أنثى وليس ذكر عقرب.

ـــ قصيدة نثر مصاغة بجينات جملة شعرية مدهشة ترقص على السطور حرّةً ومندهشةً بنفسها، مغويةً لقارئها، ليس بتركيب صورها فحسب، بل أكثر من ذلك بحديثها عن فتنة صياغتها، إن فكّر قارئ مدهوش بذاته، أن يكون شاعراً ويحتاج للمزيد من صقل سيوف أدواته. وإن فكّر كيف يستطيع إطلاق حلمه في تركيب صور متراكبة كما الأحلام والكوابيس، وكما المياه في اختلافات تدفقها وسكونها، واختلافات تموّج ألوانها وفق ما تجري الرياح.

ـــ قصيدة نثر مميزة بالانسجام والتناغم بين أجزاء القصيدة رغم طولها، وعدم حمل أجزائها لعناوين، ويلاحظ هذا في قصيدة المذكرات المبدئية رغم ما يفترض بالمذكرات أن تخلق من تنوع واختلافات، كما في قصيدة “الماء أو ما يشبهه”، من تفاصيل وما في “حصاد الحديقة” من أشجار وأزهار وكائنات. ويساعد أسلوب لجوء الشاعرة لتدوير النهاية إلى البداية في لملمة القصيدة، وإحياء تناغمها.

ـــ قصيدة نثر متفاعلة بامتداد عميق، في مختلف الاتجاهات، مع الثقافة التراثية، الحاضرة، القريبة، والأجنبية؛ الاستثنائية، والعادية الممثلة بأسماء معروفة للقارئ العادي، مثل: عبد الوهاب الذي ” يعرف أن الألحان المسروقة تقتل مثلما تفعل الألحان الأصلية”، ومثل أحلام مستغانمي التي هي: “في الستين من عمرها، مازالت على قيد الحياة، وتحقن شفتيها بالبوتوكس كل عام”. وكذلك أمام الأسماء غير المعروفة للقارئ العادي، مثل “فروغ فرخزاد التي كتبت: ربما الحياة هي إشعال لفافة تبغ في البرهة بين مضاجعتين، ماتت في حادثة سيارة في الثانية والثلاثين”، ومثل فرجينيا وولف، وسلفيا بلاث، وآن سكستن، اللواتي متن منتحرات، ومثل الفاتن فيدريكو غارسيا لوركا، وآرثر رامبو الذي “رغم أنه: (ذات مساء، أجلس الجمال على ركبتيه،

ووجده مرّاً فلعنه)،

أدرك أن المحبة هي (ذلك المفتاح).

يظن بعض الناس أن كراهية الجمال أقل كلفة من

الوقوع في حبّه،

وأقل خطراً،

لكنني أعرف ماذا يدور في أرضي المتسعة،

ثمة جذرٌ حيٌّ في الكروم،

كاف تماماً،

صالح ليُزرع من جديد،

ليس لرامبو أن يكون مغامراً وحيداً،

سيموت شاباً وقد ارتوى، ألمْ يرتوِ؟

أما أنا فقد كان زادي حلماً،

ونصيبي سقاء،

كل صباح أملأ قربته، وأعطش

وفي الليل، ماذا عن الليل؟”.

إضافة إلى كل ذلك، ومن شق انفتاح الصندوق ذاته، يمكننا الاستمرار بالاكتشاف أيضاً أن قصيدة نثر أسماء يس، مميزة بكونها:

ـــ قصيدة نثر معبرة عن التعاطف الإنساني، بصورة غير عادية وصادمة، تجاه الأصدقاء “السفلة” بموتهم الخاذل، وقتلى الحروب، وقتلى كباري الحج المنهارة، وقتلى التظاهرات في ميدان رمسيس، واللاجئين الذين تتعاطف معهم إلى درجة احتلال مكانهم لتوصيف الشعور تجاههم من الآخرين الذين استقبلوهم بزيف السلوك، مع جريان هذا التعاطف بصورة إبداعية بعيدة عن المباشرة القاتلة.

ـــ وليس آخراً، قصيدةُ نثر مميزة بالسخرية العميقة المريرة، حيث: “لا أعرف الكثير عن الكواكب الأخرى، وحين أمسكت التلسكوب وصحت (إني آنست ناراً) كان ذلك في معرض السخرية.”. مع تميزها بالعذوبة الرقيقة رغم حدة النصل الذي تُكتَب به، والعمق الممسوح بالدهشة، والحكمة الجارحة، وجعل أسلوب عرض المعنى، معنىً بحد ذاته، إضافةً إلى محاولتها (عبر تشظي الجملة الشعرية، والمغايرة في رؤية الأشياء، وإقامة المرايا المتقابلة والمتجاورة أمام الذات، وتكوين غرف معدنية وزجاجية موازية ومغايرة للرؤية، والوقاحة الصادمة أحياناً)، توسيع زاوية الرؤية لدى القارئ، وإشراكه في تفكيك ما يراه ويعيشه. مثال هذا تفكيكها للمدينة وإعادة تركيبها بسخرية ضياع بعض المسامير في التفكيك، وجعلها لهذا “مفككة كوسط رقاصة آخر الليل”، من دون تقديم تنازل للقارئ الذي لا يريد أن يُتعب ذهنه في معايشة الجمال.

وختاماً، يعيدنا إلى بداية التنورة أو البنطال حيث لا فرق هنا، حول الذي يسير برأس غيمة، فإنّ “صندوق الأحجار الملونة” هو مجموعة شعرية ماطرة، وتجبر العشب من خلال إغوائه بالندى على أن يضوع برائحة مطر الشعر.

أسماء يس: “صندوق الأحجار الملونة

دار شرقيات، القاهرة 2017

97   صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية