تونس ـ «القدس العربي»: تحتضن تونس اليوم القمة العربية الثلاثين بعد أكثر من ستة أشهر من الاستعدادات على مختلف المستويات حتى تستجيب هذه القمة للحد الأدنى على الأقل من تطلعات الشعوب العربية، في خضم الخلافات العربية-العربية المزمنة والضغوط الأمريكية المتصاعدة لتمرير صفقة القرن.
صحيح أن الجماهير في العالم العربي لم تعد تنتظر الكثير من القمم العربية بعد أن أصيبت في العقود الأخيرة بكثير من الإحباط وخيبة الأمل من هذه القمم التي باتت مناسبة للتلاقي بين القادة العرب، أو من يحضر منهم، لا غير. ولكن تحاول قمة تونس أن تحقق نوعا من الاستثناء في ظل وضع عربي صعب وشائك لا ينبئ بإمكانية حصول أي اختراق. فقد تنجح القمة – على المستوى الشكلي على الأقل – في تجميع العدد الأكبر من القادة العرب مع حضور على أعلى مستوى كل من قطر والسعودية ولبنان والعراق وفلسطين والأردن والكويت وليبيا وغيرها، لكن على مستوى القرارات والمخرجات فأن هناك تطلعات كبيرة بأن تقدم مبادرات للصلح في عدد من الأزمات المشتعلة في المنطقة.
في هذا السياق سبق وأن عبّر وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي لـ»القدس العربي» أن «تجميع هؤلاء القادة على أرض تونس هو في حد ذاته نجاح للقمة ويمكن اعتباره خطوة أولى على طريق المصالحة».
فلسطين ومنع التطبيع
فلسطين تبقى هي الهم الأول والقضية المركزية لدى الشعوب العربية. أما بالنسبة للقادة العرب الذين يلتقون اليوم في تونس فلا يمكن تصور قيامهم باتخاذ موقف صارم تجاه الكيان الصهيوني مما يحصل في فلسطين وفي الجولان السوري المحتل، لأن قرارهم رهن القوى الكبرى. كما أن عديد هذه الدول تهرول نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني وتسعى لكسب وده.
ولعل الكيان الصهيوني هو أكثر من يدرك حالة الوهن والعجز التي تمر بها المنطقة العربية لذلك فهو يمعن في التصعيد، فيقصف المواقع والمدنيين ويستحوذ ويفتك بالأراضي سواء في فلسطين أو في سوريا. ويجد الصهاينة في اعتداءاتهم تلك تأييدا أمريكيا منقطع النظير من سيد للبيت الأبيض دأب على منح ما لا يملك لمن لا يستحق ويخشى سطوته وبأسه وبطشه المجتمعون في قمة العرب. وهذا ما دفع وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي إلى تذكير زملائه وزراء الخارجية العرب أثناء اجتماعهم أمس الأول الجمعة بقرار القمة العربية عام 1980، القاضي بقطع الدول العربية علاقاتها بأي دولة تنقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس. الوزراء العرب لم يرتاحوا لدعوة المالكي، وحين سأله أحد نظرائه مستهجنا إن كان يريدهم أن يقطعوا علاقاتهم بأمريكا، رد المالكي مستهجنا، على الأقل غواتيمالا.
المالكي وفي تصريحاته للصحافيين وجه رسالة للقمة من أجل إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية ومد يد الدعم بدل الخذلان وحذر خلالها من إقرار الإدارة الأمريكية المزيد من القرارات لصالح الاحتلال الإسرائيلي. وقال: «مرة أخرى يصدر نظام الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يملك الحق ولا السيادة، قراراً بإغلاق جزء أصيل من المسجد الأقصى، في محاولة جديدة للتحضير لتقسيم المسجد، هذا الخطر المُحدق الذي يتزايد يوماً بعد يوم، أمام أنظارنا، ونشهده ويشهده العالم في بث مباشر، دون أن نستطيع إيقافه أو لجمه».
ودعا المالكي «لإرسال رسالة جدية للولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، وافريقيا الشقيقة، إلى أمريكيا الشمالية والجنوبية وكل بلاد وقارات العالم، بأن فلسطين ليست بيانا أو قرارا نظريا في عقولكم وقلوبكم، دعونا نرسل فلسطين بندا جوهريا في خطابنا واتفاقاتنا الاقتصادية والسياسية مع الدول الأخرى». وناشد المجتمعين بتنفيذ قرار توفير شبكة الأمان المالية للحكومة الفلسطينية بمبلغ 100 مليون دولار شهري كما أقرت في قمم سابقة، للمساعدة على الصمود وتجاوز الضغوط الإسرائيلية والأزمة المالية التي تمر بها الحكومة الفلسطينية.
طرف في الصراع
أما يمنيا فلا ينتظر أن ينبثق عن القمة ما يشفي الغليل ويحقن دماء اليمنيين التي تسيل في شتى ربوع هذا البلد الذي نعت في عصر ما بأنه «السعيد» ونشأت في ربوعه حضارات لا يمكن إلا أن يقف المرء أمام شعبه العريق الضاربة جذوره في القدم، إجلالا واحتراما. فالدولة التي ساهمت ماليا في الإنفاق على هذه القمة بسخاء كبير، وحظيت بالحفاوة والتبجيل من قبل شقيقتها المنظمة لهذه القمة، هي طرف رئيسي في هذا الصراع أو هذا الجرح النازف إن صح التعبير.
وبالتالي فإن قرارات القمة بشأن اليمن ستفتقد إلى الحياد ولن تساهم في حقن الدماء ولن تجد الحلول الكفيلة لوحدة شعب الملكة بلقيس الذي دمرته الانقسامات المذهبية والقبلية والسياسية وبات مطمعا لمن هب ودب. كما أن أطفال اليمن لن يجدوا المناخ الملائم للعيش بسلام بعيدا عن القصف وسوء التغذية والانقطاع عن التعليم بعد هذه القمة.
على الهامش
أما فيما يتعلق بالملف الليبي فقد عقد امس اجتماع للرباعية على هامش أعمال القمة العربية ضمت الاتحاد الافريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية أكد خلاله المجتمعون على دعم مبادرة غسان سلامة للسلام وللتوافق بين الليبيين. وفي الحقيقة فان التطلعات من القمة ان تتخذ قرارات عربية لحل الأزمة الليبية ليست كبيرة باعتبار ان الأزمة خرجت منذ زمن من العباءة العربية وباتت محسومة – حسب عديد المراقبين -»أطلسيا» بين فرنسا من جهة وايطاليا من جهة أخرى، فلا ينتظر الكثير من الجامعة العربية عموما لأن الملف الليبي قد تم تدويله منذ عملية الإطاحة بالقذافي، وبعض العرب من دول الجوار أو من غيرها ليسوا إلا وكلاء للدول الكبرى في هذا الملف. فليبيا بات مصيرها بيد مستعمريها السابقين أي فرنسا التي كانت تحتل جنوبها، وايطاليا المستعمر السابق للشمال والذي يرعى المصالح الأمريكية والبريطانية في هذا الصراع.
وبالتالي فإن حل الأزمة الليبية هو رهين تفاهمات هذه الأقطاب الكبرى التي يلتزم بقراراتها لاعبو الصف الثاني من الوكلاء العرب وغير العرب، ثم أطراف الصراع الليبي والميليشيات التابعة لهم. وبالتالي فإن الجامعة العربية وأعضاؤها هم خارج دائرة القرار بشأن الأزمة الليبية التي تبقى رهينة جهود أممية توفيقية على غسان سلامة أن يقوم بها بين الكبار فيلتزم بها الصغار طوعا أو كرها. وبقي مقعد سوريا وعودتها إلى الجامعة العربية السؤال الذي طرح نفسه بإلحاح في كواليس القمة رغم أن جدول أعمالها لم يطرح هذا الملف بشكل رسمي.
دعاية لتونس
ويتفق جل التونسيين على أن المستفيد الأبرز من تنظيم هذه القمة هي تونس التي تبعث برسالة إلى العالم وإلى أشقائها العرب بأنها استعادت عافيتها وعادت لها القدرة على تنظيم أهم التظاهرات الإقليمية والدولية في شتى المجالات، وأنها عادت أيضا للعب دورها القديم في المساهمة في لم شمل العرب، وهي التي احتضت مقر جامعة الدول العربية خلال ما يزيد عن عقد من الزمان إضافة إلى أنها بقيت دولة المقر للمنظمات التابعة للجامعة مثل مجلس وزراء الداخلية العرب والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم واتحاد إذاعات الدول العربية وغيرها. كما أن تونس هي التي احتضنت منظمة التحرير الفلسطينية بعد مغادرتها بيروت سنة 1982 على إثر الاجتياح الصهيوني لعاصمة بلد الأرز.
وبالتالي فإن الخضراء التي كانت على الدوام فاعلا هاما على المستوى العربي تواصل لعب دورها لا غير من خلال احتضان هذه القمة، وما الحضور اللافت للقادة العرب لحضور هذه القمة سوى اعتراف ضمني لها بأهمية ما لعبته من أدوار سابقا في إطار العمل العربي المشترك ومساهمتها في ترسيخ التضامن العربي واقعا. كما أن الحضور الكبير للقادة العرب هو تتويج لسياسة النأي بالنفس عن صراعات المحاور التي دأب عليها رئيس الجمهورية منذ توليه للحكم سنة 2014 بعد أن أدخل من سبقه البلاد في صراعات لا قدرة لها على تحمل عواقبها، ويتفق جل الطيف السياسي التونسي على أن المنجز الوحيد الذي يحسب للباجي قائد السبسي خلال فترة حكمه هو نجاحه في السياسة الخارجية، ولعل اضطلاعه بحقيبة الخارجية زمن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة قد ساهم في هذا النجاح الذي يقابله فشل في عديد المجالات ومنها الاقتصاد.