تونس ـ «القدس العربي»: تعددت الأحزاب السياسية في تونس بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي في 14 كانون الثاني/يناير 2011 وبلغت حدا لا يطاق ولا يتناسب مع الحجم السكاني المحدود للبلاد، والذي ساهمت فيه سياسة تحديد النسل التي انتهجتها دولة الاستقلال بزعامة الحبيب بورقيبة. وفاق عدد الأحزاب الـ200 منذ مدة ولعله قريبا سيصل إلى المئة الثالثة مع هذا السعي المحموم للسياسيين لتأسيس الأحزاب السياسية أو «الدكاكين الصغيرة» كما يسميها البعض باعتبار محدودية حجمها وعدم قدرتها على استقطاب الجماهير.
فالكل في تونس يكاد يشعر أنه زعيم وأن انضواءه تحت راية حزب قائم هو حط من كرامته ومن حجمه السياسي الذي يراه في أعلى عليين وقد لا يرضي غروره حتى قصر قرطاج حيث أعلى هرم السلطة. في حين أن الواقع يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن عصر الزعامات قد ولى وانتهى في تونس وأن الساحة السياسية متعطشة لقائد ملهم حقيقي قادر على جمع شتات هذا الشعب وإيجاد الحلول السحرية لأزمتيه الاقتصادية والاجتماعية.
عائلات سياسية كبرى
والحقيقة أن في تونس أربع أو خمس قوى سياسية كبرى لا غير، ومن المفروض أن تتواجد أربعة أو خمسة أحزاب سياسية كبرى يلتف حولها التونسيون ويدعمونها ويكون حضورها بارزا على كامل تراب الجمهورية. وهذه القوى هي الإسلاميون والدساترة (التيار الوطني الذي ركز بورقيبة أسسه على فكرة الذاتية التونسية والمطاح به بعد 14 كانون الثاني/يناير 2011) واليسار والقوميون، ويضيف البعض التيار الليبرالي الذي يعتبر حضوره ضعيفا على الساحة التونسية وباعتبار تبني الإسلاميين والدساترة لنهجه الاقتصادي، والجميع لشعاراته المدافعة عن حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة وهو ما يجعل إمكانية انصهاره مع باقي الأطياف أمرا ممكن التحقق يجنب البلاد هذا التشتت وهذا الارتفاع المهول في عدد الأحزاب السياسية.
فئة الشباب أصبحت تعيش في قطيعة مع الحياة السياسية بسبب الأحزاب السياسية
ويجعل هذا العدد المهول للأحزاب السياسية الحليم حيرانا في عملية الاختيار فيما بينها خصوصا خلال الانتخابات حيث تتعدد القوائم المترشحة وتتشابه البرامج التي لا يتم تنفيذها لاحقا عند الوصول إلى السلطة مثلما تثبت التجربة. كما تحصل الحيرة لدى الراغبين في الانضمام إلى حزب سياسي للمشاركة في عملية البناء والوصول إلى السلطة حيث يواجه بعائقين أساسيين، تكرار الأهداف والبرامج لدى غالبية التونسيين، وعجز الحزب السياسي الذي تعوزه الإمكانيات المالية (وهو حال السواد الأعظم) عن الوصول إلى المواطن حيث هو في كامل تراب الجمهورية سواء ماديا أو إعلاميا.
فنسبة هامة من هذه الأحزاب هي على الورق لا غير ولا وجود لها على الميدان ولا قدرة لها على حل مشاكل التونسيين وتلمس معاناتهم، أسسها أصحابها ليقال إن فلانا هو رئيس الحزب الفلاني. إلا أن هذا الحزب غائب تماما على الساحة ليس فيه منخرطون ولا مساندون ولا قدرة له على التعبئة وضمان الظهور الإعلامي المستمر واستقطاب فئة الشباب على وجه الخصوص والتي أصبحت تعيش في قطيعة مع الحياة السياسية بسبب هذه الأحزاب.
ضرورة الانخراط
وعن عزوف الشباب التونسي عن الانضمام إلى الأحزاب السياسية القائمة تشير الناشطة الاجتماعية سناء بنضو المدير التنفيذي للمعهد العربي للديمقراطية لـ»القدس العربي» إلى أن مشاركة الشباب في الأحزاب السياسية تعتبر محدودة ودون المطلوب، خصوصا في ظل حاجة تونس الديمقراطية الناشئة لتجديد نخبتها السياسية. وهذا لا يمكن ان يتحقق، حسب بنضو إلا من خلال اقتناع الشباب بجدوى الانخراط في الحياة الحزبية وانعدام إمكانية تغيير الواقع المتأزم دون هذا الانخراط.
وتضيف قائلة: «لقد لاحظنا ان ضعف مشاركة الشباب في العملية الانتخابية وحالة العزوف التي ميّزت الانتخابات البلدية الأخيرة، قد عمَّقا أزمة البلاد الاقتصادية والاجتماعية التي يطالب الشباب بإيجاد حلول لها. فعلى الشباب أن يدرك انه ما حكّ جلدك مثل ظفرك، وان الاكتفاء بالتذمر لن يقود إلى مستقبل أفضل هو مراد الشباب.
أما كثرة الأحزاب بالنسبة للشباب فلها وجهان، الأول إيجابي لأن عددا من هذه الأحزاب نشأ جراء مبادرات شبابية وبقيادات شبابية. والثاني سلبي لأن الإمعان في تشتيت المشهد الحزبي عادة ما يكون لصالح النخبة السياسية القديمة، الأكثر خبرة وامكانيات».
وعود تتبخر
وتقول الصحافية التونسية سهام عمار لـ «القدس العربي» أنها كصحافية ميدانية واكبت منذ 2011 جل الحملات الانتخابية للأحزاب والمستقلين، واطلعت على برامج قدمت بدموع التأثر والشفقة على شعب اهترأت مقدرته الشرائية وأثقل كاهله بالضرائب المتلاحقة (حوالي 80 في المئة من موارد الدولة التونسية متأتية من الضرائب) وقدمت له برامج على أساس أنها ستعنى بالشباب والجهات الداخلية وستقضي على الإرهاب والفساد. ثم بمجرد إعلان النتائج تتبخر هذه الوعود في الهواء ولا يمطر سحابها نفعا للشعب، على حد تعبيرها.
الإمعان في تشتيت المشهد الحزبي عادة ما يكون لصالح النخبة السياسية القديمة
وتضيف: «ومواكبتي لكواليس السياسة وتنصيب الوزارات وتغيير الحكومات تجعلني مطلعة على زيف الوعد وضبابية الغد، فعلا لم نعد نثق في السياسيين ولا في برامج يضعها خبراء وتقدم للناخب بطريقة مسرحية لاستعطافه، لأن هذه البرامج سرعان ما توضع على الرف بمجرد إعلان نتائج الانتخابات. والبرامج صنفان، الصنف الحاكم وهو المحاصصة وتقاسم الحكم في ائتلافات تحمي مصالحهم وتؤزر بقاءهم في الحكم بتحالفات نيابية تمنح الثقة للحكومات المتتالية رغم نقدها وانتقاد الأسماء المختارة، وبرنامج الصنف المعارض القائم على إدانة الحاكم والسعي للإطاحة به في تظاهرات صوتية أملا في تحريك الشارع للاستعانة به على إسقاط الحكومة وتصعيدهم هم دون تقديم بديل لحل كل مسألة شائكة تواجه الشعب.
لقد شهدنا أزمات متتالية لم يصدق فيها الحاكمون بأمرهم ولم تسعفنا فيها المعارضة، واليوم لدينا ما يقارب الـ300 حزب نصفها اتكأ على اسم الدولة، نداء تونس / تحيا تونس / تونس إلى الأمام…. لكن نصب أعينهم كرسي الحكم فقط لا تونس. ويتساءل كثيرون عن ازدياد العزوف عن التسجيل أو حضور اجتماعات الأحزاب، السبب بسيط لدى أغلب الناخبين وأنا منهم، أن لا أحد على الساحة يستحق ثقتنا وعندما أتداول في الأمر مع عائلتي وأصدقائي ممن يشاطرونني الرأي أجد أمنية وحيدة أن يتم تعديل القانون الانتخابي لتصبح الورقة البيضاء صوتا يعبر عن رأي الناخب الذي يتمنى رحيلهم جميعا حكومة ومعارضة».
وترى الإعلامية التونسية أن صوت هذه الأغلبية الساحقة سيظل لا معنى له في ظل اعتبار الورقة البيضاء ملغاة، وأن أغلب من اضطروا لاختيار الأقل سوءا في انتخابات 2014 بمعنى التصويت للباجي ونداء تونس دون سواهما من قبل التيار الحداثي حتى لا يتم تشتيت الأصوات وتفوز حركة النهضة، لن يشاركوا في الانتخابات المقبلة، حسب عمار، لأن من وضع النظام الانتخابي لم يترك مجالا للمجموعة التي ترفض كل المرشحين وترغب في الإطاحة بهم جميعا عبر الصندوق. وفي غياب ذلك ترى أن الماكينات الانتخابية للأحزاب الكبرى ستشتغل وتتقاسم نتائج الانتخابات كل وفق ما أغدق على ناخبيه من خيرات المال السياسي الذي تصرفه لوبيات الداخل والخارج لتصعيد بيادق تحمي مصالحها. وتشير إلى أنها تعرف من كانت له تجربة مريرة مع الجبهة الشعبية على سبيل المثال حيث أراد الترشح في إحدى دائرتي ولاية نابل بقائمة شبابية لكنهم رفضوا ذلك ورشحوا شخصا منهم عمره 60 سنة وانهزم شر هزيمة وهو ما قد يفسر في رأيها هذا العزوف الشبابي عن المشاركة في الحياة السياسية.
نفور سياسي
سليم الشاهد (29 عاما من باردو) شاب تونسي كان ناشطا سياسيا في أحد الأحزاب التونسية وأوضح لـ «القدس العربي»: «بعد الثورة والانتقال السياسي الكبير الذي حدث في تونس، جذبني عالم السياسة فانتميت إلى الحزب الليبرالي المغاربي. لكن بعد انتخابات المجلس التأسيسي الأول لم يحقق هذا الحزب نتائج جيدة فانسحبت منه بعد أن لمست ضعف الأداء. ثم انضممت إلى حزب آخر على أمل أن أجد فيه ما يطمح إليه أي شاب تونسي بعد الثورة وان أمارس حقي في النشاط السياسي والشأن العام ولكن للأسف لم أجد التأطير اللازم واكتشفت ان جل السياسيين اليوم لا ينشئون الأحزاب من أجل المصلحة العامة والدفاع عن الأوطان وبنائها أو إعطاء دور للشباب، وبالنسبة لهؤلاء القادة فما يهمهم هو ان يكون الشباب حطب معاركهم الانتخابية وأرقاما للتصويت لهم لا غير، وهذا ما دفعني إلى ترك النشاط الحزبي منذ مدة «.
أمنية الشباب أن يتم تعديل القانون الانتخابي لتصبح الورقة البيضاء صوتا
أما حنان بن اسماعيل (25 عاما) فتحدثت بألم عن الوضع السياسي في البلاد قائلة: «جذبني بعد الثورة الحراك السياسي الكبير ورغبت في أن أكون عضوا فاعلا في مجتمعي والمساهمة في الانتقال الديمقراطي الدائر فانضممت إلى حزب الاتحاد الوطني الحر عن إحدى دوائر العاصمة. ولكن هذه التجربة السياسية لم تستمر أكثر من عام فانسحبت بعد الانقسامات التي حدثت في الحزب في شهور تأسيسه الأولى». وتضيف: «الأحزاب السياسية بعد ثماني سنوات من الثورة لم تقدم إلا خطبا فارغة والطبقة الحاكمة زادت من دمار البلد وأرجعته للوراء على كافة المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية».
أما الناشط السياسي والحقوقي صبري الثابتي فيقول لـ»القدس العربي» إن عزوف الشباب عن الانضمام إلى الأحزاب له أسباب عديدة منها تخمة الأحزاب السياسية التي تجعل الاختيار صعبا بل مستحيلا بالنسبة للشاب. كما يرى أن إقصاء كبار السن للشباب من المواقع القيادية داخل هذه الأحزاب يزيد من نفور هذه الفئة اليافعة من الأحزاب ومن الحياة السياسية عامة نحو وجهات أخرى بعضها معلوم والبعض الآخر غير معلوم.
ويضيف: «تساهم الوعود الانتخابية الكاذبة أيضا في نفور الناس وليس فقط فئة الشباب من الحياة السياسية التونسية التي تعددت فيها هذه الوعود الزائفة المسيئة إلى أصحابها وإلى الوطن المكلوم».
وفي الحقيقة فان نسبة العزوف عن التصويت التي سجلتها الانتخابات المحلية التي جرت مؤخرا والتي مست شريحة واسعة من الشباب، تكشف مستوى العزوف الكبير لدى الشباب اليوم في تونس. فهذه الظاهرة الاجتماعية والسياسية هي من الخطورة بمكان باعتبار أن الشباب هم مستقبل الأوطان ونخبتها السياسية المقبلة، وبقاء هذه الشريحة بعيدا عن التأطير الحزبي والعمل العام لا يساهم بتاتا في تحسن الوضع أو مواجهة الأزمات والتحديات الكبرى التي تواجه البلاد.