فواز طرابلسي في “سايكس ـ بيكو ـ بلفور: ما وراء الخرائط”: تقسيم المنطقة مشروع مصالح استعمارية مستمر

سمير ناصيف
حجم الخط
0

 من أبرز القضايا الفكرية والسياسية التي تُطرح بشكل مكثف في الأوساط الفكرية والأكاديمية العالمية ولدى كبار المفكرين والكتّاب هذه الأيام هي قضية صواب “نظرية المؤامرة” في التحليل السياسي وحكمة استخدامها لدى اتخاذ القرارات المصيرية للشعوب أو أفضلية التركيز على مقاربة “المصالح”.

الكاتب اللبناني الدكتور فواز طرابلسي تناول هذه القضية في كتاب صدر له مؤخرا بعنوان: “سايكس بيكو ـ بلفور: ما وراء الخرائط” شمل أيضا معلومات تاريخية قيّمة حول أحداث مطلع القرن الماضي.

هذا الكتاب المرتكز على الوثائق والأبحاث المعمقة تناول أوضاع المشرق العربي قبل وخلال الحرب العالمية الأولى، وطرحَ أسئلة هامة حول “اتفاقية سايكس ـ بيكو” بالإضافة إلى دوافع الأطراف المختلفة التي لعبت دوراً في إصدار “وعد بلفور” الذي ساهم في نشوء الكيان الإسرائيلي الحالي في فلسطين. وقد أوضح الكاتب معنى مفهوم “الانتداب” حسب منطق الدول الأجنبية الغربية الاستعمارية وانعكاساته على الدول التي انشأها الاستعمار في المنطقة خلال المؤتمرات الدولية التي انعقدت بعد الحرب العالمية الأولى وعلى أثر سقوط هيمنة الدولة العثمانية وزوال تقسيماتها الإدارية لإقليم المنطقة.

ولعل من المفيد في مراجعة هذا الكتاب الابتداء من السطور الأخيرة في الفصل العاشر (الختامي) وعنوانه: “خلاصات” حيث قال طرابلسي في موضوع “المؤامرات” من جهة، و”المصالح” من جهة أخرى،”الحق ان المسألة مسألة مصالح. ومَنْ يغيّب دور المصالح يغيب مصالحه ويخضع لمصالح الغير الذين يدركون مصالحهم ويتصرفون على أساسها. بدأنا بالمؤامرات والمشاريع، وها نحن نعود إليها”. واستشهد الكاتب بموقف المفكر العربي ياسين الحافظ بعد نكسة حزيران (يونيو) 1967 قائلا ان “الحافظ في نقده لها دعا إلى تجاوزها وإلى اعتماد منهج المصالح بدلا من منهج المؤامرات بيننا وبين القوى (المعتدية) الغربية حيث هناك تناقض وتضارب مصالح” داعياً إلى أن “نبلور مصالحنا الوطنية والقومية والديمقراطية والاجتماعية ونناضل من أجلها”. (ص 321).

وعبّر عن تحفظه إزاء “نظريات المؤامرة” بشكل خاص في الفصل الخامس المتطرق إلى “إعلان” أو “وعد بلفور” حيث اتخذ موقفاً تحليلياً براغماتيا إزاء دوافع القادة الذين شاركوا في وضع هذا الإعلان واصداره آنذاك.

ففي الصفحة (168) وتحت العنوان الفرعي: “الإعلان: الدوافع” تطرّق الكاتب لأبرز النظريات والتفسيرات الرائجة لدوافع إصدار “إعلان بلفور” مراجعاً وناقداً الصدقية في كل من هذه التفسيرات.

التفسير الأول، حسب قوله، كان أن إعلان بلفور كان عربون وفاء لأثرياء اليهود لأنهم مولوا المجهود الحربي لبريطانيا والدول الحليفة في الحرب العالمية الأولى. وقال إنه رغم حدوث مثل هذا التمويل فلا توجد أدلة على نسبته، كما أن أثرياء يهود أوروبا وأمريكا مولوا المجهود الحربي لألمانيا وخصومها على حد سواء من أجل تضخم ثرواتهم المالية. النظرية الثانية، كما أشار، ان “إعلان بلفور” كان مكافأة لحاييم وايزمان (القائد الصهيوني الذي استخدم خبرته كعالم كيمائي لإنتاج كميات كافية من مادة “الاسيتون” الكيميائية لصناعة بدائل للبارود في المجهود الحربي البريطاني في الحرب العالمية الأولى. واعتبر المؤلف ان هذه النظرية تدعو إلى السخرية لتبسيطها الأمور، وأول الساخرين منها كان وايزمان نفسه، وهي أيضا تندرج في “نظريات المؤامرة”.

وأوضح طرابلسي وجود دوافع فردية وشخصية لدى بعض السياسيين في دفع عملية “إعلان بلفور” إلى الأمام، وبين هذه الدوافع، أن الوعد بالموطن القومي لليهود كان غرضه التخفيف من الاضطرار لاستقبال أعداد كبيرة منهم في بريطانيا”. (ص 170).

 أما بالنسبة للدوافع الدينية، فقال المؤلف إنها لم تكن متطابقة لدى “شخصيات” إنتاج سايكس بيكو ـ بلفور، فمارك سايكس كان كاثوليكياً وربما تصور ان احتلال بريطانيا للقدس سيشكل انتقاماً لخسارة الصليبيين المدينة المقدسة على يد صلاح الدين الأيوبي، والمسؤول الحكومي البريطاني (آنذاك) لويد جورد (البروتستانتي) ربما نظر إلى احتلال القدس وكامل فلسطين على انه تحرير من سيطرة الفرنسيين الكاثوليك عليهما، واللورد شافتسبوري (المسيحي الصهيوني) لعله كان يرى في ذلك الاحتلال التمهيد للعودة الثانية للمسيح إلى الأرض، بالإضافة إلى دوافع اللورد بلفور الذي جمع بين المسيحية الصهيونية والعنصرية. (ص 170).

والنظرية الرابعة ان “إعلان بلفور” تم لتشجيع الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون للدخول في الحرب إلى جانب الحلفاء عبر استرضاء أبرز مستشاريه الصهيونيين اليهود لويس براندايس، فيما في الواقع دخلت أمريكا الحرب في 6 نيسان (ابريل) 1917 أي قبل أكثر من نصف السنة من صدور “وعد بلفور”.

كما دحض طرابلسي نظريات أخرى بينها صدور “إعلان بلفور” لإقناع قادة الثورة البولشيفية الروسية البقاء في الحرب مع الحلفاء علماً ان هذه الثورة قامت بعد صدور الإعلان!

الأهم في “إعلان بلفور” في رأي الكاتب، انه نزع حق الشعب الفلسطيني في الدولة والاستقلال وتقرير المصير (الحقوق السياسية) أي انه حرم العرب الفلسطينيين من صفة “الشعب المقيم في الأرض” من أجل تثبيت حق بريطانيا في استعمار فلسطين (يعني مصالح بريطانيا أولاً). وهذا يعني انه حرم الفلسطينيين من تكوين أمة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة خاصة. (ص 174).

وأضاف انه “جرت عملية شطب الشعب الفلسطيني (الذي كان يشكل الأكثرية في أرض فلسطين) من ميدان تطبيق الحق في تقرير المصير بالاستبدال، بحيث مُنح اليهود، وعددهم في فلسطين لم يتجاوز ستين الفاً (آنذاك) صفة الشعب وما يستتبعه من حق في إقامة دولة قومية لهم”. أي ان بريطانيا الاستعمارية رأت انه “في مصلحتها” (وليس لدوافع إنسانية أو أخلاقية أو دينية) اتخاذ هذه القرارات.

وأضاف طرابلسي في الصفحة التالية (ص 175) مقطعاً هاما جداً يندرج في مقاربته الفكرية قائلاً إن: “عدم ذكر دولة يهودية بدل الموطن القومي اليهودي، في رسالة اللورد بلفور لم يكن فقط (والتشديد على فقط) من قبل الثورية بقدر ما كان للتأكيد انه لن يكون في فلسطين غير دولة واحدة هي الدولة البريطانية”.

كما استطرد طرابلسي قائلا حول خطورة “إعلان بلفور” سياسياً في مرحلتنا الحالية: “تجدر الإشارة إلى استمرار السعي الصهيوني، بعد قرن من النزاعات والاتفاقات والحروب واحتلال المزيد من أرض فلسطين وتوسع الاستيطان والانقلابات في موازين القوى بين إسرائيل ودول الجوار جرى من أجل استكمال حرمان الشعب الفلسطيني هذا الحق بإسقاط الديمقراطية من تعريف دولة إسرائيل أي إزالة شبهة المساواة السياسية بين اليهود والعرب وتأكيد التفوق العنصري لليهود من خلال تشريع يهودية الدولة في “قانون الأمة الدولة الإسرائيلي” الذي صدر في أيار (مايو) عام 2018 والذي عرف إسرائيل انها امة الشعب اليهودي”. (ص 176).

أي ان المؤلف رأى في “إعلان بلفور” وفي انعكاساته على الأوضاع السياسية في فلسطين والمشرق العربي حالياً مشروعاً استعمارياً بدأته بريطانيا في مطلع القرن الماضي وتكمله مع حلفائها في هذه المرحلة تنفيذاً لمصالح الدول الاستعمارية في المنطقة وليس عطفاً على يهود العالم ودولتهم”.

وأكد الكاتب (في الفصل السابع) ان حضور الأمير فيصل الهاشمي “مؤتمر باريس” في عام 1918 الذي دُعي إليه وفد صهيوني ومُنع وفد فلسطيني من حضوره، مهد للقاء الأمير فيصل الهاشمي وحاييم وايزمان القائد الصهيوني البريطاني حيث أعلن فيصل فيه موافقته على “إعلان بلفور” وعلى هجرة اليهود إلى فلسطين ظنا منه أن هذه الهجرة هدفها التعاون الاقتصادي اليهودي مع العرب وليس إنشاء دولة صهيونية يهودية (ص 218). وقد استخدم وايزمان هذا الموقف كدليل على موافقة العرب على إعلان بلفور فيما طُرحت تساؤلات حول تمثيل الأمير فيصل للعرب عموماً. والواقع ان فيصل (حسب الكتاب) تحفّظ على الانتداب وقال انه إذا تقرر الانتداب فهو يفضل الأمريكي وليس البريطاني الفرنسي. (ص 223 ـ 224).

ورأى طرابلسي ان فيصل ربما قدم تنازلات لوايزمان لأنه شعر ان بريطانيا ستتخلى عن سوريا لفرنسا وعن وعودها له بالسلطة هناك (ص 231) أي ان فيصل أدرك لعبة المصالح وتقسيم المنطقة حسب مصالح الدول الاستعمارية منذ تلك الفترة، كما شعر بان الانتداب الأمريكي، حسب مواقف الرئيس ويلسون ربما كان أفضل لمصالحه، وخصوصا ان ويلسون تساءل (حسب المؤلف) لماذا حقوق الأقلية اليهودية تتجاوز حقوق الأكثرية العربية في فلسطين (ص 238). كما كان ويلسون يريد ان تتولى “عصبة الأمم” شؤون السكان المسلمين الذين تعاونوا مع الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وتحضيرهم للاستقلال، فيما كوفئوا من البريطانيين والفرنسيين بالاستغلال ونهب موارد بلادهم. (ص 242).

كتاب طرابلسي، بالإضافة إلى اعتماده مقاربة واقعية براغماتية وأكاديمية علمية يورد وقائع تاريخية هامة عن تلك الحقبة تشكل أرضية مفيدة لفهم ما يجري حالياً من استغلال لحقوق الفلسطينيين والعرب من أجل مصالح الدول الاستعمارية، وينبه الشعوب العربية إلى خطورة العودة إلى منطق الاستعمار.

واعتبر طرابلسي فيه أن كيانات المشرق العربي التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى في ظل فترة الانتداب هي جغرافيا مصطنعة وتكونت بعد التحوير والتراجع عن المعاهدات والوعود والخطط وأتت بأشكال غير متوقعة. وأضاف انه “لم يبق من التعهدات التي تبادلها مارك سايكس وفرنسوا جورج بيكو أي أثر للدولة العربية التي كانت تحتل قلب الخريطة (التي رسُمت في ذلك الاتفاق). كما صار اتفاق الأمير فيصل الهاشمي وحاييم وايزمان فاقد الصلاحية إذ ذهب كامل فلسطين لبريطانيا بالإضافة إلى ولاية الموصل الموعودة لفرنسا، ولم يبق الكثير من الخط الشهير الذي رسمه مارك سايكس من عكا إلى كركوك. اما “إعلان بلفور” فعدّل تفسيره في خرق واضح لمنطق رغبات الأكثرية الذي قامت عليه مبادئ الرئيس ويلسون ومبادئ أنظمة الانتداب المفترض تطبيقها حيث تم فرض الأقلية على الأكثرية سياسياً وقانونيا وسيادياً. (ص 309) ودفع الأمير فيصل الهاشمي الثمن الباهظ لاتكاله على بريطانيا الاستعمارية التي (حسب المؤلف) سلمته مُكبل اليدين والقدمين لفرنسا بسبب تبادل المصالح بين الدولتين الاستعماريتين.

واستنتج المؤلف في نهاية الكتاب ان كثيراً من الكيانات التي نشأت عن تلك الفترة فُرضت فرضاً بعدما أنشأها الاستعمار لتنفيذ مصالحه.

فهل ما يحدث حالياً هو ان التاريخ يعيد نفسه بعد مئة عام وفي ظل قيادات عالمية تكترث فقط لمصالحها وتسعى لتغيير الكيانات ولإنشاء كيانات مصطنعة جديدة؟

فواز طرابلسي: “سايكس ـ بيكو ـ بلفور”

دار رياض الرئيس للنشر، بيروت 2019

366 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية