«رحلة الحاج المعاصر إلى مكة» للرحالة البريطاني وافل»: الاستشراق في حدود الوصف

في سياق جدلية الكتابة الاستشراقية غالباً ما يُنظر إلى أي خطابات تجاه الشرق في مرحلة الاستشراق الكلاسيكي من منظور التوجس، أو البحث عن خطايا التاريخ الاستعماري، أو جنايات التعميم والتنميط التي شاعت في الكثير من الخطابات الاستشراقية، غير أن ثمة نماذج خطابية – تبدو إلى حد ما- وقد نأت بنفسها عن هذه التهم، ومع ذلك، فهي تبقى في ظلال النزعة التي ترى الشرق بوصفه العالم الآخر؛ أي ذاك الذي يخرج عن سياق الوعي الغربي بمعنى المختلف، أو المغاير، ولاسيما عن نموذج حضاري وحيد يجب أن يكون مركز العالم؛ ونعني المركزية الأوروبية الكامنة في العقل الغربي الذي بدا منشغلاً إبان الاستعمار الكلاسيكي باكتشاف الغامض من العالم، بغية إخضاعه للبحث والتحليل والتصنيف، تبعاً لمنهجيات محددة، في حين أن ثمة خلف تلك المنهجيات نوايا مخاتلة، غير أنها تتوافق على أهمية إخضاع النافر عن الوعي – من الثقافات الأخرى- للمبدأ المعرفي الذي يتيح القدرة على فهم ما هو خارج سياق السيطرة.
من أبرز الكتابات التي نالت حظوة واهتماما في دوائر الدراسة الغربية كتاب «رحلة الحاج المعاصر إلى مكة عام 1908»، وهو من تأليف الضابط أو الرحالة البريطاني آرثر جون وافل، أو كما يسمى «الحاج علي الزنجباري»؛ وهو الاسم الذي يظهر على غلاف الكتاب بوصفه اسم الشخصية التي تنكر بها الضابط الإنكليزي كي يتمكن من تحقـــــيق رحلة حج ـ محفوفة بالمخاطر – إلى مكة المكرمة التي يحرم دخولها على غير المســــلم، فكـــان لا بد من أن يخلق شــخصية جديدة تمكـــنه من التسلل، والقيام بهذه المغامرة بوصفها نوعاً من التحدي، أو رغبة باكتشاف عالم محجوب.
الكتاب نشر سنة 1913 أي بعد الرحلة بخمس سنوات عن دار نشر كونستابل في لندن بعنوان:
A Pilgrim in Mecca and a siege in Sanna في حين أن الترجمة العربية اضطلعت بها ريم بوزين الدين من منشورات دار الكتب الوطنية في أبو ظبي سنة 2011. الكتاب في تكوينه العام لا يخرج عن سياق أدب الرحلات بكل ما ينطوي عليه من بنى وصفية وسردية، تضطلع بمهمة نقل القيم المعرفية التي تشمل التعرف على هوية المكان، وتقاطعاته على مستوى المرجعيات الثقافية، مع نزعة غير ناضجة لتمكين الرؤية الأنثربولوجية. وهذا يأتي في سياق وصف الصيغ الزمانية كما الهوية السياسية للمكان، علاوة على النزاعات التي كانت تندلع بين القوى العثمانية أو التركية، التي كانت تهدف إلى القيام بدورها في تأمين الحجيج من حيث الأمن والسلامة، ومراقبة الطريق، فضلاً عن وصف الحضور الهاشمي ممثلاً بالشريف حسين ومكانته في مكة المكرمة، كل ما سبق في سياق رصد تحول في المشهد السياسي، من حيث بروز قوى إمبراطوريه تتربص ببسط نفوذها على المنطقة.
في المجمل تتخذ الرحلة نسقاً قائما على وصف المراحل التي بدأت منها الرحلة، انطلاقا من إنكلترا مروراً بمرسيليا، ومن ثم الإسكندرية، ودمشق، وبيروت، ومن ثم ينبع وصولا إلى المدينة المنورة، لتنتهي إلى مكة المكرمة، ومن ثم مغادرة المدينة المقدسة مع انتهاء الحج، وفي كل مدينة عاينها الحاج «علي الزنجباري» ثمة مشاهداته التي تتصل بالبنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولكن قبل ذلك فهو يقدم مختصرا معرفيا عن العالم الإسلامي، من وجهة نظر تاريخية، حيث يسرد تشكل الإسلام والرسالة، وبعض أركانه وشرحها كالصلاة والصوم والحج والزكاة، وغير ذلك، وهو في ذلك يسعى إلى رسم نموذج معرفي للدين الإسلامي انطلاقاً من خبرته وقراءته، وفي كثير من تلك المعارف نقرأ سعيا واضحا لتقديم معرفة موضوعية لا تستند إلى تحيزات أو منظورات ضيقة أو عنصرية، مع أن ثمة بعض المغالطات التي سرعان ما تشير اليها المترجمة، وتقوم بالإشارة إلى الصواب منها.

الرغبة الحقيقية لهذه الرحلة كانت تتمثل بنوع من تحقيق التحدي نتيجة صعوبة زيارة هذا المكان المحرم؛ ولهذا كانت أكبر هواجسه تتحدد بالخشية من أن يقابل أي شخص يمكن أن يكشف تنكره.

لا يمكن أن ننكر أن المؤلف في مشاهداته عامة يبدو مأخوذا بالمكان وثقافته، بل إنه ينظر لها بعين الإعجاب والتقدير، حيث يرى فيها شيئا مميزاً، وهذا يتضح من طبيعة فهمه للكثير من الجوانب العميقة للإسلام وشعوبه، مع القدرة على الانصهار كلية في مجاميع الحجاج، وعقد صلات وصداقات، في حين أنه تمكن من رسم صورة شمولية لنظم السفر، والمخاطر التي تنطوي عليها رحلة الحاج عبر التنقل في البر والبحر، وعمليات الحجر أو التفتيش الصحي، فضلا عن عمليات النهب أو السرقة أو الإغارة التي يقوم بها قطاع الطرق، علاوة على عمليات الاستغلال التي يمكن أن يتعرض لها الحجاج من قبل من يعملون في تأجير القوافل، بيد أن وافل يرى في هذه السلبيات أمراً طبيعياً، خاصة في هذه المنطقة التي تعد مترامية الأطراف، ولطبيعة الحياة القاسية التي تتطلب شكلاً من أشكال تحصيل المعاش.
يتضح من خلال السرد أن الرحالة البريطاني قادر على رسم مقارنات بين المدن الإسلامية، ومنها دمشق، ومكة والمدينة، كما مسلكيات شعوبها، في حين أننا نقرأ صيغة سردية لروحية المكان، ولاسيما عند وصف الانصهار الذي نراه في مكة بين ملايين المسلمين على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم وبلدانهم. ولعل قدرة الكاتب على الوصف تكاد تقرب من تحقيق الإحساس الروحي للحج، الذي يستشعره الحاج البريطاني، غير أن قلقه يبقى قائما بسبب التنازع بين البدو والدولة العثمانية، وحصار مكة المكرمة في موسم الحج، مع سعي الدولة العثمانية للمحافظة على سلامة الحجيج في تلك المنطقة.
لا نرى بين تضاعيف الكتاب أي تعمق حقيقي في تكوين أحكام سلبية، بمقدار ما تخضع المشاهدات إلى نماذج يومية، فالكاتب معني بمعاشه اليومي في المدينة المقدسة، ومشاهداته وترحاله والأشخاص الذين يقابلهم، ومحاولة التحقق من بعض الأمكنة، ومنها مقابر الصحابة، أو بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من الآثار التاريخية، ولعله يلمس ذلك التقشف للاهتمام بتلك الآثار، من حيث عدم العناية بها من ناحية تاريخية، كما كان يتوقع تبعاً لثقافته الغربية. من هنا، فإن الشبهات الكولونيالية لا تبدو ذات وجاهة في هذه الرحلة، ولكن ذلك لا يمنع من أن ثمة وعياً عميقا بأهمية إخضاع الآخر للبحث والدراسة، انطلاقا من تحقيق التفوق، وأي تهاون تجاه اكتناه الآخر، فإن ذلك سيفضي إلى تقويض المركزية الغربية، حيث جاء في الكتاب: «تغيب أوروبا عن معرفة بعض الأمور بطريقة أو بأخرى، فقد نظر سلفنا إلى اليابانيين بالنظرة التي ترى فيها قبائل الزولو الآن. وقد يؤنبنا الجيل الجديد على قصر نظرنا في حوادث مماثلة. يظهر الكثير من الناس رضا ذاتيا عندما يتكلمون في مواضيع تتعلق بالشعوب الحاكمة والشعوب المحكومة، وقد يكونون محقين في افتراضهم إن القوة وحضارة العالم ستظل متمركزة في شعوب أوروبا الغربية لفترة من الزمن، إنما ليس هناك من برهان لهذا الافتراض».
النص السابق يكشف عن أن ثمة رغبة بتحقيق تلك المعرفة التي يمكن أن تجعل من التفوق والهيمنة الغربية مستدامة، وهذا لن يتحقق ما لم تُسارع أوروبا للتخلص من حتمية تفوقها، وأن هيمنتها ستستمر إلى الأبد، ولهذا فإن الرغبة في سبر أغوار هذا العالم يأتي بوصفه حاجة ذات طابع إمبريالي، على الرغم من أن رحلة وافل لم تنطلق من هذا الأثر، مع أنه كان ضابطاً في الجيش البريطاني، إلا إنه كان يستشعر هذا النموذج من معنى التفوق.

يقدم الكتاب صورة لواقع تلك المنطقة في مرحلة تاريخية معينة، ربما لم تتمكن بعض الكتب العربية المختصة بالرحلات من تقديم صورة تتسم بهذه الدقة في عملية الوصف.

وعلى ما يبدو، فإن الرغبة الحقيقية لهذه الرحلة كانت تتمثل بنوع من تحقيق التحدي نتيجة صعوبة زيارة هذا المكان المحرم؛ ولهذا كانت أكبر هواجسه تتحدد بالخشية من أن يقابل أي شخص يمكن أن يكشف تنكره، ما يؤدي إلى هلاكه، أو القبض عليه، ومحاكمته، وغير ذلك من العواقب المحتملة. ولعل وجود صديقيه في الرحلة، وهما رجل من إلمانيا يعود بأصوله إلى مدينة حلب، وآخر من زنجبار، قد شكلا خير معين له في نجاح الرحلة بدون اكتشاف أمره، وبذلك فقد تمكن من تحقيق إنجاز يرضي غروره.
ثمة توافق على أن رحلة الضابط البريطاني إلى مكة بدت في تكوينها مأخوذة بمحاولة فهم الأسرار العميقة لهذا المكان، وطابعه الروحي، وهذا ما نراه من تعليقات وأحكام الرحالة الإنكليزي التي نستشعر فيها الإعجاب، كما الاحترام للخصوصية الثقافية والدينية للمكان، فهو يرى أن كافة الشعائر والطقوس في مجملها لا تخرج عن طابعها الروحي، كما لا يرى فيها أي خروج عن المنطق الروحاني الذي يحكم كافة الديانات والمذاهب التي ينتهجها الإنسان في الحياة، كما يبرز لدى هذا الرحالة فهم عميق للتجاذب السياسي أو الصراع الناشئ بفعل المذهبين السني والشيعي، فقد سعى إلى نقله للقارئ الغربي إلى حد ما باختصار. الكتاب يُعنى في بعض جوانبه برصد العالم الإسلامي في أقصى تجلياته الروحية التي تبرز في موسم الحج، حيث يقول في وصفه لمشهد الصلاة في الحرم: « أما صلاة الجمعة في الحرم فكانت حدثاً يفرض نفسه على الرائي، فلا يوجد يارد مربع واحد من المساحة الكبيرة فارغاً، والحركة المتناغمة للحشد خلال الصلاة، والهدوء الغريب الذي يسود المكان، يحاكي الخيال. ففي خلال السجود، حين تلامس الجباه الأرض، لا تسمع إلا هديل الحمام يقطع السكينة، ثم حين يستوي مئات آلاف المصلين وقوفا للركعة الثانية لا تسمع سوى خفخفة الملابس وقعقعة الأسلحة في فورة واحدة».
ومن الملحوظات الجديرة بالذكر، وتعكس ذلك البحث المعمق عن مكنون المكان الروحي ما يصفه الرحالة البريطاني في طريقة إلى مكة، ولحظة وصوله مع أمواج المسافرين.. حيث يقول: «إن الصمت المسيطر على المكان غريب ومؤثر، فلم نعد نسمع صراخاً، أو غناء أو إطلاق نار، يتأثر معظم الحجاج برهبة المكان فيهدأون، وتنسل الجمال على الرمال الناعمة بدون صوت. من الصعب على الغريب أن يفقه كنه مشاعر المسلم عند اقترابه من مكة المكرمة، فبالنسبة إليه، إنها مكان لا يكاد ينتمي إلى هذا العالم، فجلال الإله يرنو فوق الجميع مثل تابوت العهد لدى اليهود».
على ما يبدو، فإن وافل كان منشغلا بقدرته على تجاوز مصاعب التنكر والتمكن من التخفي، وتحقيق ما كان يهدف إليه، فهو في الجزء الأخير يسعى إلى تفسير نجاحه، ولاسيما عدم كشف أمره حيث يفسر ذلك بأن العالم الإسلامي متسع وكبير، فبوسع أي كان أن يخترع موطنا ولغة جديدين، وأن يتوجه إلى مكة، فثمة كما يقول جهل بالعالم الخارجي، بما في ذلك الدول التي تدين بالإسلام، وعلى الرغم من أنه يصف العرب بسرعة البديهة، غير أن ثمة عزوفاً عن القيام بدراسات بخصوص الأقوام، والأعراق التي تحضر إلى الحج، أو وضع دراسة أنثروبولوجية، غير أن المسلمين العرب – كما يقول- لا يظهرون أي اهتمام بالعلم، بل إنهم يزدرونه باستثناء معرفة اللغات، حيث إن نظرتهم للمثقف تتمثل بمن يعرف لغات عدة، وهذا ما يتناقض مع ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال اطلبوا العلم ولو في الصين كما يقول وافل.
لا مناص من الاعتراف بأن الكتاب يحمل الكثير من المتعة انطلاقاً من المنظور الذي يقدمه الرحالة البريطاني، الذي يقوم برحلة محفوفة بالمخاطر، كما يقدم صورة لواقع تلك المنطقة في مرحلة تاريخية معينة، ربما لم تتمكن بعض الكتب العربية المختصة بالرحلات من تقديم صورة تتسم بهذه الدقة في عملية الوصف، بالتوازي مع تقديم لمحات من التحليل للأثر الأنثروبولوجي في تلك الفترة، كما البعد الثقافي.

٭ كاتب أردني فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية