جاء هجوم المشير خليفة حفتر على طرابلس أو ما سماه بـ “طوفان الكرامة” ليخلط الأوراق من جديد ويهزّ المشهد الليبي برمته. فبعد أشهر من المفاوضات الماراثونية بين فرقاء الصراع الليبي والأطراف الخارجية المؤثرة في الملف الليبي، نسفت عملية طرابلس كل هذه المبادرات وأدخلت البلاد في متاهة جديدة لا أحد يعرف إلى أين ستصل.
حفتر الذي عاد إلى المشهد الليبي بعد أحداث ثورة 17 شباط/فبراير عام 2011 يعتبر اليوم لاعبا رئيسيا على الساحة السياسية في هذا البلد منذ إطلاقه “معركة الكرامة” في ايار/مايو عام 2014 التي سيطر بعدها على الشرق الليبي قبل أن يطلق “طوفانه” في العاصمة.
كان الجميع ينتظر قرب انفراج الأزمة الليبية مع انعقاد المؤتمر الوطني الجامع منتصف الشهر الجاري، ولم تصدر مواقف معارضة لهذا المسار من هذا الطرف أو ذاك، بل أن التطمينات بشأن انعقاد الملتقى جاءت من الشرق الليبي وغربه باعتبار ان حل الأزمة يبدأ بالحوار، وهذا ما أكده المبعوث العربي لليبيا صلاح الدين الجمالي لـ “القدس العربي” مؤكدا أنه التقى حفتر قبل أسبوعين من إنطلاق العملية العسكرية ولم يعلن حينها معارضته لإجراء الملتقى، لكن مفاجأة الكرامة أعادت الحوار السياسي إلى نقطة البدء. ويؤكد الجمالي أن لا حل أمام الليبيين سوى العودة إلى طاولة التفاوض معتبرا أن دور الجيش يقتصر على حماية الحدود والبلاد من الجماعات الإرهابية وحماية العملية السياسية.
ان أول تداعيات هجوم حفتر هو إعلان الأمم المتحدة عن تأجيل المؤتمر الجامع الذي كان مقررا عقده منتصف الشهر الجاري في مدينة غدامس، والذي كان من أهم أهدافه وضع خريطة طريق جديدة أبرز عناوينها إجراء الانتخابات التشريعية قبل نهاية العام الحالي وبعث حكومة الوحدة، لكن التطورات العسكرية الراهنة أجبرت البعثة الأمنية على تأجيل الملتقى والمؤتمر الجامع إلى أجل غير مسمى. كما قامت البعثة الأممية بتخفيض عدد موظفيها المتواجدين في ليبيا في سياق إجلاء الموظفين والدبلوماسيين والعسكريين الأجانب.
وتجدر الإشارة إلى أن المبعوث الأممي غسان سلامة، حتى وقت قريب وقبل اندلاع المواجهات المسلحة على أطراف طرابلس، كان يؤكد تصميمه على إنجاز المؤتمر الجامع بصفته الضوء الأخير في هذا النفق الليبي المظلم، غير أن الأحداث الأخيرة حتمت تغيير موقفه بسبب استحالة حضور الأطراف المشاركة. والسؤال المطروح الآن ما هو مستقبل التسوية السياسية بعد عملية طرابلس؟
الأكيد أنه وبغض النظر عن الرابح سواء كان السراج أو حفتر، فان المعركة الراهنة عمقت أكثر الفجوة بين الليبيين.
إذ لا يمكن لقوة السلاح أن تحدد مصير ومستقبل البلاد، فبعد أكثر من ثماني سنوات على انطلاق ثورة شباط/فبراير لم يتغير شيء على الأرض وظلت الميليشيات هي المسيطرة على المشهد. كما أن التدخلات الأجنبية سواء كانت على شكل مبادرات سياسية أو عمليات تدخل عسكرية لدعم بعض الأطراف الليبية، عمقت الصراع وزادت من الشرخ بين الليبيين.
وسبق لمصادر أن أشارت إلى أن الأمم المتحدة جمعت فايز السراج وخليفة حفتر مرة أخرى للتفاوض والتفاهم على مخرجات جديدة للخروج من نفق الازمة. ولكن في خضم كل المبادرات السابقة من تفاهم الصخيرات وحتى لقاء باريس يبدو أن صوت السلاح كان أقوى من كل الحلول السياسية دون إغفال كم التدخلات الخارجية الكبيرة في المشهد والتي يتداخل فيها المعطى السياسي بالأمني والاقتصادي. وهذا ما يدفع عديد المتابعين للتأكيد على أن ما يحصل اليوم هو في أحد جوانبه وجه من وجوه صراع المصالح والنفوذ بين فرنسا وشركاتها النفطية من جهة وايطاليا التي ترعى المصالح الأمريكية وشركاتها النفطية من جهة أخرى.
الوجود العسكري
المفارقة أن عملية طرابلس كشفت عن حجم الوجود الأجنبي في ليبيا، فالمعلوم أن قوات الافريكوم أجلت حوالي 300 عسكري أمريكي من قاعدة سرية قرب طرابلس، كما قامت الهند وباكستان وكندا واستراليا بسحب عسكريين أو خبراء لديها من طرابلس. وهذا ما يكشف حجم التدخل والتواجد العسكري الخارجي في البلاد. حيث أن كل ما توفر من معلومات طيلة الفترة الماضية كان يتعلق فقط بالتواجد العسكري لايطاليا التي تحتفظ إلى حد الآن بخمسمئة عسكري في قاعدة مصراتة مع رواج أنباء عن تواجد عسكري فرنسي في شرق ليبيا لدعم حفتر. وتأكدت تلك الأنباء عندما سقطت مروحية تابعة للكرامة أسفرت عن مقتل جنديين فرنسيين الشيء الذي يقود إلى أن كلا الطرفين المتصارعين الآن على طرابلس استنجد في السابق بقوى خارجية داعمة له.
وبخصوص الوضع في طرابلس يؤكد الباحث في الشأن الليبي مصطفى الجريء لـ “القدس العربي” ان “استراتيجية الكر والفر هي المسيطرة على طابع المواجهات وبقيت مناطق وادي الربيع في جانبها المتاخم لأحياء طرابلس والعزيزية مسرحا للمواجهات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، في حين يعمل الجيش على إحداث ثغرة ليدخل منها وسط العاصمة لذلك لجأ إلى إشراك سلاح الدبابات لكن قوة حماية طرابلس تعاملت مع الموقف وأجبرت قوات حفتر على التراجع وهي تعمل على حسم المعركة عند مستوى أطراف طرابلس، وفي سبيل تحقيق التفوق دفعت حكومة الوفاق بتعزيزات عسكرية جديدة إلى جنوب طرابلس”.
ويرى عديد المراقبين أن قوة حماية طرابلس ومنتسبي الدفاع والداخلية تدافع عن الشرعية التي منحها المجتمع الدولي من خلال تبني الأمم المتحدة ومجلس الأمن لوثيقة الاتفاق السياسي واعتبار الجنرال حفتر معرقلا للاتفاق.
بينما يرى الداعمون لتحرك قوات حفتر أن قيادة الجيش لبت النداءات الصادرة عن أهالي طرابلس المطالبة بدخول الجيش، وتؤكد قيادة الجيش أن من يسيطر على القرار السياسي في طرابلس هي ميليشيات تزعم دعم فرض القانون وهي عكس ذلك.
وفي خضم الأحداث الدائرة، يثير الملف الإنساني قلق المجتمع الدولي، فقد تعالت أصوات من منظمات محلية ودولية منادية بضرورة إقرار هدنة إنسانية لتوفير ممرات آمنة للمدنيين وإجلاء الجرحى خاصة وان بعض الانتهاكات حصلت في مناطق النزاع. كما دعا الاتحاد الأوروبي لوقف المواجهات والعودة للمسار السياسي، وكذلك أكدت الجامعة العربية على ضرورة اعتماد الحوار والمفاوضات لبلوغ الحل المطلوب ووقف الاشتباكات. وتخشى الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من لجوء طرفي الحرب إلى استغلال المهاجرين المحتجزين كدروع بشرية عند اشتداد المعارك.