ناصر الظفيري

منذ سنوات، تعرفت إلى ناصر الظفيري، كان ذلك في الكويت، وكنت ضيفا على معرض الكتاب كما أذكر، كان ذلك حين ذهبت برفقة الروائي عبد الله البصيص، إلى مقهى يجلس فيه المثقفون الكويتيون، للجلوس معهم قليلا، خاصة أنني لم أكن قد التقيت بكثيرين منهم، في ذلك الوقت. كان يوجد كثيرون، يجلسون في تناغم، وتبدو الصداقة بينهم جلية في مخاطبتهم لبعضهم بعضا.
وكعادة العرب تبرز الكنية، كلقب مهم في التعامل. كان عبد الله الفلاح المثقف، وصاحب المشاريع الجادة، موجودا، ودخيل الخليفة، الشاعر العظيم، وآخرون كنت أعرف بعضهم بالاسم، وبعضهم سمعت عن إنتاجه، لكن قد لا أكون اطلعت عليه، وفي وسط تلك اللمة الرائعة، كان يجلس ناصر الظفيري، الكويتي المهاجر إلى كندا، الذي يحرص على زيارة وطنه دائما ويشارك في الوجود الفعلي في معرض الكتاب السنوي، إما في ندوة، أو توقيع لكتاب، وكانت صدرت له رواية «الصهد» وأظنه جاء لتوقيعها.
انتهت تلك الجلسة، وكانت في حوزتي رواية «الصهد» التي بدأت قراءتها، وتشبعت بلمحة قوية عن تاريخ الصحراء، وتاريخ منطقة الجهراء، وأشياء كثيرة عن الفقر والغنى والإقطاعية والهوية، واستغربت فعلا، أن يكون ثمة روائي عظيم من جيلي، ولا أقرأ له إلى الآن، وعرفت أنه أصدر قبل ذلك أعمالا قصصية وروائية. وفي أول لقاء لي مع الشاعر محمد النبهان، وهو أيضا ناشر معروف، ونشر أعمال ناصر، سألته إن كان ذلك الكاتب المهم يشارك في جوائز عربية، وكان سؤالي عن قناعة، إن الجوائز العربية رغم سوء اختياراتها التي تحدث كثيرا، إلا أنها ما زالت يمكن أن تلوي عنقها عن آداب طازجة ومؤسسة جيدا باللغة، والمواضيع الآسرة المهمة، التي غالبا تحدث أصداء كبيرة، حين تفوز بإحدى الجوائز، أو على الأقل، تدخل قائمة ما. لا أذكر بم أجابني النبهان، لكنني كنت متحسرا فقط، وأنا من الذين يحبون الجدة والتجريب، والكتابة بطعم مختلف عن الطعوم المعروفة، ليست قضية ناصر، استحضار هوية البدون الغائبة في الكويت وتأطيرها روائيا فقط، ولكن كيف سلك ذلك الطريق، هو لا يطرح القضية مع سبق الإصرار والترصد، ولكن تجد القضية مطروحة، بسلاسة فائقة، ذلك أنها موجودة في الدم وتسري معه، وبالطبع كل يعرف الآن، ثلاثية «الجهراء» التي ابتدأت بـ«الصهد» وانتهت بـ«المسطر»، إنها تجربة ناصر الحياتية كاملة، ولا أعني سيرته الذاتية، لأن سيرته تشعبت كثيرا، وإنما أعني سيرة الحي الذي عاش فيه ومعه كثيرون من أقرانه، يحملون الهم نفسه، والوجع نفسه، وفيهم كتاب وشعراء مجيدون، سيرة الشوارع التي مشى فيها والبيوت التي تشبه بيت عائلته، وسيرة الشخبطة على حيطان وطن، يضم الجميع لكنه لا يمنح الأحضان كاملة، إنها ببساطة سكة من سكك الإبداع، أن تنمو باحثا عن هوية وتجدها، ولا تجدها في الوقت نفسه، وأظن الإبداع هنا أن تجد ضفة من ضفاف الكتابة، ترحب بما تفعله، أن تصبح ساردا عظيما، رغم كل ما يقمع السرد والإبداع.

مؤكد سنفتقد ناصر الظفيري، سنفتقده كثيرا، ومؤكد لو عاش قليلا، كان سيكتب عن الوطن مجددا، ربما ليس عن قضية البدون التي طرحها وأجاد طرحها، وإنما عن قضايا أخرى، أيضا تستدعى التجريب في الكتابة.

حقيقة تبدو ثلاثية «الجهراء»، انحيازا تاما لأجواء لن تستبدلها الهجرة إلى أقصى الأرض، الأجواء العالقة بالطفولة والمراهقة، والحياة حتى النضج، تظل هي أجواء الكتابة المختارة، وأظن الكاتب منا، مهما افتعل التصاقا بوطن آخر، لن يجيد تفاصيله كما أجاد في الكتابة عن وطن النشأة الأولى.
الصلة بيني وبين ناصر توطدت كثيرا، والرجل راسلني كثيرا وراسلته، وحزنت بشدة حين أعلن عن مرضه، وكان أيضا صديقا في الافتراض تصلني منشوراته، كان موجودا في غربة بعيدة، وتحدث مع أصدقاء الافتراض بشفافية لا يملكها سوى مبدع، قال إنه يأمل في علاج، وقد يتم شفاؤه، وفي العام الماضي، أعلن أنه شفي تماما، وفرحنا، كل أصدقاء الواقع والافتراض فرحوا، ذلك أنهم كانوا يفرحون لإنسان انعتق من مرض مجرم لا يفرق بين أحد وأحد، بين إنسان ولا إنسان، ليعود بعد عدة أشهر ويعلن عن عودة المرض لينازله من جديد، ولا يعرف إن كان سيهزم المرض أو ينهزم.
ساعتها كتبت له، وكان عاديا جدا، يقرأ الكتب ويتابع الأخبار الثقافية، ويكتب زاويته الأسبوعية في جريدته الكويتية، وكأن لا شيء حدث، إنه مستمر ما دام هناك إمكانية للاستمرار، ولا يعرف إلى متى، لكنه مستمر. إنها قمة الحزن، أن تعرف أن مبدعا صديقا، يستمر في عطائه، لأن هناك فرصة له، ستنتهي قريبا، هي أيضا شجاعة مبدعة، أن لا تلتفت إلى الذي لم يحدث بعد، وتنكب على الانشغال بما هو حادث فعلا، أي وجود أنفاس تعلو وتهبط، وقلم يكتب، وعينين تقرآن الإبداع وغيره.
اللقاء الإخير بناصر كان في الكويت أيضا، وقبل أشهر قليلة من وفاته، وكان يبدو وسيما وأنيقا، وعرف أنني أريد مقابلته على الرغم من زيارتي القصيرة التي لن تتعدى يوما واحدا، فجاء لزيارتي حيث أقيم، وجلسنا طويلا تحدثنا عن الحياة بشتى أساليبها من دون ذكر للموت، لم يكن يبدو رجلا يخطو إلى النهاية في أي حال من الأحوال، كان متماسكا، وتعشينا في مطعم، صحبة الصديقين عبد الله البصيص، وعبد الوهاب سليمان، ولم أسع لإعطائه روايتي الأخيرة خوفا من أن أرهقه بقراءتها، لكنه سأل عن نسخته من الرواية الأخيرة وقال بأنه على العكس سيسعد بقراءتها، وبلغة الطبيب سألته عن خطوات شفائه من المرض، وإن كانت التحاليل الأخيرة جيدة، فأكد أنها جيدة، وسيسافر فجرا لاستكمال العلاج.
ذلك المساء غادر ناصر الظفيري جلستنا، وغادر الكويت فجر اليوم التالي، وكانت مغادرة أخيرة، لمهندس طيب، أدركته صنعة الأدب وأجادها، كان يمشي أمامنا بخطوات ثابتة، وأعتقد أنه كان يعرف ما سيحدث، لكنه لم يشأ أن يقول ذلك، ربما إشفاقا من شفقة أصدقائه لو قال، وربما أراد أن يحتفظ بمشاعره الخاصة داخل قلب كبير ومحب.
مؤكد سنفتقد ناصر الظفيري، سنفتقده كثيرا، ومؤكد لو عاش قليلا، كان سيكتب عن الوطن مجددا، ربما ليس عن قضية البدون التي طرحها وأجاد طرحها، وإنما عن قضايا أخرى، أيضا تستدعى التجريب في الكتابة.

٭ كاتب سوداني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية