غلاء الأسعار وارتفاع التضخم يشعلان الاحتجاجات في تونس

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: عاش التونسيون هذا الأسبوع على وقع وتيرة غير اعتيادية من الاحتجاجات والاعتصامات ردا على قيام الحكومة برفع أسعار المحروقات والسلع الأخرى. وقد طالت الاحتجاجات مجالات حياتية واقتصادية مختلفة من الاضرابات الإدارية إلى اضرابات سائقي التاكسيات التي شلت حركة البلاد ووصلت إلى حد قيام المعتصمين بقطع الطرقات العامة، في تصعيد غير مسبوق من شأنه أن يزيد الوضع الاقتصادي تأزما في البلاد.

ويؤكد الخبير الاقتصادي معز الجودي في حديثه لـ “القدس العربي” أن هذه الاعتصامات كانت متوقعة، مشيرا إلى أن “التحذيرات التي أطلقها الخبراء الاقتصاديون قبل فترة بسبب تجاوز التضخم المالي للحدود المسموح بها، إذ يفترض أن لا ترتفع نسبة التضخم إلى أكثر من 3 أو4   في المئة في حين أن في تونس وصلت النسبة إلى حد7,1 في المئة وهي نسبة مرتفعة”. ويشير محدثنا إلى أن التضخم المالي يؤثر على الطاقة الشرائية للمواطنين لذلك هناك عدة مشاكل على مستوى الأسر والأشخاص والمؤسسات الاقتصادية التي تعاني من التضخم المالي ما يجعل الاقتصاد يفقد قدرته التنافسية ومناعته وصلابته، لذلك فإن التأثير يكون على مستوى الاقتصاد الوطني بصفة عامة وعلى مستوى الأشخاص أيضا. ونجد أن هناك شرائح عديدة لم تعد تستطيع ان تواجه متطلبات الحياة وان تمول حاجياتها الحياتية الأساسية خاصة ان الزيادات في الأسعار متتالية”.

غياب الرؤية

 

ويضيف محدثنا أن “الارتفاع في سعر المحروقات يقع على مراحل قد تصل إلى 4 مرات خلال العام الواحد كما حصل خلال العام الماضي، ومن المتوقع أيضا أن تحصل زيادات متتالية خلال هذا العام”. ورأى الجودي أن المواطن التونسي فقد الثقة في المنظومة الاقتصادية ورؤيته متشائمة للمستقبل القريب، حتى أن هناك تخوفا لدى البعض من بعث مشاريع خاصة لأن هناك مشاكل عديدة تجعل المواطن كمستهلك أو منتج لم يعد يستطيع ان يدير أعماله بطريقة عادية. والذي زاد الطين بلة هو ارتفاع نسبة الفائدة المديرية التي حددها البنك المركزي وزادت بصفة مهولة ووصلت إلى حدود 7,77 وهي نسبة خطيرة للغاية ونسبة السوق النقدية أصبحت في حدود 7,9 بالمئة. وهذا يدل على أن المواطن عندما يحصل على قرض استهلاكي أو سكني فهو مطالب بتسديد فوائد ما لا تقل عن عشرة في المئة في حين أن الفوائد في الدول الأخرى لا تزيد عن 1 في المئة”.

وأضاف الجودي أن ما نشهده اليوم في تونس هو دورة سلبية للاقتصاد وإلى حد الآن ليست هناك رؤية واضحة للحكومة فيما يخص الإصلاحات والقرارات التي يجب اتخاذها للحد من الوضع الراهن. واعتبر ان خطاب رئيس الحكومة يوسف الشاهد الأخير أعلن فيه على ما يمكن اعتباره خريطة طريق من أجل مكافحة التضخم المالي وغلاء الأسعار، لكن هذه الخطوات لا تكفي وجاءت متأخرة لأن التضخم المالي أخذ منحى أكثر خطورة مما يتطلب هيكلة عميقة للإصلاحات. وشكك في قدرة الحكومة على حل مشكلة التضخم المالي الذي يرتبط بجملة من العوامل والمحددات مثل قيمة الدينار التونسي ومسالك التوزيع والسياسات النقدية للبنك المركزي.

وفي خضم هذه الاعتصامات والاحتجاجات فان السنة الحالية هي سنة انتخابية بامتياز ما يعني ان اهتمام الأحزاب السياسية متركز بصفة خاصة على الحسابات الانتخابية وليس على الوضع المعيشي للمواطن الذي يتدهور يوميا. وفي هذا السياق توقع الخبير الاقتصادي والمالي أن تتواصل حركة الاعتصامات خلال شهر رمضان المقبل معتبرا “أن الحكومة قد تتمكن من السيطرة على بعض الأسعار الغذائية ولكن هناك بعض المواد التي يصعب التحكم في أسعارها”. وقال إن هناك نوعا من الانتفاضة الاجتماعية إذا تواصلت بهذا النسق المتصاعد فإنها ستأخذ نهجا مغايرا وستكون أكثر فاعلية على مستوى الاستقرار السياسي.

أي حلول؟

في خضم تزايد نسق المطلبية لدى قطاعات واسعة في المجتمع التونسي يمكن التساؤل حول قدرة الحكومة على مجابهة الوضع والحلول الممكنة. في هذا السياق يحذر خبراء الاقتصاد من أن الزيادة في الأجور في بعض القطاعات ليست الحل الملائم وهي ستضر الدولة وتدخلها في مديونية جديدة. فتحسن القدرة الشرائية يتحقق عندما تزيد الإنتاجية للحد من استفحال غلاء الأسعار. فكفاح غلاء المعيشة لا يحصل فقط من خلال الرقابة خاصة وأن تونس تقوم على اقتصاد السوق وهناك مواد لا تحدد أسعارها الحكومة بل قانون الطلب والعرض هو الذي يحدد الأسعار. في المقابل كلفة الإنتاج تزيد مما يخفض من نسبة الربح لدى بعض القطاعات مما يهدد بخسران منظومات حيوية في الاقتصاد التونسي، لذلك فإن العمل يجب أن يكون على تسحين مناخ الاستثمار والإنتاج والنجاعة في العملية الاقتصادية.

حلقة مفرغة

ويتوقع جل العارفين في الشأن التونسي أن البلاد قد تشهد حالة من اللااستقرار تقطع الهدوء الذي عرفته خلال الأشهر الماضية خاصة وأن الحكومة ماضية قدما في تنفيذ سياسات صندوق النقد الدولي بدون أن تولي أي اهتمام للمسألة المعيشية لعموم التونسيين. ولا يبدو أن لدى هذه الحكومة من حلول غير رفع الأسعار والجباية وبالتالي تدهور معيشة المواطن الذي يخرج قطاعيا ونقابيا للمطالبة بالزيادات في الأجور فتستجيب الحكومة وترفع الأجور ثم تعوض هذا الرفع بالزيادة مجددا في الأسعار وهكذا دواليك في حلقة مفرغة يدور فيها الجميع دون حل.

وما يزيد الطين بلة ويساهم في ارتفاع الأسعار هو تدهور سعر صرف الدينار التونسي وهو ما يجعل السلع الموردة تتضاعف أثمانها وتثقل كاهل المواطن. ولتراجع سعر الدينار علاقة بتراجع الإنتاج والتصدير مقابل ارتفاع الواردات بالعملة الصعبة وهو ما تسببت فيه أيضا كثرة الاضرابات وأسباب أخرى.

ولعل محيط تونس المضطرب يشجع على الخروج إلى الشارع خاصة وأن التونسيين قد خرجوا قبل غيرهم حين كان المحيط مستقرا فما بالك بالوضع الراهن الذي بات فيه الشارع هو الفيصل في المحيط العربي وحتى المتوسطي؟ وقد لا يهم الشارع الغاضب أن حكومته منتخبة بطريقة ديمقراطية في اقتراع حر شهد به العالم بقدر ما تهمه معيشته التي تتدهور يوما بعد يوم وتندثر معها الطبقة الوسطى التي كانت على الدوام عماد الاقتصاد التونسي ومصدر قوته.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية