تونس-“القدس العربي”: شهدت تونس في السنوات الأخيرة الكثير من حوادث الاعتداء على طلاب أفارقة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جاؤوا للبلاد من أجل متابعة تحصيلهم الجامعي العالي. وكانت تونس بين أعوام 2008 و2010 قد استقبلت أكثر من 13 ألف طالب من الأفارقة لكن العدد انخفض بشكل واضح بعد الثورة والسبب هو تصاعد الممارسات العنصرية سواء اللفظية أو الجسدية ضد الطلبة الوافدين.
وقد دفعت جريمة قتل طالب ايفواري يبلغ من العمر 33 عاما من خلال الاعتداء عليه بواسطة آلة حادة من قبل منحرف، الطلبة الأفارقة إلى التظاهر للتنديد بمقتل رفيقهم مطالبين بفتح تحقيق ومعاقبة المعتدين.
ولا يخفى أن الطلاب الأفارقة يعانون من ازدياد موجة العنصرية والتمييز العنصري في حقهم ما يستوجب دراسات وبرامج لتغيير العقليات السائدة لدى البعض والتي تنظر للآخر المختلف بدونية واحتقار.
موجة متزايدة
هل يمكن اعتبار المجتمع التونسي عنصريا؟ يجيب الباحث في علم الاجتماع محمد الجويلي لـ “القدس العربي” بالقول: “من الصعب الإقرار بذلك، ولكن من المؤكد وجود سلوكيات عنصرية. والفرق بين المسألتين مرتبط بكون العنصرية في تونس ليست نظام قيم ومنهجية تصرف على جميع الأصعدة كما كان الأمر موجودا في كثير من الدول والمجتمعات العنصرية.
والعنصرية في التعريف الأولي لها هي إحداث التفرقة والتمييز وما ينجر عنهما بالاعتماد على الفوارق البيولوجية بين البشر. وينطبق هذا الأمر على فوارق اللون والعرق.
يحدث التمييز العنصري في تونس تجاه ذوي البشرة السوداء خصوصا عبر ما يترسب في الذهنيات وتقع ترجمته إلى خطاب يومي وإلى وصم يقيم ويتابع تقييم الآخر وكيفية النظر إليه”.
ويوضح محدثنا: “على سبيل المثال عندما يقوم شخص أسود البشرة بفعل معين خاصة عندما يكون فعلا مرفوضا فإنه يقيم على فعله ذاك باعتبار أنه أسود وليس باعتباره إنسانا يمكن أن يخطئ ويصيب كالآخرين”.
ويرى الجويلي ان ما يثير الانتباه في السنوات الأخيرة هو العنف والسلوك العنصري تجاه الأفارقة من وراء الصحراء سواء كانوا طلبة أو عمال وهذا راجع – حسب محدثنا – إلى أن “الأزمة العامة التي تعاني منها تونس اليوم تلقي بظلالها على الفئات التي تعتبر هشة لأنها الأضعف مثل النساء والأطفال والمهاجرين”.
ويضيف: “وفي المقابل هناك حراك مدني عام للتنديد بكل الممارسات التي يعبر فيها التونسيون عن عنصرية تجاه السود ومنه ما تقوم به جمعيات المجتمع المدني للضغط من أجل سن قوانين تجرم العنصرية وهو ما وصلنا إليه باعتماد قانون تمت المصادقة عليه مؤخرا في البرلمان يعاقب الأفعال المرتكبة على خلفية عنصرية ويبقى العمل في المدارس وفي وسائل الإعلام من أهم الفضاءات التي نركز فيها على احترام حقوق الإنسان واحترام حقوق المهاجرين والتقليص من الممارسات التي تنم عن ذهنية عنصرية”.
يشار إلى ان البرلمان التونسي صادق على قانون يجّرم العنصرية، وتبنى بالأغلبية مشروع القانون الذي يهدف للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. ويقصد بالتمييز العنصري وفق هذا القانون الذي يحمل رقم 11/2018 “كل تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو الأصل القومي أو النسب أو غيره من أشكال التمييز العنصري”.
ومنذ الثورة طالبت عدة مؤسسات من المجتمع المدني، من أبرزها جمعية “منامتي” التي تترأسها الناشطة في مجال مناهضة العنصرية سعدية مصباح، بإقرار قانون يجّرم العنصرية في تونس.
ثقافة المواطنة؟
رئيسة جمعية الأقليات يمينة ثابت، أكدت لـ “القدس العربي” أن التمييز يبدأ من اللجوء إلى استخدام مصطلح أصحاب البشرة السمراء عوضا عن البشرة السوداء وهذا في حد ذاته تمييز مبني على فهم وإدراك، من الجميع، لقيمة الإنسان بغض النظر عن عرقه أو لونه أو دينه. وتضيف بالقول: “يجب أن نستخدم المصطلحات السلمية لوصف العنصرية ضد السود والتمييز ضدهم حسب لونهم”.
وأكدت أن “ظاهرة العنصرية موجودة في مجتمعاتنا في السابق وقبل الثورة ولكنها كانت من القضايا المسكوت عنها إذ لم يكن قبل الثورة مسموحا أن يتم التطرق إليها في الإعلام وغيره. ولكن في ظل التغيرات الأخيرة التي حدثت في البلاد ومناخ الحريات القائم أصبح الحديث عن التمييز العنصري ضد فئة من المجتمع من الأمور اللافتة. وهنا تجدر الإشارة إلى ان جمعيتنا (أقليات) هي أول من فتحت الأبواب على الأقليات وما تعاني منه في مجتمعنا” مشيرة إلى أن الجمعية تعرضت لمضايقات كثيرة في بداية عملها وتناولها لهذه المواضيع التي تعد حساسة في البلاد.
وتتابع بالقول: “الجمعية ناضلت لمدة ثماني سنوات من أجل قانون يجرم كل أنواع التمييز. وفي آب/أغسطس 2018 عندما وقع الاعتداء على طالب من الأفارقة في منطقة دار فضال، طالبنا بالإسراع في التصويت على هذا القانون الذي وقعت المصادقة عليه في مجلس الوزراء وإحالته على مجلس النواب لأننا كنا متخوفين من تكرار هذه الجرائم العنصرية التي وصلت إلى حد القتل واستخدام العنف.
وعلى مستوى آخر فإن العنصرية ضد الأفارقة أيضا تتجلى في سوق العمل ونحن كجمعية “أقليات” طالبنا بتسوية وضعية الأفارقة من جنوب الصحراء الذين يعملون على الأراضي التونسية حتى لا يقع استغلالهم. فاليوم هناك المئات من العاملين وضعيتهم غير سليمة وقانونية وأكثر ما يثير حفيظة جمعيتنا هو أن تكون الدولة طرفا في ممارسة التعسف ضد هذه الفئة، إذ يفرض عليهم دفع مبالغ مالية لقاء تواجدهم على الأرض التونسية، ولذلك فإن الجمعية وثقت عديد الحالات من هؤلاء العمال الذين يلجؤون إلى العمل في السوق السوداء وفي ميادين ممنوعة مثل التهريب من أجل الحصول على ما يكفي من الأموال لدفعها للدولة، فعوض أن تعمل الحكومة التونسية على مناهضة كل أشكال التمييز ضد هؤلاء وتسوية وضعياتهم نراها أصبحت شريكة في الجرائم بحقهم، وعوض ترحليهم تقوم بابتزازهم للحصول على الأموال”.
وعن كيفية مواجهة هذه الظاهرة تقول محدثتنا “إن القانون رغم أهميته فإنه لا يكفي، لأن التغيير يبدأ أولا بتغيير العقليات وهذا يستلزم عملا طويلا، إذ لا يمكن تغيير الوعي المجتمعي وزرع الانفتاح ومبادئ احترام الآخر في مدة قصيرة، والعمل هذا يتطلب حقيقة سنوات، وبالاشتراك مع وزارة التربية، الوعي تجاه أهمية احترام الأقليات يبدأ من الطفولة وفي الوسط المدرسي. وأعتقد أن من الأهمية بمكان إدراج هذه المسألة ضمن المناهج الدراسية وتربية التلاميذ على أهمية المواطنة والتعايش بين الأفراد على أساس الاحترام المتبادل مهما كانت الديانة أو العرق أو اللون. ونحن لمسنا ان تغيير العقليات تّأثيره محدود على الكبار ولكن مع صغار السن والأطفال فان العمل معهم يمكن أن يثمر نتائج جيدة ويجب أن يشترك الجميع في هذه التربية مثل العائلة والمدرسة. فعندما نرسي ثقافة التعايش في مدارسنا المدنية على كامل تراب الجمهورية حينها لن نرى بعد ذلك جرائم قتل تحت أي شعار عنصري سواء ديني أو عرقي أو اثني وغيره”.
وتؤكد محدثنا أن الإرهاب والتطرف في أحد جوانبه ينبثق عن ثقافة الانغلاق الموجودة ورفض الآخر، في حين أن الوعي والتربية على ثقافة المواطنة هي الخطوات الأولى والأهم على طريق محاربة التطرف بكل أشكاله.
تفعيل القانون
ويقول المحامي والناشط الحقوقي التونسي محمد درغام لـ”القدس العربي” أن تونس التي كانت أول بلد عربي وإسلامي يمنع الرق والعبودية منذ بداية أربعينيات القرن التاسع عشر، وكانت سباقة على الولايات الأمريكية وفرنسا وعديد البلدان الغربية في هذا الإطار، تعتبر قد تأخرت كثيرا في سن قانون تجريم العنصرية وذلك بالنظر إلى إرثها الحقوقي والحضاري وحركتها الإصلاحية التي تعود جذورها إلى نهاية القرن الثامن عشر. لا يسمح لدولة مثل تونس، حسب درغام، شرعت بعد قانون منع الرق والعبودية ما سمي بـ”عهد الأمان” الذي منح منذ أواسط القرن التاسع عشر الأمان لكل رعايا المملكة التونسية على اختلاف الأديان والألسنة والألوان، أن تتأخر كل هذه السنوات لتجريم العنصرية في نص خاص، خاصة وأن الظاهرة استفحلت في البلاد ويعاني منها المواطنون أصحاب البشرة السوداء والطلاب الأفارقة في الجامعات التونسية على حد سواء.
ويضيف محدثنا قائلا: “لقد تم سن القانون وتمنياتنا أن لا يبقى حبرا على ورق مثل عديد القوانين الأخرى المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات وأن يتم تفعيله وتطبيقه ونحن في حاجة إلى ذلك حتى تلعب تونس دورها الحضاري كواحة متوسطية للأمن والسلام ملهمة ليس فقط للعرب والأفارقة بل أيضا لشعوب البحر الأبيض المتوسط، هذا البحر الذي كان لتونس من خلال قرطاج وغيرها إسهامها الحضاري فيه. يجب على السلطات في تونس أن تقوم بدورها في فرض تطبيق القانون وأن لا تتهاون مع من يؤذون أبناء جلدتنا من التونسيين ومن أشقائنا الأفارقة الذين يقيمون في بلدنا للدراسة أو للعمل.
لا قيمة لأي قانون دون تفعيل أو تطبيق، وبدون حرص على التطبيق، وبدون زجر وردع، حتى يمتثل الجميع ويتم القضاء رويدا رويدا هذه الآفة التي تنخر جسد المجتمع التونسي، أي العنصرية. كما لا بد من القيام بحملات توعية تعرف بالقانون الجديد وأهميته وأسباب سنه والعقوبة المترتبة على ارتكاب الجرائم العنصرية التي أقرها القانون حتى يكون الجميع على بينة من فداحة ما يتم ارتكابه من جرائم عنصرية تجاه من يختلفون عنا في اللون من أبناء وطننا وجيراننا الأفارقة على حد سواء”.
إن تونس بسنها لقانون تجريم العنصرية تكون قد انتصرت لدورها الحضاري الذي وجدت من أجله في قلب المتوسط بين ضفتيه الشرقية والغربية وانتصرت لأفكار مصلحيها على مر التاريخ من قرطاج إلى القرن التاسع عشر مرورا بعديد الحقب الهامة. ويمكن اعتبار هذا القانون الجزء الثاني من قانون منع الرق والعبودية المشار إليه والذي سن منذ بداية أربعينيات القرن التاسع عشر ووجب المزيد من العمل على سن قوانين أخرى في إطار احترام الآخر والحرص على أن لا تمتهن كرامته في هذا البلد الذي منح العبيد حق التصويت منذ حقب ما قبل ميلاد المسيح.