قد لا يكون من المستغرب أن يذكّرنا شهر نيسان/ابريل بفاتحة قصيدة إليوت: الأرض اليباب، “نيسان أقسى الشهور، يُخرج/الليلك من الأرض الموات، يمزج/الذكرى بالرغبة، يحرّك/خامل الجذور بغيث الربيع…”. فشهر نيسان/ابريل، في آخر أيامه من عام 1998، يجعل منه شهراً من أقسى الشهور، في الأقل لدى متذوّقة الشعر العربي الحديث، من ذلك الصنف الذي يدخل القلب دون إستئذان.
كانت ولادة نزار في أول الربيع من عام 1923، وأحسب أن أرض الشعر العربي كانت مواتاً في أواخر عهد الكلاسية المُحدَثة، تحاول فكاكاً من تراث الشعر العربي الذي أثمر أينعَ فواكهه الأفنان في العصر العباسي، وبقي الشعراء يحاولون التملص ويجرّبون التجديد في لغة الشعر العربي وأسلوبه. وقد أفلحوا في إضفاء الزينات على ذلك التراث الشعري العريق، في شعر الموشح والزجل في الأندلس، تطل من بين أبياته وأشطُره عيونٌ تتطلع إلى شعر المشارقة، ذلك التراث الأبوي.
ففي أربعينات القرن الماضي بدأت نفحات من الشعر الغنائي تسري بين محبّي الشعر العربي، شعر يخلو من المديح والهجاء ونثر العبارات الحكيمة والإشادة بهذا الحاكم أو ذلك الوزير. عناوين مجموعات شعرية، جديدة في صياغتها، بل صادمة في جرأتها: “طفولة نهد”، “قالت لي السمراء” امتداداً إلى “أشهد أن لا امرأة إلاّ أنتِ”. ونزار قباني لا يكلّ ولا يتعب من حديث الحب وعشق النساء، وكل ذلك بلغة مهذبة، جريئة في بساطتها، تحترم المرأة، وتصوّر الحب شعوراً إنسانياً لا يدعو إلى الخجل، أو التستر وراء صفات مستعارة، مفرطة في غرابتها. كان هذا الشعر نقيض ما كان الشباب يقرأون لشاعر من بلد عربي شقيق يدّعي الرياسة والسبق في كل شيء، ومنه شعر الحب والغزل. شاعت في أواخر أربعينات القرن الماضي قصائد “أحدهم” تقول: “رقيق اللمس عربيدٌ/بكل مليحةٍ يُعنى/جريء إن دعاه الشوق/أن يقتحمَ الحصُنا”.
وثمّة من يتغزّل بالمذكّر، كما في أغنية الجندول: ذهبي الشعر… كلّما قلتُ له خذ، قال هاتِ … كان أهلنا، ومدرّسونا يحذّرونا من قراءة مقتطفات من “ألف ليلة وليلة” أعدّها بعضهم في كراريس صغيرة، رخيصة الثمن، كلها أشعار خلاعية وتهتك. أهذا هو الحب إذن؟ وعلى الجانب الآخر نقرأ نزار وهو يصرّح: “يُشاعُ في قريتنا/أنتِ التي أرجّحُ/إشاعة أنا لها /مروجٌ، مسبّحُ/وأدّعيها بفمٍ/يملأه التبجّحُ/الشالُ لي، والخالُ لي/والاسودُ المسرّحُ”.
كانت أشعار الحب حتى انتشار شعر نزار تناقض “شعار الأخلاق”: وأغضُّ عيني إن بدت لي جارتي/حتى يواري جارتي مأواها”. لكن نزار جاء يصرّح أنه لا يتطلع إلى “بنت الجيران” وحسب، بل يروّج لإشاعة أنه يحبّ بنتاً تعرفها القرية جميعاً، ويقول ذلك بلغة مهذبة تصف الشال، الذي يغطي ولا يكشف، وتصف الخال على خد الحسناء، الذي لا يغطى بل يكشف جمال الخد، والشعر الأسود المسرّح ينساب على الكتفين. وما العيب في تلك الأوصاف؟ وفي قصيدة أخرى تكون المحبوبة: “كميَسٍ الهوادجِ شرقيةٌ/تسوق إلى الشمس حلوَ الحُدا”.
وشعر نزار صريح مهذب: “قلبي كمنفضةِ الرماد أنا/إن تنبُشي ما فيه تحترقي/قلبي أنا شعري ويظلمُني/من لا يرى قلبي على الورقِ” فهو شعر حب مهذّب صريح، تراه على الورق، لا خافياً. وشعر الحب عند نزار يكرّم المرأة، ويدافع عنها ضد الإذلال، والتغوّل الذكوري الذي تعرفه المجتمعات الشرقية، والعربية بخاصة. هذه قصيدة “حُبلى” خير ما يصور الموقف ضد الحب المرذول. فالرجل “المحب هنا” مُفترِسٌ لا عاشق. فقد غرّر بالمسكينة التي بادرته بعبارة مختصرة: “لا تَمتقِع، هي كلمة عَجلى/إني لأشعرُ أنني حُبلى/وصرختَ كالملسوع بي: كلاّ/سنمزِّق الطفلا”. وفي ختام الهياج الذكوري تقذف المسكينة بوجه العاشق المفترس “ليراتُكَ الخمسون… أنا لا أريد له أباً نذلا”.
وإذ لم يتوقف نزار عن كتابة شعر الحب وعشق المرأة، فقد ظهر لديه تطور جديد في الالتفات إلى الأوضاع السياسية في بلاد العرب، وإلى الآفات الاجتماعية واستغلال التدين لأغراض لا يقبلها الدين في أصالته. “خبز وحشيش وقمر” قصيدة تعرّي المجتمع الكسول في اهتمامه بالتفاهات، وقد حرّكت البرلمان السوري للمطالبة بمحاكمة الشاعر الذي كشف عيوب المجتمع. وقصيدة “من قتل الإمام” صاحب الطريقة، ومزّق الجبّة والكشكول والمسبحة الأنيقة… فهِمها المتخلفون على أنها هجوم على الدين. وقصيدة “أصهار الله” فُهِمت على أنها تجديف وغابت عمّن في قلوبهم مرضٌ أنها تعرية للساعين إلى السلطة بادعائهم أنهم من أقرباء السلطة الأعظم، فلهم الحق في ما يأمرون. ومثل ذلك قصيدة “الممثلون” الذين يستغلون الناس في السياسة والتديّن، لآماد طويلة، وقد “أحترق المسرح من أركانه، وأنتمُ بعدُ تمثلون”.
لكن القصائد السياسية الصرف نجدها في “أبو جهل يشتري فليت ستريت”، ذلك الخليجي “نفط بن الكعبة… الذي لا يدري ما صرّح نفط بن الكعبة” بعبارة الكبير مظفر النوّاب، لكنه يريد أن يشتري فليت ستريت، شارع الصحافة في لندن لكي يوجه الصحافة هناك لخدمة سياسة بلاده النفطية، ولو أدى ذلك إلى حرب تمسح شعباً بكامله، فذلك مكافحة الإرهاب، وخدمة للدمقراطية، التي يلفظها “دمطراقية” لأنه جاهل بن أبو جَهَل؟
ومن الهجاء السياسي ـ الاجتماعي قصيدة “الديك” ذلك الخليجي الكبير الآخر وهو “في حارتنا ديكٌ ساديّ سفاح” لا تسلم دجاجة من مشاريعه “الزواجية” التي أدت إلى مواليد لا عدد لها، لكنه “لا يعرف أسماء الصيصان” ولو أن الواحد منهم يحمل لقب “أمير أو أميرة” أو “شيخ أو شيخة”. وعندما ألقى نزار هذه القصيدة أمام حشد هائل، كان ضحك الجمهور يؤدي إلى اختناق أحياناً، لم يسلم الشاعر منه، لأن الجميع كان يدرك من هو الديك ومن هم الصيصان.
وقد بلغ الغضب بالشاعر عن وضع العرب سياسياً واجتماعياً أن كتب قصيدة “متى تعلنون وفاة العرب؟” فقد اتسع الخرقُ على الراتِقِ.
لكن الحديث عن شعر نزار السياسي لا يمكن ان يتجاوز “هوامش على دفتر النكسة”. فقد كانت هزيمة الجيوش العربية الكبرى أمام “شذّاذ الآفاق” من عصابات “شتيرن” و”الهاكَاناه” فضيحة ما بعدها فضيحة، ولا قبلها. كانت الجيوش العربية على مشارف القدس، لكن “ماكو أوامر” عرقلت تقدم القوات العراقية نحو التحرير، وبقيت الغصّة في حلق وقلب كل عربي. على الرغم من الغصة بقي نزار العاشق الأبدي يذكر “مالحةٌ في فمنا القصائد/مالحة ضفائر النساء/والليل والأستار والمقاعد/مالحةٌ في فمنا الأشياء”. سألني أحدهم: لماذا مالحة؟ أجبته: لأنها لم تعُد حلوة… يا غبي! لأن الشاعر يقول: “يا وطني الحزين/صيّرتني بلحظةٍ/من شاعر يكتب شعر الحب والحنين/لشاعر يكتب بالسكين”. لماذا؟ لأنه “كان بوسع نفطنا الدافق في الصحاري/أن يستحيل خِنجرَاً من لهبٍ ونار/لكنه يا ضيعة الأحرار من قُريش/وخجلة الأشراف من أوسٍ ومن نزار/يُراق تحت أرجُل الجواري”.
الشاعر، منذ “كَلكَامش” هو الذي رأى. والشاعر نزار هو الذي رأى ما سوف يقع. وقد حدّثني عن توقعاته في أحاديثنا الحميمة في حديقة دارنا في حي الجامعة ببغداد، في أواسط السبعينات. وقد ذكرتني أحاديثه بأبيات للشاعر الرائي الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي في كتابه الموسوعي: “الفتوحات المكّية”: (1165 ـ 1240).
إذا اتحد اليهود مع النصارى وطاروا بالحديد إلى البروجِ
وأضحى المسجد الأقصى أسيراً وصار الحكم في ذات الفروجِ
وناراً في الخليج بها سعيراً وحُكمٌ في الحجاز إلى العلوجِ
وفي حرب الكواكب سوف تفنى عواصمهم على زيت الخليج….
أليسَ هذا مُرعباً، حتى في صدوره قبل مئات السنين؟
وقد توفي نزار في مستشفى في لندن، ونُقل جثمانه بطائرة خاصة ليُدفن في مقبرة “سوق زغير” في دمشق، وتخرج أسراب من نساء دمشق لاستقبال الجنازة بملابس الحداد… البيضاء، فهو شاعر المرأة والياسمين.