رمضان شهر الاستهلاك بامتياز في بلادنا، فعلى الرغم من جمالية التسوق في هذا الشهر الفضيل والاستعدادات والأجواء الروحانية والزينة التي تملأ الشوارع، إلا أن المعضلة تكمن في كم المبالغ الباهظ التي تصرف على المواد الاستهلاكية وبشكل أكبر بكثير من بقية أشهر السنة، وربما الأدهى والأمر أن أسعار السلع والبضائع الغذائية في البلدان العربية ترتفع بشكل جنوني ليستفيد التجار من الموسم فتضطر العائلات المحتاجة إلى الاقتراض من أجل شراء مستلزمات رمضان.
وفي الوقت الذي يرفع فيه التجار في البلاد العربية أسعار المنتوجات الغذائية ومنها السكر والتمر وغيرها من غلة رمضان، نرى الأمر معاكسا في الدول الغربية تماما، حيث تقوم المحال التجارية بتخفيض أسعار التمور وغيرها من احتياجات الصائمين إلى 50 في المئة تقريبا لمساعدة الناس على التبضع دون أن يشعروا بعدم القدرة على الشراء خاصة أصحاب الدخل المحدود.
رمضان تحول إلى شهر للتبذير والإسراف دون الاهتمام للمعنى الحقيقي له والذي يتجلى في العبادات والتقرب من الله عز وجل، وقد ساهم في ذلك الإعلام المرئي والمسموع الذي لا يكف عن استدراج المشاهد إلى ما لذ وطاب من مغريات الأطعمة والحلويات وحتى المطاعم التي تقدم وجبات الإفطار والسحور من خلال إعلانات مكثفة تعرض عبر الشاشات الفضائية لتأخذ نصيب الأسد من وقت المشاهد الذي يدمن التلفزيون متابعا المسلسلات الرمضانية الجديدة فيجد نفسه يتابع الإعلانات المغرية التي تأخذ من وقت المسلسل نصفه تقريبا.
إجراءات تجارية مدروسة تستهدف الصائم في رمضان هدفها الربح المادي على حساب قدرته المادية ما يزيد الحمل ويجعله غير قادر على التفرغ للعبادة على الوجه المطلوب.
فيتحول الشهر للتبذير والتخمة والاستهلاك ما يعيق أداء فريضة الصوم والعبادة.
ولا يمكن أن نغفل هنا أهمية الصيام من الناحية الصحية، فقد أظهرت دراسة نشرت في المجلة الأمريكية لعلم التغذية السريري أن الصيام المشابه لصوم المسلمين مهم جدا لعلاج الأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب والشرايين.
تحدثنا مع خبراء في مجال الدين والصحة والاجتماع الذين قدموا بعض النصائح في ضرورة تفعيل مفاهيم مقاصد الشهر الفضيل وفي إيجاد حلول من ِشأنها أن تغير من عادات الناس الخاطئة فيما يتعلق بترشيد الاستهلاك وتبيان الفوائد الصحية وإعادة التفكير بالذات والارتقاء بالنفس بعيدا عن الشهوات الدنيوية.
إشكالية
د. رمضان زعطوط طبيب وأستاذ علم النفس في جامعة ورقلة في الجزائر قال لـ”القدس العربي” عن الاستهلاك المرضي وإشكالية العلاقة مع العبادات:
“الإشكالية هي علاقتنا مع الدين والتدين والعبادات والمعتقدات، أخطأنا في مفهوم العبادات وعندنا إشكالية خطيرة جدا هذه الإزدواجية التي نعيشها في حياتنا اليومية حين نصلي ونصوم ونحج ونسبح ونقرأ القرآن أصبحت عبادات تحولت إلى عادات. الآثار السلوكية والنفسية في تغيير نمط حياتنا غير موجودة وأعتقد أننا لا نقوم بالعبادات بل نحن نحرص على العادات وهذا يدل على وجود خطأ في مفهوم الغاية والوجود. العبادات المفروض أن تكون غاية عوض أن تكون وسيلة لمقاصد أخرى، بهدف الارتقاء بالإنسان ونأي النفس عن الشهوات والرقي الأخلاقي”.
وتابع: “أصبح الهدف فيه بعد واحد وهو الأرضي الاستهلاكي. تحولنا إلى أكثر الشعوب استهلاكا وربما حققنا النمط الغربي وأصبحنا سوقا وتحول المسلم إلى إنسان هدفه الرغبة والشهوة والملذات. في رمضان نزيد من استهلاكنا من 15 إلى 40 و50 في المئة، هذا الاستهلاك المرضي ربما هو نوع من المسايرة للنمط الاجتماعي السائد الذي سببه عدم الاهتمام ببناء الإنسان”.
وأكد على احتياجنا إلى إحياء الدين من جديد في ظل تغيرات تجري في مجتمعاتنا والفهم الخاطئ للإسلام والسائد في مجتمعاتنا، وهذا يقع على عاتق من يختصون بهذا العلم من الفقهاء.
وعبر عن تدهور الوعي قائلا: لا أحد يسأل عن مقاصد الصيام وعن بعده النفسي والاقتصادي. شهر الصيام هو لترشيد الاستهلاك وليس زيادة الانفاق، يعني عقلانية الاقتصاد في الأسرة المسلمة نحن نعكسه تماما. لو عملنا الآن بحثا على غوغل عن أول عشر دول على رأس العالم في البدانة والسكري، سنجد أن ثماني منها إسلامية وعربية بالذات. هذه العبادة غير فاعلة وهنا يأتي دور علماء النفس وعلماء السلوك والشريعة في كيفية تفعيل العبادات في حياتنا لتغير من طريقتنا في التفكير والسلوك.
تخمة الغني
محمد البيتي دكتور في الفكر الإسلامي وعلم الأديان المقارن في المغرب ركز على الجانب الروحاني وتعاليم الدين الحنيف في شهر رمضان قال لـ”القدس العربي”:
“الناس أصبحوا يحولون العبادات إلى عادات اجتماعية تمارس كسائر الطقوس. نحتاج اليوم إلى إعادة ربط الناس بالغايات وبالمقصد من خلقهم. الغاية هي تحقيق العبادة والتقوى الحضارية، رمضان فرصة لإعادة النظر في الذات وفي أولوياته من الوجود هذا هو المطلوب.
لكن أن تحول هذه العبادات إلى مجموعة من الطقوس الفارغة من مقصدها فهذا هو الذي يؤدي إلى حالنا المؤسف”.
مضيفا: “نحن لا نريد صوما لأنه يحقق الصحة فقط، نريد صوما لأنه امتثال لأمر الله لأن العبادة لا تكون عبادة إلا إذا حققت شرطين: خالصة لوجه الله وأن تكون من سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
وإذا أسرفنا فنحن نخالف أمر الله فكيف نكون صائمين؟”.
ويرى أن تخمة الغني اليوم هي انتقام لجوع الفقير، حيث أشار إلى حديث للنبي محمد عليه الصلاة والسلام يقول فيه “نحن قوم لا نأكل حتى نجوع فإذا أكلنا لا نشبع”.
محذرا من خطورة السلوكيات التي تتمثل في الاستهلاك غير المبرر للمواد الغذائية ولتشجيع التجار الذين يزيدون سعر البضائع، وأن السبب في اقتراض الناس للأموال الربوية من أجل شراء ما لذ وطاب في رمضان هو أنهم ابتعدوا عن المقاصد وعن الغايات.
ناصحا أن يكون الصيام فرصة لنرتقي إلى درجة الاستهلاك الواعي، وان يدرك الناس غايات الصيام وعلى رأسها أن نحس بالجوع لنحس بالفقراء الذين يصومون العام كله دون أن يجدوا ما يسد جوعهم.
الصيام صحة
د. شريف ابراهيم أخصائي الأمراض الباطنية والطب الوظائفي في لندن قال لـ”القدس العربي”:
“الصوم مهم جدا من الناحية الصحية وفي الماضي كان الأطباء ينصحون مرضاهم بالصوم لتخفيف الوزن وعلاج السمنة، كما أن مارك توين وهو واحد من أفضل الفلاسفة الغربيين قال الصوم للشخص المريض أكثر وأفضل من مقابلة أقدر الأطباء أو من تناول أنجع الأدوية، وهذا كلام يؤكد أهمية الصيام في علاج الأمراض”.