صنعاء-“القدس العربي”:اُفتتح في مدينة تعز/ جنوب غرب اليمن، الأحد الماضي، المعرض التشكيلي “كلنا هاشم علي” الذي شارك فيه نحو عشرين فناناً من مختلف محافظات البلاد بالإضافة إلى فنان مصري تداعوا جميعاً للمساهمة في مبادرة أحد الفنانين الشباب لتنظيم معرض يذهب عائد مبيعاته لصالح شراء منزل لعائلة الفنان الراحل هاشم علي (1945-2009) وهو أحد فناني طليعة المؤسسين للمحترف اليمنيّ.
ومنذ قَدمَ واستقرَ هاشم في مدينة تعز في ستينيات القرن الماضي، وهو لم يستطع بناء أو شراء منزل لعائلته على الرغم من تجربته المؤسِسة التي قضى شطرًا منها مُعلماً في مرسمه (أول فصل تعليمي للفن التشكيلي في اليمن وفق إحدى الدراسات) لعدد من الفنانين الذين أصبح بعضهم، اليوم، رموزاً في المشهد اليمني. فقبل عشر سنوات تقريباً غادر هذا الفنان الكبير دنيانا عن أسرة مكونة من زوجة وثمانية أبناء يعيشون في منزل بالإيجار، بينما لوحاته مقتناة في أهم مؤسسات الدولة وشخوصها، في مفارقة تدلل على مدى المعاناة التي عاشها هذا الفنان الرائد!
ونتيجة الحرب المستعرة في البلاد منذ أكثر من أربع سنوات أصابت المواجهات، التي ما زالت تشهدها مدينة تعز، المنزل الذي كانت تستأجره وتعيش فيه عائلة الفنان الراحل. وخلال الشهور المنصرمة اشتعلت حملة من أجل إنقاذ عائلة الفنان الراحل وتوفير مسكن لها كأقل تقدير وتكريم لتجربة الفنان هاشم علي؛ فظهرت مبادرة حكومية لترميم المنزل، إلا أن هذه الدعوات قوبلت بمقترحات من البعض مفادها أن يتم شراء منزل للعائلة بدلاً عن ترميم منزل بالإيجار، وهي مبادرة أطلقها الفنان وليد دله من خلال تنظيم معرض جماعي يعود عائد مبيعاته لصالح شراء المنزل؛ والمبادرة تداعى لها عدد من الفنانين اليمنيين في الداخل والخارج تلبية لدعوة تنظيم المعرض، الذي شارك فيه عددٌ من أبزر الفنانين اليمنيين من أجيال مختلفة بالإضافة لفنان مصري تأزروا في مَهمة إنسانية لصالح شراء منزل لعائلة رائد من رواد الحركة التشكيلية اليمنيّة في مرحلة حرجة يمر بها البلد.
ستون لوحة ضمّها المعرض وتشهد مزاداً لبيعها يستمر حتى الخامس من أيار/مايو فهل ستنجح هذه المَهمَة؟
يقول الفنان وليد دله صاحب فكرة المعرض لـ “القدس العربي” إن هذا المشروع “هو مبادرتنا التي انطلقت، أولاً، لمحاولة رفع الوجع عن أسرة الفقيد لما يعانوه من مشاكل مادية كبيرة”.
وأعرب عن الأمل في أن يحقق مزاد المعرض الآمال المتوقعة منه في توفير مبلغ يمكن من خلاله شراء منزل لعائلة هاشم: “سنسعى جاهدين وبكل ما نملك حتى نصل لشراء منزل، وسنطرق كل الأبواب للوصول لذلك بإذن الله”.
منذ افتتاح المعرض يتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي عرض صور اللوحات بأسعار مفتتح المزاد؛ فبعض اللوحات يبدأ مزادها بـ400$ وأخرى بـ600$…الخ.
“هناك أشخاص قدموا لنا وعودا بالتجاوب، وهناك مَن تجاوب بدعم المبادرة بدون شراء حسب إمكانياته، ونحن ماضون في المبادرة حتى تحقيق الهدف” يقول وليد.
مات الفنان هاشم علي مخلفاً عددا من اللوحات بعضها ضمن مقتنيات وزارة الثقافة وغيرها من المؤسسات والشخصيات، وبعضها تم التصرف به وما زال مصيرها مجهولاً في خضم ما شهدته وتشهده المدينة من مواجهات مسلحة منذ اندلاع الحرب هناك منذ أكثر من أربع سنوات.
هاشم …اللوحة
لم تتجل دراسة يمنيّة واضحة ودقيقة تُحدد البدايات التأسيسية الأولى للفن التشكيلي الحديث في اليمن، إلا أن المتفق عليه أن الفنان هاشم علي يُعدّ أحد رواد الطليعة المؤسِسة. وتكاد تتفق بعض القراءات على أنه نظم أول معرض تشكيلي شخصي في شمال اليمن عام 1967 كما كان أول من افتتح مرسما تعليميا للفن التشكيلي في مدينة تعز، التي انتقل إليها أول مرة عام 1963.
عاش هاشم جزءاً من طفولته في كنف والده في اندونيسيا، ثم واصل تعليمه في حضرموت في فصول تقليدية، وفي الثامنة من عمره كانت بدايته مع الفنون؛ فبدأ بتعلم النحت على يد مُعلمه علي الجفري. عقب وفاة والده عام 1955 ترك دراسته بحثاً عن لقمة العيش؛ فانتقل إلى أبين ومن ثم إلى عدن (جنوب) وهناك التقى عدداً من الفنانين المعروفين آنذاك إبان فترة الاحتلال البريطاني وفق ما ورد في إحدى الدراسات، وخلال تلك الفترة تفتّحت معالم هُوية هاشم، وقيل إنه هناك بدأ في تحقيق احترافه الفني. عقب قيام الثورة في شمال البلاد عام 1962 انتقل لمدينة تعز عام 1963 حيث استقر به المقام لاحقاً هناك، وخلال فترة قصيرة من إقامته فيها افتتح معرضه الشخصي الأول عام 1967 فكان ذلك المعرض بمثابة الافتتاح الرسمي لمسيرة الفن في شمال اليمن باعتباره المعرض الأول من نوعه هناك.
درس الفن ذاتيا مستفيداً من مكتبات المراكز الثقافية الأجنبية في البلاد علاوة على ما أُتيح له، لاحقاً، من زيارات لبلدان عربية تمكن خلالها من اكتشاف التجارب الفنية لكل بلد زاره، مستفيداً من إجادته اللغة الإنكليزية؛ التي مكنته من الاطلاع على عدد من أمهات الكتب باللغة الإنكليزية، واستطاع احتراف الفن في عقد الستينيات.
طغت الانطباعية المنفعلة على أعماله التي ظهرت في مستهل السبعينيات وهي الحالة التي تجاوزها لاحقاً مشتغلاً على التناغم والجمال، والتي عكستها أعماله التي قدّمها عقب تفرغه لتعليم الفن من خلال افتتاح مرسم للفن التشكيلي عام 1970 والذي تخرج فيه عددٌ من أبرز فناني الحركة التشكيلية اليمنية حالياً.
في عقد الثمانينيات شهدت تجربته تحولاً جديداً وخاصة في علاقته بالذات والهُوية؛ وهو ما عكسته أعماله بالأبيض والأسود، والتي لم يتجاوز فيها الإنسان كمحور موضوعي فني تعبيراً عن جوهر رؤيوي فكري تنضح به خطوطه التي أصبحت أكثر روحانية وديناميكية تطورت كثيراً في عقد التسعينيات ومستهل الألفية الثالثة، والتي اشتغل فيها على طاقات اللون الأسود وامكانات الألوان الزيتية. وهنا عكست أعماله الزيتية تجربة خاصة، وفق نقاد، وخاصة في المنحى الاشراقي الروحي، وهي تجربة استفاد فيها كثيراً من مهارته في مزج الألوان الحارة بالألوان الباردة، مستنطقاً، من خلالها حركة نورانية تصعد بالباطن إلى السطح في حركة رؤيوية تمور بها لوحاته وتعكس من خلالها نصوصه البصرية تجربة لم تستوف حقها من الدراسة والإلمام لثرائها وفرادتها. وهنا يرى نقاد في استخدامه للألوان الزيتية في أعماله في مرحلة متقدمة حالة فنية فريدة “تُحيل تلك المشاهد والمناظر الطبيعية والشخوص الإنسانية إلى عالم لا مرئي حيث انعتاق الروح وانبعاث اشعاعاتها من جوهر الأشياء”.