نظرتان في الشعر والشاعر

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
2

أمنَ الضروري أن تبقى معلّقةً بنا عبارة شاعر الإمبراطورية البريطانية رديارد كبلنك: “الشرق شرقٌ والغرب غربٌ، وأبداً لن يلتقي الإثنان؟”.

هذا ما تبادر إلى ذهني وأنا أراجع بعض الدراسات النقدية في الشعر العربي، وبعض مثيلاتها في الشعر الأجنبي، والإنكَليزي منه بخاصة. وقد لا أُجانِب الصواب كثيراً إذا زعمتُ أن كثيراً من الدراسات العربية في نقد الشعر تميل إلى الخصام دون النقد، الذي يبيّن طبيعة القصيدة، وقيمتَها الفنية، دون تجاوز المآخذ، ولكن بحسن نيّة وقصدٍ مُنصِف.

وثمة أمثلة من الشعر الجاهلي حتى وقتنا الحاضر. فعند الحديث عن معلّقة طرَفة بن العبد مثلا، وهو معاصر امرئ القيس الذي توفي عام 540م حسب أغلب الباحثين، وقد توفي طَرَفة في بلده البحرين، عام 544م، أي بعد وفاة أول وأهم شعراء الجاهلية بأربع سنوات. ومن الصعوبة الظن أن الشاعرين لم يعرفا بعضهما، ولم يسمعا بشعر بعضهما، على الرغم من بُعد المسافة بين البحرين واليمن، فالشعر ديوان العرب أي أنيس مجالسهم. يرى بعض كتَبَة النقد أن طرفة قد أخذ صورة شعرية من امرئ القيس وأثبتها في شعره. ففي البيت الخامس من قصيدة امرئ القيس نقرأ: وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهمُ/يقولون لا تهلك أسى وتجمّل. ويرد البيت الثاني في قصيدة طرفة على نفس الوزن وبالكلمات نفسها، لكن الكلمة الأخيرة هي “تجلّد” استمراراً لقوافي طرفة: ثهمدِ، اليدِ، مما يجعل من الصعب جدا التصديق بقول طرفة أنه لا علم له بقصيدة امرئ القيس، وأقسَم أنه لا يعرفها.

ولكن، هل يكفي هذا لينال من شعرية قصيدة طرفة، بما فيها من صور مبدعة، وحكمة عجيبة، نستغرب وجودها في ذلك الزمان والمكان، عند غياب مصادر المعرفة والثقافة كما عرفناها في عصور وأماكن لاحقة؟

وثمة حديث عن أبي فراس الحمداني، الشاعر الفارس النبيل (ت.عام 968م) معاصر المتنبي (ت 965م). ففي قصيدة فذة: أراك عصيّ الدمع شيمتُك الصبرُ، يعيب بعض الدارسين على الشاعر انه قال: “إذا مِتُّ ظمآناً فلا نزل القطرُ” وفسّروا ذلك على أنه دليل أنانية وكراهية للآخرين. هذا كلام لا يمت إلى النقد الأدبي، بل يتّصل بالخصام الذي قد يصل إلى حد الشتيمة أحياناً. أين النظر في جماليات القصيدة، وروح الشاعر العاشق، وهذه اللغة المعبِّرة عن أدقّ خلجات النفس البشرية العاشقة؟

ولم يسلم المتنبي الكبير من نقد همّه تسقّط العيوب، بل اختلاقها، إن لم توجد. ثمة من عاب على المتنبي تنقّله بين المديح والهجاء، أحياناً لشخص واحد، كما فعل في مديح كافور الإخشيدي أبدع مديح، ثم هجاه أقذع هجاء. قال بعضهم إن هذا من سوء الأخلاق عند الشاعر. ولكن ما بال الناقدين لم يلتفتوا إلى براعة الصور، حتى في الهجاء المقذع ألا يتوقَّف المرء عند قول المتنبي مخاطباً كافور ممدوحه: “وما طرَبي لما رأيتك بدعة/لقد كنت أرجو أن أراك فأطربا”. هذا بعض ما يثيره الشعر الفذّ في الذهن من تساؤلات. ومن باب البحث عن العيوب في الشعر ما ورد في كتاب عن سرقات المتنبي، لأبي سعد العميدي. وكأن الكاتب يتشفى من الشاعر بملاحقة عيوبه.

ليس عيباً أن يتعلم الشاعر من سابقيه. يروى عن ابي نواس أنه قال “ما نطقتُ بالشعر حتى حفظتُ لستين من شاعرات العرب، فما بالك بالشعراء!” ونعرف من آراء ت.س. اليوت النقدية حول طبيعة الشعر الجيد قوله: “إن الشاعر الجيد هو من قرأ أفضل ما كتبه الشعراء في لغات عديدة منذ هوميروس حتى المعاصرين، بمن فيهم شعراء بلاده”. وهذا لا يعني بالطبع نقل ما لدى الآخرين ونسبه لنفسه. فذلك ليس ما يفعله الشاعر الجيد.

إزاء تسقّط العثرات والأخطاء عند الشاعر، في بعض الكتابات النقدية عندنا، نجد كتّاب النقد الغربي، عموماً، يبدأون بذكر المحاسن عند هذا الشاعر أو في تلك القصيدة، ويتجاهلون، في الغالب، ما في القصيدة من عيوب، كما لا يلتفتون إلى سلوك الشاعر، في الأعم الأغلب. وأعرضُ مثالاً واحداً عن الشاعر الإنكَليزي روبرت بروك (1887 ـ 1915) الذي يعد ّأول شعراء الحرب العالمية الأولى، إلى جانب ولفرد أوين وآخرين. لا يُعَدّ بروك شاعراً كبيراً، بل إن بعض كتب المجموعات الشعرية الإنكَليزية لا تذكره أصلاً. لكن الشاعر قد تلقى تعليما عاليا وتخرج في جامعة كمبرج، وبدأ يكتب الشعر في أوائل عشريناته، حتى في مقهى ببرلين عام 1912. وعند قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 سارع الشاعر للتطوع في الجيش بحماسة الشباب “للدفاع عن الوطن” ولم تكن الأسباب الحقيقية لاشتراك إنكَلترا في الحرب واضحة للناس. لكن الشاعر اشترك في حرب الدردنيل، ثم في العمليات حوالي الجزر اليونانية، وهناك، على ظهر سفينة فرنسية أصابته لسعَةُ بعوضة، تسببت في مرضه الذي أدى إلى وفاته في جزيرة “سكيروس” في بحر إيجة، وتم دفنه هناك. وهذا يشير إلى أن الشاعر لم يمُت في القتال، لذا لا يمكن القول إنه بطل حرب، إلا من باب… المجاملة!

عندما يُذكر روبرت بروك تُذكر معه خمس غنائيات من النمط الذي أشاعه الإيطالي بتراركا ومن بعده الشعراء الإنكَليز في القرن السادس عشر، وأهمّهم شكسبير. عناوين هذه الغنائيات الخمس: العاشق الكبير، الجندي، الموتى، الجنة/السماء، الكنيسة العتيقة. أبرز هذه الغنائيات هي الثانية بعنوان “الجندي” إذ لا يذكر اسم الشاعر إلا وتلحق به قصيدة “الجندي”:

إذا ما مِتُّ، تذكّروا هذا عني وحسب:

أن ثمة زاوية في أرض أجنبية

ستبقى إنكَلترا إلى الأبد. وسيبقى

في ذلك التراب الخصب ترابٌ أشدّ خصوبة، مطموراً

ترابٌ وَلِدَته إنكَلترا، وشكَّلَتهُ ورَعَت وعيه

وأعطته، يوماً، زهورَها ليحبَّها، ودروبَها ليتجوّل فيها،

جسدٌ إنكَليزي، يتنفس هواء إنكَليزيا،

مغسولٌ بأنهار الوطن، مبارك بشموسِه.

وتفكّروا، إن هذا القلب، الذي خلُصَ من الشرّ جميعاً،

هو نبض من الذهن الأزلي، لا أقل،

يعيد في مكانٍ ما الأفكارَ التي أعطتها إنكَلترا،

مناظرَها وأصواتَها، أحلامَها السعيدة مثل يومها،

والضحكَ الذي تعلّمه من الأصدقاء، والطيبة،

في قلوب مطمئنة، تحت سماء إنكَليزية.

هذه قصيدة حماسة للوطن، بأسلوب وعبارات لا تقوى الترجمة على الحفاظ عليها. لكن متوسط الإنسان الإنكَليزي وجدَ فيها من الجمال وبلاغة القول ما حمل المسؤولين في لندن على تلاوتها بصوت عال في قدّاس عيد الفصح، في كاتدرائية القديس بولص، أكبر وأقدم كنيسة في لندن، عام 1915 في السنة الثانية للحرب، وإكراماً لذكرى الشاعر الذي توفي في ذلك العام نفسه، فتضاعفت طبعات غنائياته الخمس تضاعفا كبيراً. لكن أحدا من كتَبة النقد في إنكَلترا لم يُشِر إلى المستوى دون المتوسط لبعض هذه الغنائيات الخمس، ولا إلى مستوى المبتدئين في كتابة الشعر في بعض القصائد المبكرة. كما لم يتطرّق أحدهم إلى أن الشاعر قام بجولات في أمريكا وبعض الجزر المجاورة وهناك أنجب طفلة من امرأة لا يعرف أنه تزوّجها رسمياً، وتلك كانت مسألة معيبة في أوائل القرن العشرين. السؤال الغرير: ماذا لو كان مثل ذلك “الحادث” قد وقع لأحد شعرائنا العرب؟ كيف كان سيكون موقف كتَبَة النقد عندنا؟ لكن الشاعر روبرت بروك بقي في عيون الإنكَليز شاعر الوطن الذي سارع للدفاع عن الوطن، ولو أنه قُتل في الحرب بلسعَة بعوضة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية