دُور الشباب في تونس متنفس للتأطير والتوعية والترفيه

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس-“القدس العربي”: تنتشر المئات من دور الشباب في مختلف ولايات الجمهورية وهي تعد من المؤسسات العريقة في تونس، وتزامن إنشاء أول دور للشباب مع بدايات تأسيس دولة الاستقلال وذلك بهدف تنمية الشباب وتوفير كافة الظروف التعليمية والترفيهية الملائمة لهم. واليوم بدأ دورها يتزايد مع ارتفاع نسبة الشباب وكثرة تطلعاتهم وكذلك تصاعد المصاعب والأزمات المجتمعية التي تشهدها البلاد والتحولات التي برزت في المجتمع في العشرية الأخيرة.

وهذه المؤسسات الشبابية هي بمثابة هياكل تربوية اجتماعية وثقافية توفر للشباب فضاءات تنشيطية للتكوين والترفيه وتخضع لإشراف وزارة الشباب والرياضة والتربية البدنية وتهدف إلى تعزيز انتماء الشاب إلى وطنه وتجذير هويته، وهي تعتبر من التجارب الاستثنائية في العالم العربي. ويشدد اليوم الباحثون الاجتماعيون على أهمية دور الشباب في توعية هذا الجيل الصاعد وإبعاده عن كل الأخطار والتمزقات المحدقة بالمجتمع من الإرهاب والتطرف وغيرها.

في معتمدية باردو في قلب العاصمة التونسية تستقطب دار خزندار يوميا مئات الشبان من مختلف الأعمار يتوزعون على منتدياتها التي تحمل ألوانا عديدة، فمنها الثقافي مثل نادي المسرح ونادي الصحافة ومنها الرياضي مثل “باردو سبور” وغيرها. عفاف العقبي استاذة أولى متخرجة من المعهد العالي للتنشيط الشبابي في بئر الباي وهي مؤطرة ومرشدة في نادي الصحافة في دار الشباب خزندار تقول لـ “القدس العربي” عن تجربتها في تأطير الشباب ضمن هذا النادي: “إن دور الشباب في تونس، هي تلك الأمكنة الضاربة في جذور التاريخ والمتلونة حتى العمق بلون هذه الأنشطة التي تحصل فيها وتكتسي خصوصية الفضاء الذي تنتمي إليه أي الحي السكني أو الحومة باللهجة التونسية العامية”. وتتابع: “لكل دار شباب طابعها الخاص الذي يميزها عن البقية، ولا نتحدث هنا فقط عن الطابع المعماري والهندسي بل أيضا عن خصوصية الأنشطة وأشكالها وخصوصية الرواد وطبيعة أساتذة التأطير وأولوياتهم في العمل. لقد كانت ولا تزال هذه المؤسسات تحتضن نسبا كبيرة من الشباب، ودورها الأساسي هو إنقاذهم من الفراغ ومن الضياع، وأيضا من أخطار العالم الخارجي ومن غسيل الأدمغة الذي تمارسه الأطراف المتطرفة عندما يغيب النضج وتغيب القدرة على التفكير السليم”.

وتضيف: “لقد تجاوزت دور الشباب اليوم في ظل هذه المتغيرات والأخطار والظروف الاقتصادية الصعبة الدور التقليدي في ملء أوقات الفراغ إلى الدور التكويني الذي يعمد إلى تغيير طرق تفكير الشباب ونظرتهم للحياة بالعمل على المهارات الحياتية كالمصالحة مع الذات والتواصل وغرس أساليب وطرق العمل الجماعي وقبول الاختلاف وقبول الآخر والتفاوض وفض النزاع”.

وعن دور الأستاذ المؤطر تضيف بالقول: “إن دوره رغم أهميته لا يزال مجهولا وغامضا للأكثرية، فعلاوة على تكوينه الأكاديمي، لا بد للأستاذ الملتحق بإحدى دور الشباب أن يكون متحصلا على الأستاذية في التنشيط الشبابي ومتخرجا من المعهد الوحيد الموجود في تونس وهو المعهد العالي للتنشيط الشبابي في بئر الباي. وإضافة إلى ذلك يجب أن يكون للأستاذ تكوين ثقافي، وأن يكون ملما بعلم النفس لأنه المحرك الخطير والأساسي لفهم طبيعة الشباب وطبيعة المحيط الخاص بهم وظروف عيشهم، وهو من أولويات الأستاذ المؤطر، إضافة إلى تمكنه من أساسيات علم الاجتماع وديناميكية المجموعات. ولعل دوره في الأساس يكمن في تدريب الشباب على اكتساب المهارات الحياتية من ناحية وإعدادهم للحياة الجماعية من ناحية أخرى”.

فالعمل داخل المجموعة ونقصد مجموعة النشاط أو المجموعة المنخرطة في النادي الواحد والذي يجمع أفرادها عشقهم للنشاط هو الميزة الأساسية لعمل الأستاذ، والتي تتطلب تقنيات خاصة هي في الأساس غرس طرق وأساليب التعامل مع الآخر في المجموعة، والتي هي صورة عن التعامل مع الآخر في العالم الخارجي كالتفهم وقبول الاختلاف في الرأي والتنازل للآخر عند اللزوم والقدرة على الاحتواء واكتساب أساليب القيادة.

كل هذه التقنيات وغيرها هي ما يسعى الأستاذ إلى غرسه في الشباب بشتى الطرق والوسائل عسى أن يهيئهم لمواجهة الأمور الحياتية بعد أن يكون قد ساعد على تحقيق توازنهم النفسي وعلى اكسابهم، كل حسب عمره، آليات التعامل مع الآخر ومواجهة مصاعب الحياة.

تحديات عديدة

 

أما عن أبرز التحديات التي تواجه الأستاذ المؤطر في دار الشباب فتضيف بالقول: “لا يستطيع الأستاذ أن ينجح في هذه العملية الانقاذية التواصلية التغييرية إلا إذا بنيت بينه وبين الشباب علاقة إنسانية خاصة فيها من المحبة والأمومة والأبوة الشيء الكثير، فتغيير العقول يبنى بالمحبة وبالأجواء الخاصة التي تأخذ الشباب من إغراءات العالم الخارجي”. أما عن أنواع النوادي التي تحتويها دور الشباب فتتابع محدثتنا: “هناك نواد فكرية مثل الشطرنج وثقافية مثل المسرح والموسيقى والرسم والرقص والإعلام كنادي الإذاعة ونادي الصحافة والرياضة مثل كرة السلة والتايكواندو والكرة الحديدية وكرة القدم”.

وقد افتتح “نادي الصحافة” قبل عام ونصف في خزندار باردو في العاصمة التونسية وكان أول ناد يهتم بتأطير الشباب والمراهقين الذي يحلمون بالانتماء يوما إلى عالم الصحافة. وتكلل هذا الحلم بإصدار أول مجلة الكترونية خاصة بالشباب تحمل اسم “صوت خزندار” وهي ليست مجرد مجلة الكترونية إنما تمثل مسيرة طويلة من الجهد المتواصل لتأطير شباب في عمر المراهقة. وتتابع “في تواصلي اليومي مع هؤلاء الشباب نتحاور حول مواضيع مختلفة وتكبر مسؤولياتنا مع الثقة التي يعطينا إياها هؤلاء الشباب. والمهم بالنسبة لي ليس إكمال العمل أو المشروع الذي نقوم به بقدر ما هو التأطير والتوعية، فهذا الجيل هو أمانة في أيدينا ونحن نتحمل مسؤولية كبرى لتوجيهه نحو الدفة الصحيحة”.

اليوم هناك مخاطر عديدة منها الانزواء أو التطرف والإرهاب والذي يجد في الشباب المهمش صيدا ثمينا لتنفيذ مخططاته وتجنيده. وتذكر التقارير أن معظم عمليات تجنيد الإرهابيين تقع على شباب في أعمار تتراوح بين 15 و25 عاما وهو العمر الذي يكون فيه الشاب في حالة بحث عن الطرق الأقصر والأسهل لتنفيذ أحلامه، ويطرح خلاله تساؤلات عديدة حول مجتمعه وثقافته وهويته ودينه، وعندما لا يجد الجواب من المدرسة أو العائلة فإنه قد يقع ضحية وفريسة سهلة للخلايا الإرهابية التي تعمل على بث هذا الفكر المتطرف في أوساط المراهقين والشباب.

تغيير كبير

هبة ناصف ناشطة في إحدى دور الشباب تبلغ من العمر 20 عاما وهي الآن طالبة في جامعة تونس المنار اختصاص بيولوجيا تحليلية وتجريبية، تقول إن انتمائها لدار الشباب أحدث تغييرا كبيرا في حياتها، فهي بالنسبة لها رمز الفن والثقافة والإبداع. ومكان لممارسة الأنشطة والتمتع بأوقات الفراغ بعيدا عن الشارع وفساد المجتمع.

وتوضح بالقول: “يلعب هذا المكان دورا هاما في تأطير الشباب والارتقاء بأفكاره وصقل مواهبه فنجده ناضجا ومرنا في التعامل مع الآخر”. وتتابع: “لقد نشطت في دار الشباب منذ سبع سنوات أي منذ بلوغي سن المراهقة. وكنت في البداية خجولة لم أكن لأتأقلم وسط المجموعة لولا تلك المرأة الجبارة التي جعلت منا ورودا متفتحة وهي أستاذتنا ومؤطرتنا. وكان نادي الصحافة ولا يزال ملجأنا للهروب من ضغوط الحياة. جعل منا هذا النادي شبابا واعيا، ذا ثقة عالية بذاته، يملك تقنيات التعامل وأساليب الحوار والاستماع. شبابا متشبثا بالقيم والمبادئ، والأهم شبابا مفكرا لا ينساق وراء الميوعة والفراغ. ولا ننسى الأمور التقنية المكتسبة من تصوير وتركيب وكتابة السيناريو وكل ما له صلة بصحافة المواطنة. فنحن نجتمع أسبوعيا وفي معظم الأحيان العديد من المرات في الأسبوع فيكون عملنا ممزوجا بالمزاح وروح الفكاهة ما يضفي على العمل رونقا خاصا. فأصبحنا مجموعة تمزج بين حنان العائلة وحب الأصدقاء وجدية الزملاء لنكوّن معا خلطة سحرية لا توجد إلا في نادي الصحافة في دار الشباب خزندار”.

أما محمود دفدوف (16 عاما أولى ثانوي) فهو أيضا من المنتمين لدور الشباب في تونس وروى لـ “القدس العربي” تفاصيل تجربته فقال: “كنت أميل إلى تمضية الوقت لساعات طويلة أمام الكمبيوتر، ثم عرضت علي والدتي فكرة الانتماء لنادي الصحافة في دار شباب خزندار أين يمكن أن أجد أصحابا في مثل عمري ويشاركونني ربما الهوايات، وبعد عام ونصف العام أحدث هذا النادي بكل ما لمسنا فيه من رعاية وتأطير وحب، تغييرا كبيرا في شخصيتي فتعلمت من خلاله فن المحادثة وكيف نواجه الآخر كيف نتحدث أيضا مع الآخرين …وعزز ثقتي بنفسي أكثر فهو بمثابة مدرسة تعدنا للمجتمع وكيفية العيش فيه، وأمضي هنا ساعات طويلة بصحبة زملائي ونحن نتناقش ونتبادل الهوايات المشتركة مثل القراءة والمطالعة وأحيانا نذهب في رحلات استكشافية جماعية. كما نعد سويا تحقيقات صحافية حول المشاكل التي يعاني منها الشباب فبدأنا بالبحث عن أسباب الهجرة غير الشرعية أو (الحرقة) كما تسمى في تونس وتحاورنا وجها لوجه مع أشخاص كانت لهم تجربة في الهجرة غير الشرعية وتناقشنا معهم حول الأسباب التي تدفعهم للذهاب في قارب في عمق البحر لا أحد يعرف إن كان سيصل إلى وجهته أم لا. كما تعلمنا أهمية التطوع ومساعدة الآخرين ونظمنا أياما مشتركة أيضا خصصناها لتنظيف حينا ومدينتنا وآخر أحلامنا هو إطلاق مجلتنا الالكترونية وأحلامنا لا تزال كبيرة ونأمل ان نحقق المزيد”. ومحمود هو واحد من آلاف الشباب في عمر المراهقة الذين انضموا إلى دور الشباب المنتشرة في أرجاء الولايات التونسية، فكانب بالنسبة لهم مساحة للتعلم والوعي بأسلوب ترفيهي مشوق.

لقد أنشئت دور الشباب في تونس كمتنفس وكمساحة للمراهقين والشباب للابتعاد عن مخاطر المجتمع وتحولت لاحقا إلى أهم معاضد للمؤسسات التربوية النظامية في عملها التربوي والبيداغوجي في سياق تطوعي يستهدف الشباب. واليوم مع تصاعد خطر الإرهاب كثر الحديث عن أهمية إعطاء دور أكبر لهذه المؤسسات الشبابية لتكون السفينة التي تنقذ جيلا كاملا، جيل ما بعد الثورة، جيل التقلبات السياسية وعدم الاستقرار الأمني والتخبط الاقتصادي، تنقذه من براثن التطرف والإرهاب وتعده لمواجهة المستقبل بعين ثاقبة وإرادة صلبة.

اقتباسات

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية