عاشت الكرة الانكليزية في الأيام السابقة ليالي ولا في الخيال بعدما تأهلت 4 فرق من البريميرليغ الى نهائي المسابقتين الاوربيتين، دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي، في حدث غير مسبوق.
نعم، كتم ليفربول وتوتنهام الأنفاس ليلتي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، بنجاحهما في قلب تخلفيهما أمام برشلونة وأياكس على التوالي في ذهاب نصف نهائي دوري أبطال اوروبا، محققين انتصارين غير متوقعين، لينضم اليهما أرسنال وتشلسي الى المباراة النهائية في الدوري الأوروبي، ليكون احتكاراً كاملاً للكرة الانكليزية، يعكس ربما قوة البريميرليغ وشراسة منافساته.
طبعاً الأمر كان يمكن أن يكون مختلفاً بكل سهولة، لأن تأهل الرباعي جاء بشق الأنفس وليس باستعراض القوة، ففي صباح يوم الثلاثاء الماضي، كان كل الحديث عن نهائي برشلونة وأياكس، وعن كيفية مواجهة نجم أياكس الصاعد دي يونغ لفريقه المستقبلي وان كان سيحرمه لقبا، وعن قدرة ميسي على الوفاء بوعده لجماهير برشلونة، بجلب الكأس الى «كامب نو»، لانه لم يدر في خلد أشد المتفائلين من أنصار ليفربول ان يحدث ما يحدث ليلة الثلاثاء، وان يقلب الليفر تأخره بدون أبرز نجومه، صلاح وفيرمينو، وبعد سماع أنباء سيئة قبلها بساعات بانتصار مانشستر السيتي، ما عنى خروج الامور من يديه في صراع لقب الدوري المحلي، والأصعب ان ينجح في 90 دقيقة في تسجيل 4 أهداف وأن يمنع «المعجزة» ميسي من التسجيل، وهذا بالضبط ما حدث، وبعدها بأربع وعشرين ساعة، تعين على توتنهام العودة من تخلف بثلاثة أهداف امام اياكس، لكن في 45 دقيقة، وفعلها في الثواني الاخيرة، وحتى تأهل تشلسي جاء بشق الانفس أمام انتراخت فرانكفورت بركلات الترجيح، وكان هو البادئ باضاعة ركلة ترجيح قبل أن يضيع انتراخت اثنتين، في حين كسر أرسنال عقدته في أرض فالنسيا وحقق انتصاره الاول، أي انه بسهولة كان ممكن ان ينكسر الضلع الرباعي، لكن الروح العالية والطاقة الرهيبة والايمان اللامتناهي بقدرات المدرب واللاعبين، سمحت بعيش الانكليز ليالي وأياما ساحرة.
قبل 12 شهراً، علت الأصوات في عالمنا العربي، من نقاد واعلاميين ونجوم سابقين وحتى مسؤولين كرويين، بضرورة رحيل محمد صلاح عن ليفربول والانتقال الى ريال مدريد، ما يعكس ضيق أفق هؤلاء، وان معلوماتهم الكروية لا تتعدى أمنيات وأحلام لا تمت في الواقع بصلة، فأين سيجد صلاح مثل الاجواء والمقام والتقدير كالذي حصل عليه في الموسم الماضي والحالي، حتى عندما هبط مستواه وبدا انه يعاني؟ أين سيجد صلاح شراسة في المباريات والمنافسات مقارنة بأي دوري في أوروبا؟ والأهم من يضمن أنه مع الريال سيكون هو «مو ليفربول»؟ علماً أن الريال بحاجة الى عامين أو ثلاثة كي يستعيد عافيته وينجح مدربه زيدان في اعادة البناء، في حين أن ليفربول يبتعد خطوة عن العروش.
وعلينا دائماً أن تذكر ما حدث للبرازيلي كوتينيو، الذي كان ملك «أنفيلد» قبل ان يلعب برأسه وكيل أعماله ومواطنوه بضرورة الانتقال الى برشلونة، فماذا حدث منذ انتقاله؟ وصل ليفربول الى نهائي التشامبيونز مرتين، فيما هو يلقى صيحات الاستهجان في كل مباراة مع البارسا. وأين رياض محرز اليوم في مانشستر سيتي، بعد تعالت الأصوات بضرورة الرحيل عن ليستر الصغير؟ وأين المشجعون التشيليون اليوم الذين حثوا وعبأوا نجمهم أليكسيس سانشيز بضرورة الرحيل عن أرسنال، والانتقال الى فريق كبير؟ اليوم سانشيز «مسخرة» مشجعي يونايتد.
صلاح في النادي المناسب له ولقدراته ويسمح له في التطور والنمو، ولا أرى ذلك يحدث اذا انتقل الى الريال او البارسا، وأيضاً هو موجود في الدوري الأكثر مشاهدة العالم، والأثرى في العالم، ولن أقول أن الاندية الانكليزية ستحكم قبضتها على المسابقتين الاوروبيتين، لأن كرة القدم مدورة ودوارة، فمثلما كانت هناك سيطرة انكليزية في نهاية السبعينات والثمانينات، ثم جاء الطليان في التسعينات، وبعدهم الاسبان في مطلع الألفية فعاد الانكليز في النصف الثاني من العقد الاول للالفية الجديدة، ثم عاد الاسبان بالريال والبارسا وبينهما طفرة المانية مؤقتة في 2013، وهكذا دواليك يعود الانكليز، ولهذا نقول لعشاق صلاح، اذا رأيتموه سعيدا ومبدعا فشجعوه وآزروا فريقه، لأنه يبدو ان هذا زمن الانكليز وزمن ليفربول.