بغداد ـ «القدس العربي»: تصاعد القلق الأمريكي من احتمال تعرض مصالح واشنطن في العاصمة العراقية بغداد، لاستهداف من قبل مجاميع مسلحة مدعومة من إيران، على خلفية التصعيد الأخير بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة، والذي يُنذر باحتمالية نشوبِ حربٍ بين الطرفين، يكون العراق أبرز ساحاتها.
فبعد التحذير الذي أطلقته السفارة الأمريكية في بغداد (في 12 أيار/ مارس الجاري)، لرعاياها في هذا البلد، ومطالبتها إياهم بـ«اليقظة» والاطلاع على معلومات إضافية على موقع السفارة لخدمة المواطنين الأمريكيين في العراق. طالبت وزارة الخارجية الأمريكية، أمس الأربعاء، موظفيها «غير الأساسيين» في سفارتها لدى بغداد وقنصليتها في أربيل بمغادرة العراق.
وأكدت الخارجية الأمريكية في بيانٍ نُشر على موقعها الرسمي، أن «لدى الحكومة الأمريكية قدرة محدودة على توفير خدمات الطوارئ للمواطنين الأمريكيين في العراق»، معلنةً في الوقت عيّنه «تعليق إصدار التأشيرات العادية للعراقيين مؤقتاً». على حدّ البيان.
وشملت إجراءات السفارة، «مغادرة العراق عن طريق النقل التجاري في أقرب وقت ممكن»، بالإضافة إلى «تجنب المنشآت الأمريكية داخل العراق»، و«مراقبة وسائل الإعلام المحلية للحصول على التحديثات»، فضلاً عن «مراجعة خطط الأمن الشخصي» و«البقاء على علمٍ بالمحيط».
وعزت السفارة الأمريكية في بغداد، سبب دعوة وزارة الخارجية الأمريكية موظفيها «غير الاساسيين» لمغادرة العراق، الى التعرض لتهديدات متزايدة، مبينة أن وزير الخارجية الأمريكي قد اطلع الحكومة العراقية على تلك التهديدات خلال زيارته الأخيرة.
وقال الناطق الرسمي باسم السفارة الأمريكية لدى بغداد، في بيان، إنه «بالنظر إلى سلسلة التهديدات المتزايدة التي نشهدها في العراق والتي أطلعنا الحكومة العراقية عليها خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي بتأريخ 7 أيار/مايو ومن خلال اتصالات لاحقة، قرر وزير الخارجية الأمريكي شمول البعثة في العراق بمغادرة الموظفين غير الأساسيين من السفارة الأمريكية في بغداد والقنصلية الأمريكية في أربيل».
وأوضحت السفارة أنها «تقوم بمراجعة وتقييم سلامة وأمن وعمليات منشآتها حول العالم وبشكل منتظم، وقررت أن الأمر بالمغادرة الملزمة يعد مناسبا في ضوء الظروف الأمنية الحالية»، مؤكدة «لا نتخذ هذه القرارات بإستخفاف».
أولويات قصوى
واشار الناطق باسم السفارة الأمريكية، إلى أن «سلامة الموظفين الحكوميين الأمريكيين والمواطنين الأمريكيين من الأولويات القصوى لوزارة الخارجية الأمريكية»، مشددا «نحن واثقون من عزم الأجهزة الأمنية العراقية على حمايتنا، لكن يبقى هذا التهديد خطيرا ونود التخفيف من خطر التعرض للأذى».
وختم بيانه بالقول: «نبقى ملتزمين بالشراكة مع العراقيين تعزيزا لمصالحنا المشتركة».
وفي 8 أيار/ مايو الجاري، وصل إلى العاصمة العراقية بغداد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، في زيارة غير معلنة لم تستغرق سوى أربع ساعات، التقى خلالها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ورئيس الجمهوري برهم صالح، لحثّهم على إن حماية الصالح الأمريكية في العراق من مسؤولية الحكومة العراقية، تزامناً مع قلق أمريكي من احتمالية استهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في وسط وجوب وشمال وغرب العراق.
وأضافت: «من غير المعقول أن نجلس وننتظر المجهول دون أن يكون لنا على الأقل رأي أو وجهة نظر أو استعداد لما قد يحصل في المنطقة من تطورات سريعة، وبالتالي، نرى ضرورة حضور رئيس الوزراء إلى مجلس النواب لشرح وجهة نظره تجاه الوضع الراهن واحتمالات التصعيد بين طرفي النزاع وكيفية التعامل مع تداعيات هذا الصراع وإنعكاساته على العراق».
القيادة المركزية الأمريكية، أعلنت كذلك رفّع حالة التأهب بسبب تهديدات وشيكة محتملة للقوات الأمريكية الموجودة في العراق من قبل إيران.
بيان للقيادة ذكر، أنها «بالتنسيق مع عملية العزم الثابت رفعت مستوى تمركز جميع القوات المشاركة في العمليات في العراق وسوريا»، مبيناً أن «العملية في درجة عالية من التأهب، ونحن نواصل عن كثب مراقبة التهديدات الموثوقة للقوات الأمريكية في العراق».
وعبّر الجيش الأمريكي مجدداً عن مخاوفه حيال تهديدات وشيكة من فصائل مقربة من إيران للقوات الأمريكية في العراق، مبينا أن القوات الأمريكية أصبحت الآن في حالة تأهب قصوى.
وقال المتحدث باسم القيادة المركزية للقوات المسلحة الأمريكية «سينتكوم»، المسؤولة عن منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، النقيب بيل أوربان، في تصريحات صحافية، إن «القوات الأمريكية في العراق باتت الآن في درجة عالية من التأهب، بينما نستمر في مراقبة تهديدات مؤكدة، قد تكون وشيكة بالنسبة للقوات الأمريكية في العراق»، وفق ما نقلته «رويترز».
لكن الجنرال البريطاني كريس غيكا، خالف وجهة النظر الأمريكية بخصوص التهديدات في العراق، إذ قال إنّ «التهديد الذي تمثّله القوات الموالية لإيران في العراق وسوريا لم يتصاعد».
وأضاف عندما كان يتحدّث إلى مسؤولين في البنتاغون من بغداد عبر الدائرة المغلقة «لم نلحظ أيّ تغيير لجهة الظروف أو بالنسبة إلى انتشار الحشد الشعبي».
إجراءات حماية
وسئل الجنرال البريطاني مراراً عن التناقض الواضح بين ما يقوله وخطاب الإدارة الأمريكية التي تتحدّث عن تهديدات «مقلقة» و«مؤشرات واضحة» إلى استعداد إيراني لشنّ هجمات على مصالح أمريكية في المنطقة، فأجاب «ما أقوله هو إنّنا نراقب التهديدات بكثير من الانتباه ونكيّف إجراءات حماية قواتنا» مع ذلك.
عبد المهدي تلقى 3 اتصالات من بومبيو وائتلاف المالكي يطالبه بإيضاح موقفه من الصراع بين واشنطن وطهران
وتابع «هل أنا قلق لمستوى الخطر؟ كلا، ليس حقيقة. نتّخذ سلسلة إجراءات حماية، ونعتبر أنّها تفي تماماً بالغرض». وحرص الجنرال غيكا على توضيح أنّ مهمة «التحالف الدولي» في العراق وسوريا تقضي بمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» وليس النظام الإيراني.
وقال «مهمتنا تقضي بالتغلّب على تنظيم الدولة. إيران غير مدرجة في الأوامر التي تلقيتها ولا في التعليمات ولا في أي وثيقة إدارية».
وزاد: «نحن هنا بناء على دعوة الحكومة العراقية لإلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية، وليس للقيام بأي مهمة تتعلّق بإيران. أشدّد على ذلك لأنني اعتقد أنّ الأمر مهم جدّاً في هذه المرحلة».
ورفض الجنرال البريطاني تحديد درجة الاستنفار لدى قوات التحالف في سوريا والعراق، مؤكّداً أنّ «ذلك قد يؤثّر في حماية القوات».
المتحدّث باسم القيادة المركزية الأمريكية بيل أوربان، اعتبر أن ّ تعليقات غيكا «تتعارض مع التهديدات الموثوق بها والمحدّدة المتوافرة لدى أجهزة الاستخبارات الأمريكية وحلفائها في ما يتعلّق بالقوات المدعومة من إيران في المنطقة».
وأشار إلى أنّ مستويات الإنذار في الحقيقة قد تمّ رفعها بسبب التهديد الإيراني.
وأضاف في بيان أنّ «القيادة المركزية الأمريكية بالتنسيق مع عملية العزم الصلب رفعت مستوى التأهب لجميع العناصر الملحقين لدى عملية العزم الصلب في العراق وسوريا».
وتابع «في النتيجة، فإن عملية العزم الصلب على مستوى عالٍ من الجاهزية، في الوقت الذي نستمرّ فيه بمراقبة التهديدات المحتملة والوشيكة على القوات الأمريكية في العراق من كثب».
في هذا الشأن، أعلن رئيس مجلس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، إجرائه 3 مكالمات هاتفية مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بحث خلالها دور العراق في «درء الخطر الذي يواجه المنطقة».
وقال، في مؤتمره الصحافي الأسبوعي: «أجريت 3 مكالمات هاتفية مع بومبيو قبل زيارته إلى العراق لبحث ملفات المنطقة ودور العراق في درء الخطر»، مضيفا أن «الخلاف الإيراني ـ الأمريكي ملف معقد، ونحن نبذل جهودا كبيرة لإيجاد مخرج للأزمة».
كبير مفاوضي ائتلاف «دولة القانون»، إبان تولي المالكي رئاسة الوزراء (2006-2014)، والسياسي البارز عزّت الشابندر، كشف عن طلب بومبيو، من العراق أن يكون له دور إيجابي للحد من التوتر بين أمريكا ـ وإيران.
وكتب في حسابه الرسمي على «تويتر»: «شبح الحرب بدأ يتراجع. ووزير الخارجية الأمريكي في زيارته الأخيرة للعراق لم يحمل رسائل الإنذار الأخير كما أشيع، إنما طلب من العراق دورا إيجابيا للحد من التوتر بين أمريكا وإيران».
ويبدو أن الموقف الحيادي للحكومة العراقية، بزعامة عبد المهدي، من التوتر بين واشنطن وطهران، لم يرق لمجلس النواب العراقي، وخصوصاً ائتلاف المالكي الذي يعدّ من أبرز الكتل الداعمة لإيران.
النائبة عن ائتلاف «دولة القانون»، عالية نصيّف، دعت عبد المهدي للحضور إلى مجلس النواب لـ«شرح رؤيته بشأن موقف العراق تجاه الصراع الدائر في المنطقة بين الولايات المتحدة وإيران».
وقالت في بيان لها، إن «الصراع بين الولايات المتحدة وإيران اتخذ منحى آخر، بعد أن أرسلت أمريكا سفينة هجومية وبطارات صواريخ باتريوت إلى المنطقة، وصعّدت من العقوبات الاقتصادية، وكل هذا يجري ونحن جغرافياً وسياسياً واقتصادياً في قلب هذا الصراع».
إلى ذلك، قالت وزارة الخارجية، إن الوضع الأمني في العراق «مستقر للغاية».
وقال المتحدث باسم الخارجية العراقية، أحمد الصحاف، في بيان اطلعت عليه «الأناضول»: «الوضع الأمني مستقر للغاية في العراق، ووزارة الخارجية العراقية تنسق مع الأطراف كافة، وتلتزم خطاب الحوار وإمكانية البناء على فرص التوازن في ضوء حاجة المنطقة لذلك».