أن تقضي رمضان بصحبة «أولاد الحلال» في وهران

حجم الخط
9

أفلت مسلسل «أولاد الحلال» من اللكنة الروتينية، نجا من تدوير الأسطوانة المكررة، وخرج عن اللهجة العاصمية، التي غالباً ما ميزت الدراما في الجزائر. لم ينحز إلى المركز، ولا إلى الصور النمطية، واختار أن يذهب إلى وهران، أن يوغل في الأحياء الجانبية، التي لا تطل عليها الشمس إلا لماماً، وتكاد تغيب عنها الإنارة العمومية، يستقي حوارياته من قاموس الراي والشيخات، لم يخل من الموسيقى، ومن محاولات فتح الأبواب الخلفية لثاني مدينة في البلد، يحكي عن الهامش المُستتر الذي يضيع بين الأسطر، ولا نلقي له بالاً. كما استفاد المسلسل نفسه، الذي يعرض خلال شهر رمضان، من مرونة الممثل عبد القادر جريو، الذي خرج من صلب المسرح قبل أن يجد لنفسه حيزاً أرحب في الشاشة. يؤدي دور «مرزاق»، الذي غامر من العاصمة إلى وهران، بمعية شقيقه «زينو» (الممثل يوسف سحيري)، بحثاً عن أصولهم العائلية المشتتة، في سيناريو يطرح الأسئلة الحرجة، عن هجانة العرق لا نقاوته، عن الأصول المغيبة التي نتقاعس في البحث عنها، عن خليط دم الجزائري لا نقاوته، كما يحاول البعض إقناع نفسه.


يبدو أن عبد القادر جريو قد وجد ـ أخيراً ـ دوره الأثير، بعد محاولات سابقة، في مسلسلات أخرى، ففي «أولاد الحلال» لا يحتاج أن يبذل جهداً كبيراً كي يُقنع المشاهد بما يفعل، يظهر عليه تآلف مع شخصية «مرزاق»، لهجته الوهرانية لا تُخالطها شائبة، وعلاقاته بجيرانه أيضاً، يظهر عليه ارتياح وهو يجوب المدينة الغربية وحاراتها الفقيرة، بدون أن يشعرنا بفروقات بين حياته النهارية والأخرى الليلية، حيث لم يغب تركيزه في التقاط تفصيلات صغيرة، من تلك الحياة الوهرانية، سواءً في مناظر الأمكنة أو في انفعالات الناس، لقد بدا كما لو أنه يحمل ثقل المسلسل على كتفيه، مثل سيزيف يحمل صخرته بدون أن تتدحرج به إلى الخلف، وكل ظهور له في الشاشة يتصادف مع طفرة في الأحداث وانتقالات لها، حتى تعوّد المشاهد أن ينتظر ظهوره كي يعرف الخطوة المقبلة التي سيتجه إليها سيناريو كتبته رفيقة بوجدي، يقوم على أحداث صغيرة متشابكة في ما بينها ومترابطة، تصب في الحدث الأكبر، مثل وديان تصب في نهر، بحثاً عن شقيقة مرزاق وزينو، اللذين بلغهما أنها تقيم في ذلك الحي العشوائي، الذي وجدوا أنفسهم فيه، والذي لا يبعد عن مسرح المدينة سوى بضعة أمتار.
من الوهلة الأولى، نشعر أن المسلسل (إخراج نصر الدين السهيلي) يسير نحو ثنائية، بين الأخوين مرزاق وزينو، إنهما يقتسمان بطولة مطلقة، ويحتلان كل الأحداث، لكن تدريجياً نجد أن البطولة كعكة يقتسمها الجميع، أو كما لو أنهم قطع شطرنج، إذا غاب واحد منها، بطلت اللعبة. لا نُجانب الصواب إذا قلنا إن هناك تجاذبا بين الشخصيتين الأساسيتين، كيمياء تصل بينهما، لكنها لا تتضح سوى في تقاطعهما مع الشخصيات الأخرى، التي مهما كانت ثانوية، فإنها تخدم الفكرة المحورية للمسلسل.

من الوهلة الأولى، نشعر أن المسلسل (إخراج نصر الدين السهيلي) يسير نحو ثنائية، بين الأخوين مرزاق وزينو، إنهما يقتسمان بطولة مطلقة، ويحتلان كل الأحداث، لكن تدريجياً نجد أن البطولة كعكة يقتسمها الجميع.

الشيء المثير في هذا العمل الرمضاني أن كاتبة السيناريو والمخرج تونسيان، مع ذلك فقد توفقا في تشريح الحالة الجزائرية، في الإمساك بالجزئيات ورفعها إلى السطح، وفي محو الفاصل الجغرافي، والأهم من ذلك أن الكاستينغ تضمن ممثلين قضوا شوطاً طويلاً في الدراما العاصمية، وتخيلنا أنه لا يمكن لهم أن يتحرروا من ثوبها الضيق، مثل إيمان نوال أو مصطفى لعريبي، لكنهم سرعان ما تمازجوا مع اللهجة الوهرانية، ولم تظهر عليهم فروقات مقارنة بممثلي القاعدة الغربية في البلد.
منذ الحلقة الأولى، نفهم الخط الذي يسير عليه العمل، أخوان «أولاد حلال»، ينصبان الفخاخ لرجال أعمال فاسدين، وبعض الأغنياء المشبوه في ثروتهم، ويحاولان إقامة العدل في الحي العشوائي، الذي يقيمان فيه، المسمى الباهية، كما لو أنها صورة معاصرة من «روبن هود»، قبل أن تتعدد الخيوط، وتطول، بين قصص حب تجمع بين ساكنة المكان، وقضايا انتقام وحقد وقساوة، وتتنوع الوجوه بما يختصر الحاضر الجزائري؛ من تاجر مخدرات إلى مرتزقة، وأم تعيل عائلتها وحدها، بعد سجن ابنها البكر، وأخرى تربي ابنتيها وأخرى لا تحلم سوى في الزواج من أجل «السترة»، ولا يفوت كاتبة السيناريو التركيز على متناقضات في عاصمة الغرب الجزائري، بين طبقة تعيش في رخاء فاحش وأخرى أكثر تعداداً منها تعيش في تعاسة مُتوارثة.
إلى غاية اليوم، يكاد مسلسل «أولاد الحلال» يفرض نفسه كواحد من أعمال الموسم الأكثر إثارة، كل حلقة منه كُتبت كما لو أنها سيناريو فيلم منفصل، في أحداث متصلة في ما بينها، لكنها أيضاً مكتفية بذاتها، التقطيع المشهدي أيضاً لعب دوراً، يُضاف إلى ذلك التوزيع العادل في الأداء بين الجنسين، والعمل المهم الذي تقوم به ـ مثـــلاً ـ سهيلة معلم (في شخصية ليلى)، حيث استطاعت أن تنأى عن فناء الكوميــــديا الذي اتسع لها في السنين الماضــــية، وتتعامل مع الدراما بأريحية، فما يحسب لهذا المسلسل أنـــه أخـــرج روح وهران من أحشائها، ووضــعها بطراوتها، أمام المشاهد، بدون ماكياج، كما لو أننا من خلاله نقرأ أنطولوجيا المدينة، في عاداتها وموسيقاها وصخبها، وليس فقط في بحثها عن أصول بطلي المسلسل المجهولة.
هذا العام، غالبية برامج رمضان، في الشاشات الجزائرية، سارعت لاقتناص الحدث الأكبر، وهو الحراك السلمي، الذي بدأ في 22 فبراير/شباط الماضي، صقلت منه سيناريوهات متشــابهة في ما بينها حد الملل، دفعـــت بغالبيتها إلى خندق الرتابة، فبعد عقدين لم تتجاوز فيهما تلك البرامـــج عتـــبة النقد الاجتماعي، جازفت بالقفـــــز في الهواء نحو نقد سياسي أحالها إلى تمييــع الغليان الذي يعرفه الشارع. كما أن العنف لم يغب، مرة أخرى، وتكرر خصوصاً في برامج «الكاميرا الخفية»، التي صارت كل عام أقرب ما تكون إلى حفلات من الصراخ والصخب الأجوفين.
لقد تغيرت الجزائر، في الفترة الأخيرة، وانشغل الناس بهموم جديدة، لكن الدراما لا تزال، في مجملها، تراوح مكانها، لذلك يأتي «أولاد الحلال» مثل شجرة تغطي غابة، يقلل من خيبة الانتقال بين القنوات الخاصة الأخرى، ويُصالح المشاهد مع المسلسلات المحلية.

٭ كاتب من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية