جنة أوروبا وجحيمها

حجم الخط
9

علاء الدين شاب في الثالثة والعشرين من العمر. عندما أراد السفر لم يركب بساط الريح، بل ركب البحر، على متن قارب يسير بمحرك 40 حصانا (من ماركة ياماها). برفقة اثني عشر شابا آخرين. اتجهوا إلى ألميريا في إسبانيا، في رحلة مسافتها تزيد عن 200 كيلومتر بقليل، لكنها دامت يوما كاملا. نظرا إلى اكتظاظ القارب وقدرته المتواضعة. انطلقوا من وهران في ظلمة الليل، وبلغوا مقصدهم في ظلمة أخرى. أوقفهم الأمن الإسباني حال وصولهم، وثّق بصماتهم، أتاح لهم ثيابا جديدة، ثم أخلى سبيلهم. واصل علاء الدين طريقه إلى بلنسية، ارتاح فيها يوما، ثم استمر إلى برشلونة، التي أقام فيها ثلاثة أيام، في التفاوض مع سماسرة، ونجح في التسلل إلى فرنسا عن طريق مدينة باربينيون. ومن جنوب فرنسا انتقل بالقطار إلى الشمال وصولا إلى باريس. والتحق بمئات من المهاجرين الآخرين مثله، الذين لا يحملون معهم شهادة ولا كفاءة ولا حرفة، بل يقضون وقتهم في بيع سجائر، وفي مطاردة سياح من أجل اختلاس موبايل وإعادة بيعه. ولا أمل له في مواصلة الدراسة، التي انقطع عنها، بل كل آماله في تسوية وضعيته القانونية وفي نيل بطاقة إقامة، من أجل أن يزور وهران. لم يقل من أجل العودة إلى الجزائر، بل من أجل زيارة قصيرة إليها. لا ينوي إعادة استقرار فيها. في باله أن الجزائر تحولت من وطن إلى مشروع زيارة فحسب.
على الرغم من قسوة الحياة التي يدور فيها في باريس، بجيب خالٍ، ويقتسم غرفة مع أربعة آخرين، مع ذلك لا يود العودة. يفضل البقاء على حاله، في بيع السجائر، وفي الفرار من أعين الشرطة، في الصباح وفي المساء، بدل أن يرجع إلى حياة أرحم. وأمثال علاء الدين بالآلاف، من مهاجرين جزائريين يقصدون أوروبا، بعد أن يدفعوا مالا كثيرا من أجل ركوب قارب، لكن لا خطة لهم عند الوصول إلى قبلتهم. المهم أن يصلوا إلى الضفة الشمالية من البحر، هكذا يفكر كل واحد منهم. بل إن الأمر لم يعد يقتصر على شبان تجاوزوا سن الرشد، بل التحق بهم مراهقون كذلك قرروا أن يغامروا بدورهم من أجل الوصول إلى إسبانيا، قبل أن يتفرقوا في بلدان أخرى. لكن لا فكرة لهم عما بوسعهم أن يفعلوه عندما يصلون. وهذه الظاهرة لها ما يبررها. إنهم يهاجرون سرا إلى أوروبا، ويعلمون أن الحياة فيها ليست جنة، لكنهم يؤمنون ﺒ «وعود» أوروبا. الوعود هي الكلمة المفتاحية في مغامراتهم. تعدهم أوروبا بالأمل، بعدما فقدوا الأمل في وطنهم. وهذه الوعود المعنوية هي محرك كل قارب يغادر الجزائر إلى إسبانيا. يقبل عليها الشباب لأن أوروبا، رغم كل أزماتها تنطوي على «وعد». وهو وعد بحياة بأخف الأضرار. لكن لا أحد منهم يعلم متى بوسع هذه الوعود أن تتحقق. المهم أن أوروبا لا توصد الباب بالكامل إزاء أحلامهم، بل تتركه مواربا، وعليهم الانتظار من أجل اقتناص فرصة. على عكس حالهم في وطنهم، حيث الباب موصود، أو هكذا يفكرون. هناك «وعد» مؤجل بتحسن حالهم في حال بلغوا أوروبا، ويظنون أن فرنسا أو إسبانيا مهما تعقدت فيهما الظروف، فسوف يأتي يوم وتنفرج. بينما في وطنهم لا يؤمنون ﺒ «وعد» يوحي بأن أحوالهم سوف تنقلب إلى الأحسن. إن التمسك ﺒ «وعد» غير ملموس ليست ظاهرة جديدة، بل سبقهم إليها جزائريون آخرون قبل ثلاثة عقود.

«وعود» بالسلطة وحور العين

في نهاية 1991 جرى الدور الأول من انتخابات تشريعية في الجزائر، وأفرز فوز حزب إسلامي بالحصة الأكبر من المقاعد. وكان يفترض أن يقام الدور الثاني في مطلع 1992، قبل أن يجري إلغاؤه. بالعودة إلى أرشيف تلك الحقبة، وإلى شهادات من شاركوا في التصويت فإن الغالبية تتشارك في رأي واحد. ويقولون إنهم صوتوا لصالح الحزب المتدين لسببين: أولا لأن حزب جبهة التحرير (رمز السلطة) لم يفِ بوعوده تجاههم في ما يتعلق بتوفير مناصب شغل وكذلك السكن، وثانيا لأنهم آمنوا بوعد الحزب الإسلامي، الذي وعدهم بحياة رخاء في حال بلغ الحكم. والمفارقة أن من المصوتين عليه، أشخاص لا يقيمون صلاة ولا يصومون رمضان، لكنهم صوتوا للإسلاميين إيمانا منهم بوعود، وبعدما شعروا أيضا بأن حزب جبهة التحرير لم يلتزم بوعوده نحوهم. فقد دخل الإسلاميون تلك الانتخابات من غير برنامج في السياسة، ولا في الاقتصاد، بل دخلوا إليها يحملون في أيديهم أكياسا معبأة بالوعود. ومن المتعارف عليه أن الجزائري كائن عاطفي، يصدق الوعود ومهما طال أجل انتظارها. وعقب إلغاء تلك الانتخابات، تحولت العملية من السياسة إلى الجهاد، رفض الحزب المتدين لعبة الانتخابات، وتحول إلى رفع السلاح. في الأثناء فقد تمكن من تجنيد مريدين له، وفي حشد شباب في صفوفه. ودخلت البلاد في العشرية السوداء. وقصد إقناع الناس بأن يتبنوا السلاح إلى جانبهم، لجأت الجماعات المتطرفة مرة أخرى إلى عصا الوعود. تعدهم بالجنة وحور عين في حال ماتوا، كما تعدهم بالمناصب وبالجاه في حال كسبوا المعركة. وقبل أن تجري مصالحة وطنية، ويضع هؤلاء المسلحون رشاشاتهم، فقد استفادوا كذلك من وعود بالعفو من السلطة. وهكذا تدور عجلة التاريخ في الجزائر، كلما أراد أحدهم أن يكسب مكانة له، شحذ مخيلة الآخرين بالوعود. فأمام الوعود يسير الإنسان بعينين مغمضتين. يصير مثل طفل يصدق ما يصغي إليه.
لذلك لا نرى في ظاهرة الهجرة السرية حدثا طارئا، أو ابتكارا حديثا، لأن الجيل الجديد، من أمثال علاء الدين، يشبه سابقيه، يؤمن بالوعود. وهذه المرة تغيرت ضفة الوعود. لم تعد الجزائر تتسع بالوعود بمستقبل أفضل، بل تغريهم الوعود التي تأتي من إسبانيا وفرنسا، يسافرون إليها بالبحر ويخاطرون بحياتهم، لأن «الوعود» وحدها تجعلم يتمسكون بأمل في الحياة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية