تتوارى القصة القصيرة، في الجزائر، خلف سور عال، فقد أضاعت مكانتها مقارنة بالقصيدة أو الرواية، ولم تعد تحتل موقعا يسمح للقارئ بالاطلاع عليها، أو مسايرة ما يجري فيها من جديد أو تحولات. إلى غاية التسعينيات من القرن الماضي، كان بالإمكان متابعة جيل من القصاصين، ظلوا أوفياء لهذا النوع الأدبي، يراكمون الإصدارات في الجرائد وكذلك في دور النشر، مثلما ظلوا حريصين على ملء المشهد في الملتقيات أو الندوات بأعمالهم المتتالية، ثم شيئا فشيئا اعتزلوا، منهم من اختفى أثره، ومنهم من انتقل إلى الرواية، فقد جرت عادة لا مبرر لها في الجزائر، مفادها أن كل من يكتب في القصة القصيرة لا بد أن ينتقل إلى الرواية، كأن النوع الأول يبرر القفز إلى النوع الثاني، مع أن النوعين الأدبيين مختلفان. وصار العثور على مجاميع قصصية جديدة مهمة عسيرة، في السنين الأخيرة، لأن القصة القصيرة تحولت في حد ذاتها إلى ما يشبه الأطلال، نتحدث عنها بصيغة الماضي لا الحاضر. وما نعثر عليه من مجاميع جديدة فإنها لا تغامر في كتابة مخالفة للسائد، بل تراوح مكانها بين الخاطرة واللعب على حبل اللغة، مثل بهلوان يلعب على حبل السيرك.
صارت ميزة القصة القصيرة، في الجزائر، الاشتغال على الإبهار اللغوي، وعلى تنويع القاموس والمفردات، وتكاد تخلو من اهتمام بالحدث أو المكان. تحولت إلى ما يشبه قصيدة نثرية لا قطعة سردية. كما إن القصة القصيرة، في الجزائر، تعذر عليها الإفلات من عباءة المؤسسين، وهؤلاء المؤسسون من حقبة الستينيات والسبعينيات، من القرن الماضي، انغمسوا في كتابة واقعية، ولم يبالوا بتنويع الثيمات. ينظرون إلى النص من زاوية واحدة بدل تنويع زوايا البصر. في محاكاة للواقع على علاته، وكأن القصة القصيرة يراد منها تدوين لحظة معيشية بدل ابتكار لحظة أخرى موازية.
لذلك تأتي المجموعة القصصية «نزهة» (منشورات الأمير، 2025) لمحمد حسن مرين، كي تقدم بديلا، في هذا النوع من الكتابة، فهي مجموعة لم تخلُ من جرأة في تعدد زوايا النظر، وكذلك في إقدامها على الانتقال بين موضوعات شتى، كما إنها لم تظل حبيسة لعبة لغوية، بل جعلت من الحدث عماداً لها. وهي مجموعة قصصة جاء كذلك مع إيجاز في اللغة، لكنها تتسع بالصور المجازية، مع تكثيف في الصورة والمعنى، بحيث أن من القصص التي تضمنتها المجموعة نفسها جاءت في صفحتين أو أكثر بقليل، إنها أقرب إلى ما يمكن أن يُصطلح عليه (ميكروفيكشن) أو الكتابة الومضة.
مع ذلك فإن الإيجاز لم يخل بالحدث ولا بالشخصيات، كما إن المؤلف يجعل من الجزائر مرآة ينظر فيها إلى نفسه وإلى الآخرين، مثلما فعل في قصة (الورقة)، عن شخصية تحاول قضاء مصالحها بما أوتيت لها من حيلة، وكذلك في قصة «نزهة»، التي حملت عنوان المجموعة، ويسرد في هذه القصة حياة الناس في الصحراء، وكيف أن القصص تزيد قلوبهم نظارة، على الرغم من معيشتهم القاسية. ويستثمر في الأساطير وفي حكايات واقعية، يعلي من قيمة المكان، ولا ينحو نحو كتابة مباشرة، بل مجازية. ينظر إلى الوقائع ويستنبط من الأساطير من دون إسقاط مباشر. وعلى الرغم مما تنضوي عليه القصص من محاكاة للحياة المعيشة، فإنها لم تتخل عن عنصر المفارقة، أو ما يشبه الصدمة في نهاية كل قصة، بشكل يكسر أفق توقع القارئ. كما إن قصر حجم القصص التي جاءت في «نزهة» لا يعني أن قراءتها تسلية وتمضية للوقت، بل إنها تراهن على التكثيف، بما يحفز على إعادة قراءتها، على الرغم من لغتها المتقشفة.
بين التقنية والتراث
تستعيد مجموعة «نزهة» تقاليد الحكي، وتعيد صياغة مشاهد من الحياة الجزائرية من منظور فني، تستقرأ الماضي والحاضر، تدور بين العجائبي والأسطوري، بين الواقعي والتراثي، فقد تقدم المؤلف إلى عمله وهو مسلح بأدوات السرد القصصي، من غير اتكال على اللغة فحسب، بل ينوع في أدواته بما يخدم الحدث والمكان، ملما بمفهوم القصة القصيرة، وما تقتضيه من صبر ومن تقشف في النص، من غير إخلال بالمعنى. كما إنها تسرد قصص شخصيات عالقة في ماضيها، على غرار قصة: «رجل الحائط»، التي تحكي عن رجل يقضي وقته في جلوس تحت لافتة كتب عليها (شارع الاستقلال)، لا يعرف المشي ولا التفكير ولا يرى وجهه في المرآة، قبل أن يقرر هجر الجلوس والخمول، لكن مشكلته أنه لا يعرف ماذا يفعل، يود الاستقلال من حالة اليأس التي فيها، لكنه لا يعرف من أين يبدأ. وهي قصة تتقاطع مع أخرى بعنوان «شجرة الشيخ»، يحكي فيها عن أشخاص لا هم لهم سوف التنقيب عن تاريخ العشيرة، بدل النظر في حاضرهم أو استشراف مستقبلهم.
مع ذلك فقد نلاحظ بعض التكرار في مفاصل من القصص التي تتوالى في المجموعة، مع ذلك فهو تكرار لا يخل بالمتن العام، ولعله تكرار مقصود من محمد حسن مرين، فقد غامر بملامسة مختلف الجوانب من المشاهد اليومية، في تنويع الشخصيات بين من تظهر في نوم أو يقظة، مثل قصة «المرآة»، عن كهل لم يحتمل أن يشيب رأسه ويود أن يبقى يافعا، يريد أن يعود إلى الحلم فلا يستيقظ ولا يرى الواقع. كما إنها مجموعة تصور الإنسان بين لحظة ركود ولحظة حركة، مع نهايات لم تتنازل عن إثارة المفارقة أو الصدمة في ذهن القارئ. وهي قصص تحتفي بالعجيب والعادي، مثل قصة «فج الجن»، التي يصور فيها كيف يمكن للعفاريت أن ينظروا إلى حياة الإنس. كما إنها تستثمر في الأمكنة والتراث من غير إخلال في بناء السرد القصصي، فيسرد المؤلف في «مشكلات الكلام» قصة رجل ينطق بكل ما يجول في خاطره، قبل أن يصاب بخرس ويصير غير قادر على الكلام.