أمين معلوف في “غرق الحضارات”: العرب لم يتجاوزوا نتائج حرب 67 ونكسة عبد الناصر

سمير ناصيف
حجم الخط
1

يطل علينا الكاتب اللبناني المقيم في فرنسا أمين معلوف في كتابه الجديد الصادر بالفرنسية “تحطم وغرق الحضارات” بصورة مختلفة عن التي يظهر فيها في كثير من كتبه الأخرى.

هذا الكتاب الذي من المفترض ان يكون السيرة الشخصية لمعلوف، صاحب كرسي كلود ليفي شتراوس في “الأكاديمية الفرنسية” منذ عام 2011 يُذكّر القارئ بكتاب ادوارد سعيد “خارج المكان” الذي كان يفترض ان يروي اختباراته في المراحل المختلفة من حياته ولكنه تجاوز ذلك وتناول قضايا إنسانية وسياسية واجتماعية هامة بتحليل معمق. ولدى سعيد طغى موضوعا الأدب والفلسفة على منهجه الفكري فيما طغت السوسيولوجيا السياسية على منهج معلوف مما يقربه من شتراوس.

بعد ان يتحدث معلوف في الفصول الأولى عن ولادته في مصر وطفولته في لبنان في خمسينيات القرن الماضي وشبابه ومن ثم دراساته العليا وعمله في بيروت ثم فرنسا، وانتقاله نهائيا مع عائلته للسكن في باريس، يظهر وكأن قلبه وجزء كبير من عقله ما زالا في لبنان ومصر والمشرق العربي، وأنه يحرص على التأكيد بأن السلام العالمي مرتبط بشكل مباشر بالسلام في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

في القسم الأول يقيّم مرحلة الرئيس جمال عبد الناصر في مصر والعالم العربي ويقول إنه كان قائداً مخلصاً ومحبوباً في بلده وفي المنطقة ولكنه ارتكب خطأ لم يرتكبه قائد جنوب افريقيا ورئيسها الراحل نيلسون مانديلا. فناصر اعتبر ان الوحدة السياسية تتطلب وحدة ودمجاً اجتماعيين شاملين للسكان في بوتقة واحدة متلاحمة مما قد يتطلب تقليص وحتى إلغاء نفوذ الخصوم الأيديولوجيين والمنتمين إلى مجموعات اجتماعية وقوميات وإثنيات مختلفة، فيما أصر مانديلا، بعد خروجه من السجن على بقاء خصومه من “الافريكانير” البيض الذين مارس معظمهم التمييز العنصري ضد المواطنين السود الذين نجحوا بعد ذلك في الانتصار والسيطرة على السلطة. ففيما حاول ناصر في كثير من خطواته إثبات أنه أكثر قومية ووطنية من خصومه السياسيين، قام مانديلا بخطوات لاستقطاب خصومه مفسراً ذلك ان بقاءهم في البلد يشكل خطوة فاعلة وإيجابية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لجنوب افريقيا. (ص 54). وفي المقابل، حاول عبد الناصر تقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين السكان عبر إصدار تشريعات وتأميمات أحدثت وقعاً سلبياً لدى بعض القطاعات الاقتصادية والتجارية وساهمت في هجرة بعض عائلات الطبقة الوسطى.

ويقول معلوف إن عائلته التي كانت تنتمي إلى أقلية وتعمل وتعيش حياة طبيعية في مصر ومرتاحة مادياً، اضطرت للهجرة إلى لبنان في مطلع الخمسينيات عندما كان هو في الثالثة من عمره خوفاً من إمكان “اجتياح” القومية العربية وأيديولوجيتها الأقليات المصرية عبر التعرض لمصالحها وممتلكاتها.

ويعتبر معلوف في الفصل الرابع (من القسم الثاني) ان الانعطاف الرئيسي في تاريخ منطقة الشرق الأوسط كان الخسارة المصرية والعربية لحرب 1967 أمام إسرائيل. ويشبّهها بما حدث لأمريكا بعد الهجوم الياباني على مضيق “بيرل هاربور” في عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، واحتلال ادولف هتلر لفرنسا في 1940 ولكن أمريكا وفرنسا استفاقتا من الهزيمتين فيما لم تستفق مصر والعالم العربي من هزيمتهما عام 1967 حتى الساعة (ص 113 ـ 114).

كما يرى ان أحداً من الزعماء العرب لم يملأ الفراغ الذي تركه عبد الناصر بعد وفاته المبكرة. وهنا يشير إلى أن المستفيدين من وفاة عبد الناصر وانهيار القومية العربية والشيوعية واليسارية كانت الأحزاب الإسلامية السياسية (ص 117).

ومن المفيد الانتقال إلى مراجعة قسم الكتاب الثالث حيث يعتبر المؤلف ان العام الفاصل لعملية انتقال شعوب القارة الآسيوية من التوجه القومي إلى التوجه الديني الراديكالي كان عام 1979 بعد وقوع الثورة الإيرانية حيث أصبحت أكثرية سكان الدول الآسيوية تربط هويتها القومية بالدينية وبشكل أكبر في الدول العربية والخليجية خصوصاً وأفغانستان وباكستان والهند وغيرها.

وبعد أزمة انقطاع (ثم ارتفاع) أسعار النفط في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، خسرت مصر جانبا من دورها القيادي المتقدم في العالم العربي أمام الدول الخليجية الغنية بالنفط وأمام دول عربية أخرى قومية التوجه ولديها ثروة نفطية كالعراق وليبيا (ص 223) كما تصاعد دور إيران في الشرق الأوسط وآسيا وأصبحت لاعباً رئيسياً في سياسة المنطقة، وقلبت المعايير في علاقتها بفلسطين حيث رحبت بالرئيس ياسر عرفات والتزمت الدفاع عن القضية الفلسطينية بعدما كان الشاه حليفاً لإسرائيل. واكتسبت الجمهورية الإسلامية الإيرانية شعبية في الشوارع العربية والإسلامية (لفترة) قبل حدوث ردة فعل طائفية سنية خصوصاً في الدول الخليجية ضد تصاعد دور الثورة الإيرانية الشيعية.

ويعتبر معلوف أن الشعوب العربية ما زالت تحن إلى الأيام التي كان عبد الناصر يدافع خلالها عن عروبتها وكرامتها بكل ما لديه، بالمقارنة مع كثير من زعمائها الحاليين المتخاذلين الذين تهمهم مناصبهم أكثر من مصالح شعوبهم.

في القسم الثالث يؤكد معلوف أيضاً ان مرحلة أواخر سبعينيات القرن الماضي (وخصوصا عام 1979) شكلت نقطة تحول جذري في سياسة واقتصاد العالم خصوصاً بعد حدوث “ثورتين” متناقضتي التوجه والطابع، أولاهما انتصار مارغريت ثاتشر في انتخابات بريطانيا وتغييرها معظم المعايير الاقتصادية والسياسية بحيث لم يعد العمال في الشركات والمؤسسات الكبرى يتحكمون في مصير البلد بفضل اضراباتهم المتواصلة، وأصبح الناجحون والأغنياء يقودون مصير البلاد من دون الخجل من امتلاكهم الثروات الضخمة والنفوذ. وهذه الظاهرة “الثاتشرية” انتقلت (حسب معلوف) من بريطانيا إلى أمريكا في عهد رونالد ريغان منذ عام 1980 وبعد ذلك إلى دول كانت شيوعية أو متزمتة اقتصادياً لتصبح معتمدة الاقتصاد الحر كالصين والهند ودول في آسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها. (ص 170 ـ 171).

ويشير إلى حدثين هامين في آسيا في سبعينيات القرن الماضي كان لهما أثراً كبيراً على سياسات أمريكا في الشرق الأوسط والعالم، أولهما خسارة الولايات المتحدة حرب فيتنام ودخول قوات الفيتكونغ الشيوعية إلى عاصمة البلد الجنوبية (سايغون) في نيسان/ابريل عام 1975 وصعود دينغ جياو بينغ إلى رأس السلطة في الصين وقراراته التي أدت إلى تبديل الوجهة الاقتصادية للبلد الأضخم سكانياً في العالم وفتح نوافذ الصين اقتصادياً وسياسياً على العالم لتصبح إحدى أقوى ثلاث دول في الكرة الأرضية. والأمر نفسه حدث في الهند حيث نشأت قيادة سياسية سعت وتسعى للتطور التكنولوجي والاقتصادي ولم تعد تركز على التدخل المباشر في قضايا العالم العربي السياسية، علماً انه لدى انتصار المعسكر السوفييتي في حرب فيتنام، كان النظام الشيوعي في آسيا يحقق النصر تلو الآخر قبل فشله في حرب أفغانستان.

في نظر معلوف ان الثورة الاقتصادية المحافظة بقيادة مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان بدلت وجهة العالم منذ عام 1979. ولكنه لا يركز بما فيه الكفاية على دور هنري كيسنجر، وزير خارجية أمريكا السابق منذ بداية السبعينيات على دعم واستقطاب ساسة أوروبيين على شاكلة ثاتشر لتحل مكان زعيم المحافظين السابق المعتدل عربياً وإسلامياً ادوارد هيث واستمالة زعماء عرب كبار كالرئيس المصري أنور السادات للسلام مع إسرائيل والقيام بمبادرات في آسيا ودولها الضخمة والقضاء على أي قيادة أو سلطة نفطية في دول الخليج العربي قد تستخدم هذه الثروة للتأثير على سياسة الولايات المتحدة الشرق أوسطية المؤيدة بدون تحفظ لإسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية مثلا اغتيال الملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز بعد استخدامه سلاح النفط لمواجهة إسرائيل وأمريكا في حرب 1973.

فثاتشر وريغان لم يكونا وحدهما من اللاعبين الأساسيين “في رأس الحربة” في التحول التاريخي ونجاح “الثورة المحافظة” في العالم. فبالإضافة إلى دور كيسنجر ونفوذه القوي في نظامي الرئيسين الأمريكيين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد وفي محاولته تأسيس أحادية أمريكية لتقرر مصير الشرق الأوسط والعالم، لعب زيغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر، دوراً مفصلياً في استدراج الاتحاد السوفييتي إلى التدخل عسكريا لحماية الحكومة الشيوعية المؤيدة له في أفغانستان (حسب الكتاب).

ولتحقيق ما سماه بريجنسكي لاحقاً اقحام النظام السوفييتي في “فيتنام ثانية” في أفغانستان أقنع هذا المستشار البولندي الأصل الرئيس كارتر (بعد انتخابه رئيسا عام 1977) بزيارة بولندا ولقاء كاردينال كاثوليكي بولندي أصبح لاحقاً البابا يوحنا بولس الثاني والتنسيق معه للقيام بعمل مشترك ضد النظام السوفييتي الشيوعي بعد تصاعد نفوذ الحزب الشيوعي الإيطالي الذي كاد ان يصل إلى السلطة في إيطاليا إثر تنسيقه وتحالفه مع “الحزب الديمقراطي المسيحي” بقيادة الدو مورو مما قد يقرب الحكومة الإيطالية من موسكو. وقد اختُطف آلدو مورو من قبل جماعات يسارية متطرفة (الألوية الحمر) ولم يعرف حتى الساعة من أصدر الأمر إليهم بقتله خلال هذا الاختطاف ولأي جهة بالفعل عمل الخاطفون. (ص 191).

وحسب معلوف، فإن الرئيس كارتر وقّع اتفاقية سرية مع المجموعات المسلحة المعارضة في أفغانستان للقيام بعمليات ميدانية لاستدراج السوفييت للتدخل عسكرياً في البلد (وقّعت الاتفاقية في تموز/يوليو 1979) ونشطت هذه المجموعات ميدانيا ومهدت للتدخل العسكري السوفييتي هناك في 24 كانون الأول/ديسمبر 1979. وبعد ذلك انهالت المساعدات المادية والعسكرية من جانب الدول الإسلامية والعربية الغنية على المجاهدين الأفغان.

فهل هناك تشابه في سياسة الاستدراج التي تمارس حالياً في الخليج العربي تجاه إيران؟ هذا أمر قد يستنتجه بعض قارئي هذا الكتاب.

يختم معلوف كتابه قائلا إن حل النزاعات السياسية والطائفية والاجتماعية الخطيرة في العالم يجب ألا يكون عبر فصل وعزل المجموعات المتنازعة عن بعضها في كيانات منفصلة ومغلقة حضارياً واجتماعياً ودينياً (ربما يقصد هنا ما تحاول القيادات الليكودية ان تفعله في إسرائيل بدعم من جهات داعمة لسياساتها في أمريكا وأوروبا والعالم). فهذا في رأيه يشكل ضربا من التطهير العرقي الذي سيؤدي إلى المزيد من الانفجارات والمواجهات. وهذا ما تفاداه نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا.

ويؤيد معلوف التناغم والتعاون بين الدول الأوروبية كما يؤيد الانفتاح بين الدول الكبرى في العالم ويأسف لأن ذلك لم يتحقق لدى مبادرات الرئيس السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشيف تجاه الغرب إثر نجاح إصلاحاته في النظام السوفييتي السابق. ويندد الكاتب بسياسات التحدي ومحاولات إسقاط الأنظمة في العالم التي تعتمد مواصفات غير عادلة مفروضة مسبقا لنظام عالمي جديد منحاز.

وفي ختام كتابه، يشير إلى أن هدف الكتاب كان حرصه على مستقبل أولاده وأحفاده ولعدم فقدانهم الأمل في نهوض المشرق العربي من كبوته الحالية، الأمر الذي سيساهم في نهوض دول وحضارات العالم وإنقاذها من الغرق في سجون الشوفينية والطائفية والأنانية.

 Amin Ma’alouf: Le Naufrage Des Civilisations

Grasset, Paris 2019

332 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية