رمضان شهر الإفتاء

لست ضد الإفتاء ولا ضد أن يكون لدينا دار للإفتاء. فالإفتاء مهنة يُراد بها تيسير الصعب من القضايا على الأفهام. لكن المشكلة التي أراها كل عام هو زيادة الإفتاء في البرامج الدينية وعلى صفحات دار الإفتاء المصرية، وفي صفحات الصحف وغيرها، إلى درجة تجعلني أسأل سؤالا بسيطا جدا وهو هل بعد 1500 سنة تقريبا من ظهور الإسلام ما زلنا في حاجة إلى الإفتاء.
طبعا ستنهال الردود على السؤال أن العالم يشهد تغيرات واختراعات ومظاهر جديدة للحياة، لا بد تحتاج إلى فتوى. طيب.. فلنستمر، لكن هل بعد 1500 سنة ما زلنا في حيرة من الحرام والحلال وفي مبطلات الصيام مثلا؟ ألم يعرف الناس على طول التاريخ أن السهو الذي قد يدفع صاحبه إلى أن يشرب شيئا من الماء تحت أثر العطش في رمضان لا يُبطل الصيام، فالسهو ليس فعلا إراديا.حتى بدون الحديث عن الرسول أن الساهي إنما سقاه الله، فالصيام لا يتم إبطاله إلا بالإرادة.
لكن الأمر يتكرر فيه الحديث كل عام. هذا من الأمور السهلة، لكن الصعوبات كثيرة وأحيانا مضحكة في الأسئلة والإجابات. الصعوبات حين تتم مناقشة أمور مثل هل يفطر مريض السكري، أو غيره من المرضى. للأسف ظهر كثير من المشايخ يقولون من زمان إن الأمر متروك للمريض، فهو من يحدد قدرته على الصوم أو ضرورة الإفطار، ومن ثم مات البعض من مرضى السكري. لا أنسى يوما كنت أزور فيه أحد الأقارب في العيد الصغير، وأنا أدخل من باب العمارة كان هناك رجل متوسط العمر يخرج منه، وألقى عليّ السلام ورددت التحية. ما إن صعدت إلى الدور الأول حيث أقاربي ودخلت شقتهم حتى ارتفعت الأصوات صارخة من الشقة المقابلة. فتح أقاربي الباب في هلع وعرفنا أن رب الأسرة في الشقة المقابلة قد مات في الشارع.
كان هو الرجل الذي قابلني خارجا وألقى عليّ التحية. صرت مندهشا جدا. لقد قابلني الرجل سليما. بعد دقائق عرفنا أنه مريض سكري استطاع أن يصوم رمضان وفقا لنصيحة الطبيب الذي قال له ما يقوله بعض الشيوخ أو أكثرهم، أن الأمر متروك لك، وأضاف الرجل الطيب إلى رمضان الستة أيام البيض. نجاه الله بعد صوم شهر كامل ومات بسبب الإضافة التي أضافها. في الحقيقة هذا الرجل مثل غيره ضحية عدم الحسم عند كثير من المشايخ في المسألة، فلا تجربة مع المرض. لكن هذا ليس كل الموضوع.
أثيرت في مصر اخيرا قضية هل استخدام الشطاف في دورة المياه يبطل الصيام؟ ونشرت الصحف اختلاف علماء الأزهر حول القضية، ثم حسمت دار الإفتاء الأمر، أنه لا يبطل الصيام، وصار الخبر الأكثر انتشارا على صفحات الميديا. تحقق النصر لأصحاب الرأي الذي يقول بعدم الإفطار، كأننا اكتشفنا كوكبا جديدا. كدت أعلق ساخرا أن الامام محمد عبده حين عاد من منفاه في فرنسا وقال «لقد رأيت إسلاما بلا مسلمين» لم يكن يقصد الحرية والمساواة والعدل وقيمة الفرد، لكن كان يعني أنهم في أوروبا لا يستخدمون الشطاف! لم أعلق لأنني أرى أي تعليق ساخر على مثل هذه الأمور تكون الإجابات عليه بالمئات من الشتائم وللأسف من أجيال شابة. لقد توغل هذا النوع من الفكر الساذج بين الشباب عبر سنوات طالت جدا الآن وستطول.

قرأت عن فتاوى مذهلة مثل سؤال قرأته في صحيفة «الأهرام» منذ سنوات طويلة من فضلك «هل أكل برادة الحديد يُفطر الصائم في رمضان؟» وكانت الإجابة تتحدث عن أنواع البرادة، وهل تؤكل أم لا، وغير ذلك كثير كأنها قضية حقيقية.

وعبر السنوات السابقة قرأت عن فتاوى مذهلة مثل سؤال قرأته في صحيفة «الأهرام» منذ سنوات طويلة من فضلك «هل أكل برادة الحديد يُفطر الصائم في رمضان؟» وكانت الإجابة تتحدث عن أنواع البرادة، وهل تؤكل أم لا، وغير ذلك كثير كأنها قضية حقيقية، وشعرت وقتها بأن صاحب السؤال ربما يكون جالسا في جلسة حشيش ويرسل الأسئلة من باب الهزار ويأخذها الشيوخ بجدية، تماما كالتي أرسلت تسأل هل نوم المرأة جوار الحائط حرام باعتبار أن الحائط مُذكّر! كثيرا حقا ما أشعر بأن أصحاب الأسئلة ساخرون، لكن هذا الشعور لا يصل إلى المجيبين. وتتوالى الأسئلة من نوع هل قُبلة الرجل لزوجته وهو صائم تفطر أم لا؟ وهل لو أذن الفجر والرجل يضاجع زوجته يصوم أم يفطر؟ وفي الإجابة عن السؤال الأول يتم الحديث عن أنواع القبل، وأن ما يفطر منها هو ما يثير الشهوة، ويجلب المني للرجل، كأن هذا يحتاج إلى فتوى، وكأن من يفعل هذا لا يعرف أنه يبطل صيامه حين يستمني بإرادته. أما السؤال الثاني فيجد إجابات من نوع أن أذان الفجر ليس حاسما، فظهور النهار لا يتم في دقيقة، وهذا يعني أنه قد يأتي بعد الفجر بدقائق ولا يسأل أحد نفسه من الذي سيضاجع زوجته وهو يعرف أن الفجر بعد دقائق أصلا؟ وبعيدا عن الصيام والأسئلة العجيبة قرأت رأيا لشيخ الأزهر المبجل عن ضرورة أن تحصل المرأة على إذن من زوجها للخروج لأن أطفالها قد يكونون في حاجة إليها، أو هو إلا في حالة العمل مادام الزوج قد وافق عليه منذ البداية. اندهشت جدا هل حقا تخرج امرأة في هذا الزمن من بيتها، بدون أن تخبر زوجها وهل تترك المرأة أطفالها وتخرج. الرجال أنفسهم يخبرون زوجاتهم عند الخروج، وكثيرا جدا ما ترى الزوجة أنها أو أنهم في حاجة إليه اليوم والرجل يطيع، فالأيام كثيرة والخروج مادام ليس اضطراريا لأمر مهم مُتاح في أي وقت. لقد تغير العالم ولم تعد المرأة جليسة الخيمة، بل هناك نساء يعملن ورجال لا يعملون، وهناك نساء بلا أزواج لسنوات طويلة سافر فيها الأزواج للعمل في الخارج وتقوم المرأة بتدبير حياة الأسرة. ومسألة أن الرجال قوامون على النساء تغيرت تماما، ومسألة أن الرجال عليهم تقديم المال لأسرهم تغيرت أيضا، فما أكثر النساء العاملات والرجال المبلطين في البيوت! والحياة الزوجية بدون تفاصيل ولا حكم دينية ولا مواعظ هي محبة ومودة وتفاهم واحترام متبادل، والمرأة لا تطيع زوجها خوفا من الطلاق ولا هو يطيعها خوفا من الخُلع. هما يطيعان بعضهما بالمحبة، والهدف من بناء بيت والاستقرار، فالبيت هو الوطن. أما آخر الفتاوى فلشاب من رجال الأزهر يقول إن الجهر بالإفطار لابد من معاقبة صاحبه، وهو لا يدري أن السعودية مصدر هذه الفتوى أصدرت بيانا بحرية الجهر بالإفطار، وبعيدا عن السعودية، فلم نكن كفارا حين كانت مقاهينا ومطاعمنا في مصر مفتوحة طول النهار في رمضان للفاطرين من الأديان الأخرى، أو كبار السن أو المرضى أو حتى من لا يصومون بإرادتهم، فأمرهم عند الله لا أحد آخر وكانت الناس تمر من أمام المقاهي، لا تلتفت إليهم فكل حر في علاقته بالله.
طبعا لن أعطي لكم أمثلة أكثر لكنني أعود إلى السؤال هل نحتار في الحلال والحرام بعد 1500 عام من الإسلام إلى هذا الحد؟ وهكذا أجد في شهر رمضان سيلا من الفتوى في أمور الحياة، بينما الناس عبر التاريخ وقبل الأديان السماوية أي حين كانت الأديان تتعدد فيها الآلهة يعرفون الحلال والحرام.

٭ روائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية