يبدو لي أن الاغتراب صورة من صور النفي. إلا أن النفي قد يكون صادراً عن جهة أعلى، بل أقوى، من الشخص المنفي، وهي جهة السلطة الحكومية أو الإرادة السياسية، التي تضطر الشخص إلى ترك وطنه والإقامة في بلد آخر، خاضعاً لإرادة ومراقبة السلطة صاحبة الأمر بالنفي، غالباً وقد تكون المراقبة والملاحقة للنفي بتوكيل سلطات البلد الآخر.
لكن الاغتراب ليس أقل قسوة على الإنسان الذي يضطر إلى مغادرة وطنه، والإقامة في بلد آخر، إلا في الغياب النسبي، قليل الخطر، من سلطات البلد الآخر، وفي حالتي النفي والاغتراب، كيف تتأثر هوية الشخص؟
أمامنا الكثير من أمثلة النفي والاغتراب، تتفاوت تأثيراتها في هوية الشخص المنفي أو المغترب. فقد تتأثر الهوية سلباً عند أصحاب النفوس والإرادة غير القوية، تبدأ من ساعة قيام المنفي أو المغترب بلبس البرنيطة بدل غطاء الرأس الوطني، في محاولة يائسة أن يخفي الشخص هويته في هذا البلد الآخر. وقد يُعين بعضهم معرفة جيدة بلغة البلد الآخر، ولو أن اللكنة قد لا تعين كثيراً.
أول ما يتبادر إلى ذهني من أمثلة النفي ما جرى لشاعر إيطاليا الأكبر دانته اليكَييرى (1265 ـ 1321) الذي كان ناشطاً في “حزب البيض” المعارض فحكم عليه بالنفي عن بلده فلورنسا فاضطر للتنقل حتى استقر به المقام في رافيفا وصار يقول عن نفسه إنه “فلورنسي خلقاً لا خُلُقاً”. لكن الحنق ومرارة النفي لم تؤثر على هويته ولا أخلاقه الشخصية، فبقي ذلك الشاعر المبدع، واسع المعرفة، وأكمل “الكوميديا الإلهية” أهم قصيدة في العصر الأوروبي الوسيط، قبل وفاته بقليل.
وفي أزمنة أقرب إلى زماننا ثمة مثال مهاتما غاندي (1869 ـ 1948) داعية السلام الأشهر في هند الإمبراطورية اللاتغرب الشمس عن أرجائها. كان نشاط غاندي السياسي ضد الحكم البريطاني الاستعماري قد أودى به إلى النفي إلى جنوب أفريقيا، لكن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في مسعاه نحو استقلال الهند ولم تتأثر هويته ولا شخصيته سلباً، وعاد إلى الهند ليواصل نشاطه السياسي.
يورد شاعر المقاومة الفلسطينية، سميح القاسم في سيرته “إنها مجرد منفضة، 2011” عدداً من القصص عن سياسيين عرب، في عدد من المنافي الأوروبية، منذ أواسط القرن العشرين. التقى بهم الشاعر ووصف بؤس حياتهم في المنفى، مما قلب هوياتهم وشخصياتهم بسبب شعورهم بالظلم الذي وقع عليهم من حكومات أوطانهم، فلم يعودوا مثلما كانوا قبل النفي، وصارت هوية الواحد منهم شديدة البعد عما كانوا عليه سابقاً، بما تراكم عليهم من كآبة وفقدان أمل بالعودة إلى ماضيهم… الجميل!
أما الحديث عن الاغتراب والمغتربين فهو ما يأخذنا حتماً إلى أوائل المغتربين من البلاد العربية، وأولهم اللبنانيون في بدايات القرن العشرين. كان السبب الرئيسي في اغتراب اللبناني، إلى أمريكا في الغالب، وإلى بعض البلاد الأفريقية لاحقاً، هو اقتصادي، بحثاً عن عمل أو مصدر رزق في “العالم الجديد البديع” بعبارة ميراندا في مسرحية شكسبير “العاصفة”. لقد عرفتُ الكثير من أولئك المغتربين أيام دراستي في أمريكا. كان يطلق عليهم “السوريون” بشكل عام لا يفرق بين السوري واللبناني. وكانت غالبية هؤلاء يعملون في التجارة، من الاستيراد من البلاد العربية نزولاً إلى إدارة المطاعم التي تقدم الوجبات السورية ـ اللبنانية التي تستهوي الأمريكان، الذين لا يعرفون من أصناف الطعام سوى اللحوم المسلوقة أو المشوية، مع الكثير من البطاطا! لم تتأثر هوية هؤلاء المغتربين السوريين ـ اللبنانيين، ولا شخصياتهم، من الكثيرين ممن عرفتُ. فحتى لغتهم الإنكليزية ـ الأمريكية تحمل من اللكنة ما يكشف عن هوياتهم عند أول جملة ينطقون. بل إن بعضهم له نصف ساعة يومياً على الإذاعة المحلية، تنطق بالعربية، وتقدم أخباراً عن الوطن الأم، مع الكثير من الأغاني العربية. وهذا ما يشير إلى أن هؤلاء المغتربين حافظوا على هوياتهم وشخصياتهم، تعرف ذلك من سرعة ترحيبهم بك عندما تخاطبهم بالعربية. وبعض أصحاب تلك المطاعم يملك جريدة أسبوعية تنشر بالعربية أخباراً ومشاعر حنين دائمة إلى البلد الأم.
ومن أشهر المغتربين اللبنانيين في أمريكا جبران خليل جبران (1883 ـ 1931). اغترب هذا الولد الموهوب صحبة والدته وهو في الثانية عشرة من العمر ولم يكن يتقن العربية ولا الإنكليزية، كما أتقنهما لاحقاً، وصار يكتب باللغتين روائع مثل “النبي” وغيرها، مما رفعه إلى مستوى كبار الكتّاب في بدايات القرن العشرين في أمريكا. لم تتغير هوية جبران ولا شخصيته في مغتربه في نيويوورك وباريس، بل بقي محافظاً على هويته اللبنانية العربية، على الرغم من ظروف الحياة الصعبة التي كان يعيشها، فيعود إلى لبنان في فترات قد لا تطول، ولكنها تقوي من التزامه بهويته وشخصيته اللبنانية العربية، وقد رفض الجنسية الأمريكية.
والمغترب الشهير الآخر هو اللبناني أمين الريحاني. مثل جبران، اغترب أمين الريحاني (1876 ـ 1940) إلى أمريكا وهو في الثانية عشرة من العمر كذلك. وهناك طوّر معرفته باللغة العربية وثقافتها، وباللغة الإنكليزية ـ الأمريكية وأدبائها. لكن هويته اللبنانية العربية كانت هي الطاغية. وكان حنينه إلى لبنان والبلاد العربية يدفعه للعودة والإقامة في الوطن الأم لتقوية جذوره الوطنية. وفي عام 1922 قام بجولات كبيرة في عدد من البلاد العربية، وقابل الكثير من الأدباء والأمراء ورجال السياسة، وكتب كثيراً عن الأوطان بمحبة وتعاطف.
وفي العراق بدأت ظاهرة الاغتراب في النصف الثاني من القرن العشرين، لكنه اغتراب أشبه بالنفي التلقائي، والأسباب سياسية في الغالب وليست اقتصادية. إن التقلبات في السياسة وأنظمة الحكم في العراق منذ أواسط الخمسينات من القرن الماضي دفعت بعدد غير قليل من العراقيين بالبحث عن بلد أوروبي غالباً، وأمريكي لاحقاً. في بعض البلاد الأوروبية يستغرب المرء من وجود أعداد من اللاجئين السياسيين أو المغتربين العراقيين في بلاد مثل بولندا، وبلجيكا، والسويد والنروج وبعض بلاد أوروبا الشرقية، حيث تكون لغات تلك البلاد عائقاً كبيراً في مسيرة الحياة اليومية، واللغة الأوروبية الوحيدة في العراق هي الإنكليزية، التي لا يتقن استعمالها كثير من أولئك المغتربين، فكيف يدبرون أمورهم في تلك البلاد؟ أنا لم أقابل أحداً من العراقيين المغتربين في أوروبا، باستثناء بعض المقيمين في بريطانيا. وحكماً على من عرفتُ من هؤلاء، أستطيع القول إن هوياتهم وشخصياتهم قد تأثرت سلباً بشكل واضح، يكشف عن برم بأوضاع حياة الاغتراب ونوعاً من النقمة على أوضاع العراق التي دفعتهم إلى الاغتراب. ومتابعتهم أخبار الوطن تدور حول إمكان التحسن الذين قد يمكنهم من العودة إلى حياة ألفوها ومجتمع لا يشعرون فيه بالغربة.
واغتراب الفلسطيني، في أمريكا من الغالب، بسبب الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد، يتميز عن أنواع الاغتراب الأخرى بأن الفلسطيني المغترب يحس أنه عائد إلى فلسطين قريباً، لذا تراه يحمل مفتاح داره التي أبعدوه عنها، وبخاصة بعد النكبة.
وأوضاع المغتربين اللبنانيين ممن عرفتُ في أمريكا لا تخلو من طرافة، هذا لبناني في عقده الثمانين “خواجه رزق الله” يدعو الطلبة العرب لزيارته في داره لكي “يتروحن ريحة البلاد”. وهذا زوج لطيفة أو “لتيفة” صاحبة المطعم اللبناني الذي كان ينقذنا نحن الطلبة العرب في الجامعة من روتين الطعام الأمريكي. كل يوم أربعاء كنا نقصد مطعم “لتيفة” بعدد من السيارات لنأكل المحاشي والكبّة بالصينية. كنا نطلب أنواعاً إضافية. لكن الزوج توماس (وينطقها: طامس) اقترح شيش كباب. فلما قلت له: هذا عادي جداً. أحس بالإهانة وقال للست “لتيفة” بغضب وطني: هذا الشاب لا يحب الشيش كباب!